توجهات القاضي الدستوري المغربي في المادة الانتخابية: قراءة في اجتهادات محددة
تعد القوانين الانتخابية المجال الأكثر حساسية في البناء الدستوري لأي نظام سياسي، بالنظر إلى كونها تحدد شروط إنتاج النخبة التمثيلية وتضبط قواعد التنافس على السلطة. فهي ليست مجرد أدوات تقنية لتنظيم الاقتراع، بل تشكل في العمق تعبيرا عن فلسفة النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم، فإن الرقابة الدستورية على هذه القوانين لا يمكن أن تفهم بوصفها رقابة قانونية محضة، بل باعتبارها ممارسة ذات أبعاد سياسية ودستورية مركبة، تضع القاضي الدستوري في قلب معادلة دقيقة بين حماية الحقوق والحريات من جهة، واحترام اختيارات المشرع من جهة أخرى.
في هذا السياق، شهد القضاء الدستوري المغربي تطورا ملحوظا، سواء في مرحلة المجلس الدستوري أو بعد إحداث المحكمة الدستورية، حيث انتقل من رقابة شكلية تركز على المطابقة الحرفية للنصوص، إلى رقابة أكثر انفتاحا على المبادئ الدستورية، من قبيل المساواة، ونزاهة الانتخابات، والتناسب، والأمن القانوني. غير أن هذا التحول، على أهميته، لم يفض إلى بناء عقيدة اجتهادية متماسكة في المادة الانتخابية، بقدر ما أفرز توجها يغلب عليه الطابع التوفيقي، يجعل من القاضي الدستوري فاعلا حذرا يتجنب التدخل العميق في الخيارات السياسية الكبرى.
ومن خلال تتبع الاجتهادات، يمكن رصد مجموعة من السمات العامة التي تؤطر هذا التوجه. أولها اعتماد مبدأ الرقابة الدنيا، حيث لا يتدخل القاضي إلا في حالة وجود خرق واضح وصريح للدستور، دون أن يخضع الاختيارات التشريعية لاختبار صارم على مستوى آثارها العملية، بل وإنه أحيانا قد يتجاوز هذا الخرق الصريح ويقر بدستورية مقتضى قانوني معين كما نبين ذلك أحيانا. وثانيها تكريس السلطة التقديرية الواسعة للمشرع في تنظيم العملية الانتخابية، بما يشمل نمط الاقتراع، وشروط الترشح. وثالثها حضور مبدأ التناسب بشكل نظري، مقابل ضعف في تفعيله العملي، حيث يتم في كثير من الأحيان تبرير القيود على الحقوق السياسية بدعوى تخليق الحياة العامة، دون إجراء موازنة دقيقة بين الوسيلة والغاية.
غير أن هذه السمات لا تتضح بشكل كامل إلا عند اختبارها على ضوء وقائع محددة، تبرز حدود هذه العقيدة الاجتهادية وتكشف عن تناقضاتها الداخلية. وأقترح في هذا الإطار التوقف عند ثلاث حالات القاسم المشترك بينها هي أنها لم تكن مجرد تقنيات قانونية محايدة، بل كانت تعكس جدلا سياسيا حادا وتطرح رهانات سياسية تتجاوز البعد التقني إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل الحقل الانتخابي.
الحالة الأولى، تتعلق بالتصويت بالوكالة بالنسبة لمغاربة الخارج، التي تضمنها القانون التنظيمي رقم 11ـ 27 المتعلق بمجلس النواب، والتي تعد حالة نموذجية للتوتر بين النص الدستوري والتشريع الانتخابي واجتهاد القضاء الدستوري. فالدستور، حين نص على أن التصويت حق شخصي (الفصل 30)، وأحال على القانون لكي “يحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي. كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشيح، انطلاقا من بلدان الإقامة (الفصل 17)، لم يكتف بوصف تقني، بل أسس لمبدأ جوهري يفيد أن ممارسة هذا الحق يجب أن تتم بشكل مباشر، باعتباره تعبيرا فرديا عن الإرادة السياسية.
