“سميرة ديالي”
تخيلي أن الناس يعزونني فيك…فيكِ أنتِ بالذات، ماذا يعني هذا؟! أنك لم تعودي بيننا؟!! لا أكاد أصدق! وأنا التي كنتُ كلما ضاقت بي الحياة أهرب إليكِ. كيف يمكن للكلمات أن تستوعب هذه الفاجعة؟
كيف أصبح اسمكِ يُقال مسبوقًا بالدعاء والرحمة، بعدما كان يُقال مسبوقًا بالضحك والحياة؟
أقف مذهولة أمام غيابكِ، كأن عقلي يرفض أن يسلّم بأن امرأة جميلة المحيا كانت تملأ المكان دفئًا وألوانًا يمكن أن تختفي هكذا فجأة.
موجعٌ جدًا أن أتلقى العزاء في صديقة كانت تشبه الطمأنينة نفسها. في صديقةٍ لم تكن مجرد صديقة، بل جزءًا مني، من أيامي، من صوتي الداخلي.
كل شيء يمرّ الآن ناقصًا، والعالم بعدكِ ليس هو نفسه أبدًا…
كانت مؤمنة بأنها ستشفى، ونحن كنّا نتمسّك بصوتها وضحكتها كأنهما وعدٌ بالبقاء.
قاومت المرض بشراسة،..لكن الأرواح الجميلة تتعب أيضًا…
كانت تقاوم المرض كمن يقاتل من أجل الحياة بكل ما يملك من حب وأمل.
كل ألمٍ كانت تخفيه خلف ابتسامة، وكل تعبٍ كانت تواجهه بقلبٍ لا يعرف الاستسلام.
لم تكن معركتها عادية، كانت حربًا طويلة بين جسدٍ أنهكه الوجع، وروحٍ كانت متشبثة بالحياة حتى آخر لحظة.
قاومت بشراسة،لا خوفًا من الموت، بل حبًا في الحياة، في الناس الذين تحبهم، في الأحلام الصغيرة والكبيرة التي كانت تنتظرها.
كانت تتألم بصمت أحيانًا، لكنها لم تسمح للمرض أن يسرق منها أناقتها، ضحكتها، ولا حبها للحياة.
ولهذا… حتى رحيلها كان يشبه الكبار، موجعًا، نبيلًا، ومليئًا بالشجاعة.
بعض الناس لا يُقاس عمرهم بعدد السنوات، بل بحجم القوة التي زرعوها في قلوب من عرفوهم…وهي كانت واحدة من هؤلاء.
كانت تحلم أن تجلس أمام الميكروفون..لا لتشتكي المرض، بل لتحكي كيف قاومته.
كانت تريد أن تروي قصتها بصوتها، أن تتحدث عن الخوف الذي أخفته، عن الألم الذي كانت تبتلعه كل يوم بابتسامة،
عن المرأة التي كانت تحارب بصمت بينما تبدو للجميع قوية وأنيقة ومحبة للحياة.
كان هناك بودكاست لم ينجز، حلقة مؤجلة…تواعدنا أنا والعزيزة فاطمة الإفريقي بأن توثق عبرها قصتها وعصاميتها…سألتها بجبن لم تكن تؤمن به “سميرة ديالي”، هكذا تعودنا أن ننادي بعضنا…سميرة ديالي وحنان ديالي، “لطالما أخفيت قصة مرضك عن الناس…مستعدة الآن للحكي؟! الكل سيعرف ما حرصت على إخفائه!”، ردت بصوت صامد “حنان ديالي…غادي نتكلم ونحكي…لا أريد للمرض أن يخيف أحدا يوما…المشكلة ليست في المرض، بل في الاستسلام، ولو كنت استسلمت لكنت تحت التراب منذ سنوات”..
رتبنا كل شيء…لكن الموت كان أسرع. رحلت قبل أن تحكي قصتها كاملة، وتركتنا نحن نحاول جمعها من تفاصيلها الصغيرة، من ضحكاتها، من صورها، من الكلمات التي لم تقلها.
موجعٌ جدًا أن يغادر الإنسان وفي قلبه حكايات كان يريد أن يرويها. وموجع أكثر أن يبقى الكرسي فارغًا، والميكروفون صامتًا، والصوت الذي كان سيحكي عن الشجاعة… قد رحل إلى الأبد.
لكن بعض القصص لا تحتاج أن تُروى لتُفهم، هي كانت قصتها كلها، امرأة قاومت المرض بشراسة، وأحبت الحياة حتى آخر نبضة.
كنتِ عاشقة للألوان، للموضة، للتفاصيل الجميلة،
تدخل المكان فتترك فيه شيئاً منها دفئاً، وضوءاً، وراحةً تشبه البيت.
طيبة القلب، حلوة المعشر، قريبة من الروح حدّ الأخوّة… بل كانت أختاً منحها القدر للكثيرات مثليّ في هيئة صديقة.
عرفتها امرأة لا تشبه الضعف، كلما اشتد عليها الوجع ازدادت صبرًا ونبلًا وهدوءًا، وكأنها كانت تخفي آلامها حتى لا تُثقل قلوب من يحبونها.
رحلت بصمت موجع، لكنها تركت خلفها درسًا عظيمًا في الشجاعة والتشبث بالحياة.
اليوم لا أبكي فقط غياب صديقة عزيزة، بل ابكي قطعةً من الروح، ووجهًا كان يمنح الطمأنينة، وقلبًا نقيًا مرّ فترك فيها أثرًا لا يزول.
رحلت صديقتي، وتركت في القلب فراغًا لا يشبهه شيء.
لا يؤلمنا الموت فقط، بل يؤلمنا كل شيء كان يجب أن تعيشه ولم تعشه، كل الأحلام المؤجلة،كل الضحكات التي اختطفها المرض قبل أوانها.
رحم الله قلبًا كان مليئًا بالحياة…
رحمك الله “سميرة ديالي” بقدر ما تألمت، وبقدر ما قاومت، وبقدر الخير والمحبة التي زرعتها في قلوب كل من عرفك..
سأفتقدك كثيرا…كثيرا…