غير أن المشرع سمح بالتصويت بالوكالة، كما سمح بتصويت مغاربة الخارج في مكاتب التصويت داخل المملكة وليس انطلاقا من أماكن تواجدهم (المادة 72)، بل إن القاضي الدستوري لم يعترض واكتفى بالقول إنه: (وحيث إنه، لئن كان التصويت حقـا شخصيا بموجب الفصل 30 من الدستور، فإن الدستور نفسه أوكل في فصله 17 للقانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحقّ الترشيح بالنسبة للمغاربة المقيمين في الخارج، انطلاقا من بلدان الإقامة، الأمر الذي يجعل من سنِّ المشرع ـ في نطاق سلطته التقديرية ـ إجراء التصويت عن طريق الوكالة من حيث هو استثناء من مبدا شخصية الانتخاب بالنسبة للفئة المذكورة، على وجه الخصوص، مقرونا بالإجراءات المبينة في الفقرات الموالية من نفس المادة..” (قرار المجلس رقم 11 /817).
قد يكون القاضي الدستوري استند، بشكل ضمني، إلى اعتبارات عملية تتعلق بصعوبة تنظيم اقتراع فعلي في الخارج، معتبرا أن هذا الإجراء لا يمس بجوهر الحق بقدر ما يشكل وسيلة لتفعيله، إلى أن هذا التبرير يظل محدودا من زاوية التحليل الدستوري، لأنه لم يرفق بتأطير نظري واضح يحدد شروط هذا الاستثناء وحدوده. فالتصويت بالوكالة، حتى وإن كان يهدف إلى تفادي الصعوبات التي يثيرها التصويت خارج المغرب، يبقى خروجا عن “مبدأ شخصية التصويت”، وكان يفترض إخضاعه لاختبار دقيق يستند إلى معيار الضرورة والتناسب. وبالتالي، فقد اكتفى القاضي الدستوري بمنطق التوفيق، دون أن يبلور نظرية عامة تضبط العلاقة بين القاعدة والاستثناء، وهو ما يعكس ميلا نحو تغليب الاعتبارات العملية على الصرامة المفاهيمية.
الحالة الثانية، تهم القاسم الانتخابي، الذي تضمنه القانون التنظيمي رقم 21 ـ 04 يتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب كما وقع تغييره وتتميمه، والتي تبرز بشكل أوضح حدود تدخل القضاء الدستوري في القضايا البنيوية للنظام الانتخابي. إذ أن اعتماد القاسم على أساس عدد المسجلين، بدل الأصوات المعبر عنها (المادة 84 من القانون التنظيمي المذكور)، لا يشكل مجرد تعديل تقني، بل يعيد تعريف العلاقة بين الإرادة الشعبية والتمثيلية البرلمانية. وقد اعتبر القاضي الدستوري أن هذا الاختيار يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع، مستندا إلى فكرة أن الدستور لم يحدد نموذجا معينا للاقتراع، على نحو ما يظهر من قوله “وحيث إن الدستور، لا يتضمن، مع استحضار ما تقدم، أية قاعدة صريحة، تتعلق بطريقة احتساب القاسم الانتخابي، الأمر الذي يكون معه هذا الأخير، من المواضيع التي ينفرد المشرع بتحديدها”، وإضافته إنه “وحيث إن الدستور يكون، تأسيسا على ما سبق، قد جعل موضوع النظام الانتخابي لأعضاء مجلس النواب ضمن مجال التشريع، حيث أدرجه ضمن المشمولات التي ينفرد القانون التنظيمي بتحديدها، ويؤول أمر سن الأحكام المتعلقة بها حصريا إلى المشرع، وفق سلطته التقديرية، والتي لا يمكن للمحكمة الدستورية التعقيب عليها طالما لم تخالف أحكام الدستور” (قرار المحكمة الدستورية 21/118).
لكن إذا كان صحيحا أن الدستور لا يعرف القاسم الانتخابي ولا يحدد طريقته، كما هو شأن أغلب إن لم نقل جميع الدساتير في العالم، فإن هذا المفهوم ليس غامضا أو مفتوحا، بل هو محدد في الفقه الدستوري والفقه الانتخابي بشكل واضح، حيث يعرف عادة بأنه حاصل قسمة عدد الأصوات المعبر عنها (أو الأصوات المعبر عنها الصحيحة) على عدد المقاعد المتبارى حولها.
وبالتالي فإن هذا التعليل، رغم استناده إلى منطق احترام حرية المشرع، يثير إشكالا عميقا، من منطلق أن ما قام به المشرع لم يكن مجرد تعديل تقني، بل انتقال من منطق إلى آخر، من منطق يقوم على الأصوات الفعلية المعبر عنها، إلى منطق يدخل عنصر المسجلين، أي أشخاص لم يشاركوا في التصويت، وكان ذلك يفرض على القاضي الدستوري أن يخضع هذا الخيار لتحليل فعلي على ضوء مبدأي المساواة وصدق التمثيل. فاعتماد المسجلين يدخل “أصواتا افتراضية” في احتساب النتائج، وقد يؤدي إلى إفراغ التصويت من مضمونه الفعلي، دون أن يتدخل القاضي الدستوري لتقييم هذه الآثار. وهو ما يعكس مرة أخرى نزوعا نحو الاكتفاء برقابة شكلية، تترك القضايا الجوهرية خارج نطاق الفحص الدستوري الصارم.
الحالة الثالثة، يجسدها التعديل الذي تضمنه القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والذي وسع من حالات عدم الأهلية للترشح لتشمل وضعيات لا يكون فيها حكم قضائي نهائي قد صدر بعد، وعلى وجه التحديد منع الترشح بالنسبة للأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة في جناية (المادة 6 من القانون التنظيمي المذكور).
إن الأمر لا يتعلق هنا فقط بتنظيم تقني لشروط الترشح، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الحق في الترشح كحق دستوري، وضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها قرينة البراءة التي يضمنها الدستور نفسه (الفصل 23). وقد برر القاضي الدستوري هذا التوجه بالاستناد إلى أن تحديد شروط الأهلية للانتخاب يدخل ضمن المجال المسند إلى القانون التنظيمي، بما يجعل تدخلها في هذا المجال محصورا في مراقبة مدى تقيد المشرع بالنطاق الدستوري، ومدى احترامه لمعياري الضرورة والتناسب باعتبارهما قيدين على تقييد الحقوق السياسية، مع ضمان قابلية هذه القيود للطعن القضائي كلما تعلقت بمباشرة الحق في الترشح.
ويؤسس هذا القرار كذلك لتمييز بين قرينة البراءة والأهلية الانتخابية، حيث تؤكد المحكمة الدستورية أن قرينة البراءة، وإن كانت مكفولة دستوريا، فإن نطاقها يظل محصورا في المجال الزجري، في حين أن شروط الترشح تندرج ضمن تنظيم الحقوق السياسية، مما يخول للمشرع سلطة تقديرية في تحديد موانع الأهلية، حتى في حالات المتابعة أو الإدانة غير النهائية أو التلبس، متى كان ذلك مبررا بضرورات حماية نزاهة العملية الانتخابية وصدقها.
كما يستند هذا التعليل على أن تخليق الحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية تشكلان الأساس الموضوعي لتبرير هذه القيود، إلى جانب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بتقييد الحق في الترشح في حالات محددة تتعلق بجسامة الأفعال أو بمساسها بسلامة الذمة أو بنزاهة الاستحقاقات الانتخابية، دون أن يعتبر ذلك انتقاصا من جوهر الحقوق السياسية (قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25)).
غير أن هذا المنطق، رغم وجاهته الظاهرية، يثير إشكالات دستورية عميقة. ذلك أن توسيع حالات المنع ليشمل أشخاصا لم تثبت إدانتهم بعد، يفرغ قرينة البراءة من مضمونها العملي، ويحول التدبير الاحترازي إلى عقوبة مقنعة. كما أن القاضي الدستوري لم يخضع هذا التقييد لاختبار صارم لمبدأ التناسب، إذ لم يفحص مدى ضرورة الإجراء، ولا مدى ملاءمته، ولا إمكانية اعتماد بدائل أقل مساسا بالحق في الترشح.
فضلا عن ذلك، يغيب في هذا الاجتهاد أي تمييز بين طبيعة الأفعال موضوع المتابعة، حيث يتم التعامل مع حالات مختلفة بمنطق موحد، رغم اختلاف درجات الخطورة، وهو ما يتعارض مع مبدأ التفريد في القيود القانونية. وهنا يظهر بوضوح أن مبدأ النزاهة، رغم أهميته، قد يتحول إلى مبرر لتقييد الحقوق، إذا لم يتم تأطيره ضمن رؤية متوازنة تضمن عدم المساس بجوهر الضمانات الدستورية.
إن تحليل هذه الوقائع الثلاث يكشف عن نمط متكرر في سلوك القاضي الدستوري، يتمثل في التردد بين منطقين: منطق الحماية، الذي يقتضي الدفاع عن الحقوق والحريات، ومنطق التوازن، الذي يفرض احترام اختيارات المشرع. غير أن الكفة تميل، في كثير من الأحيان، لصالح المنطق الثاني، مما يجعل الرقابة الدستورية في المادة الانتخابية أقرب إلى وظيفة تنظيمية منها إلى وظيفة حمائية.
بالطبع يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن السياق السياسي والمؤسساتي الذي يشتغل فيه القضاء الدستوري، حيث تظل القوانين الانتخابية مجالا حساسا يرتبط مباشرة بتوازنات النظام السياسي. ومن ثم، فإن القاضي الدستوري لا يتحرك في فراغ، بل ضمن منظومة تفرض عليه قدرا من التحفظ، وتدفعه إلى تجنب القرارات التي قد تحدث قطيعة مع الاختيارات التشريعية الكبرى.
غير أن هذا الوضع يطرح تحديا حقيقيا أمام تطور العدالة الدستورية في المغرب، يتمثل في ضرورة الانتقال من قضاء التوازنات إلى قضاء الحقوق، أي من رقابة حدية تكتفي بمنع الخروقات الصريحة، إلى رقابة معيارية تخضع القوانين الانتخابية لاختبار فعلي على ضوء المبادئ الدستورية، خاصة في ما يتعلق بالمساواة والتناسب وحقيقة التمثيل. بمعنى آخر، فإن القاضي الدستوري مطالب بأن يطور عقيدته الاجتهادية في المادة الانتخابية، الشيء الذي يظل مرتبطا بمدى قدرته على تجاوز منطق التحفظ، والانخراط في بناء نظرية دستورية متماسكة للحقوق الانتخابية، تجعل من هذه الأخيرة ليس فقط إطارا لتنظيم التنافس السياسي، بل ضمانة حقيقية لديمقراطية تمثيلية فعالة.
لا يعني ذلك أن القاضي الدستوري مجرد من الاعتبارات السياسية، فالقضاء الدستوري، شئنا أم أبينا، يظل “قضاء سياسيا” أو على الأصح ذا وظيفة سياسية بحكم طبيعة موضوعه المتصل بتوزيع السلطة، وضبط قواعد التنافس الانتخابي، وحماية التوازن بين المؤسسات، وبحكم أيضا طبيعة تركيبة الهيئة أو الجهاز الذي يمارسه، خاصة في نموذج المجالس والمحاكم الدستورية.
لكن هذا البعد السياسي لا ينبغي أن يفهم أو يمارس باعتباره انحيازا مباشرا أو اشتغالا بمنطق الفاعل السياسي، أو تماهيا مع مركز السلطة، بل باعتباره نتيجة حتمية لكون الدستور نفسه وثيقة تنظيمية للسلطة وللصراع الديمقراطي، بما يجعل كل رقابة دستورية على المجال الانتخابي رقابة ذات آثار سياسية، حتى وإن استندت إلى معايير قانونية خالصة.
(مداخلة ألقيت يوم 30 أبريل 2026 في إطار ندوة “قراءات متقاطعة في القانون التنظيمي رقم 25-53 المتعلق بمجلس النواب على ضوء قرار المحكمة الدستورية رقم 25.259″، المنظمة من طرق الجمعية المغربية للقانون الدستوري).