سنوات من الاحتجاز ومسار معقد.. المغرب يعيد ستة مواطنين من الصومال
أنهت السلطات المغربية، خلال الأيام الأولى من ماي 2026، ملفا إنسانيا امتد لسنوات، تمثل في إعادة ستة مواطنين مغاربة كانوا محتجزين في سجن “بوصاصو” بمنطقة بونتلاند شمال شرق الصومال، وذلك بعد سلسلة طويلة من المناشدات العائلية والتحركات الحقوقية والاتصالات الدبلوماسية التي استمرت منذ سنة 2021.
وتعود بداية القضية إلى سفر المعنيين نحو الخارج بحثا عن فرص عمل، قبل أن يجدوا أنفسهم في مناطق نزاع داخل الصومال، حيث تم توقيفهم وإخضاعهم لتحقيقات قضائية على خلفية اتهامات ثقيلة مرتبطة بالإرهاب، غير أن مسار الملف عرف تحولا أساسيا بعد صدور أحكام قضائية لاحقة بالبراءة، وفق ما أكدته عائلاتهم وهيئات حقوقية تابعت الملف عن قرب، والتي اعتبرت أن المعنيين “وقعوا ضحية مسار مضلل وظروف معقدة في بلد يشهد اضطرابات أمنية”.
ورغم صدور هذه الأحكام، لم تحسم وضعيتهم بشكل فوري، إذ استمر احتجازهم داخل سجن “بوصاصو” لسنوات إضافية، بسبب عراقيل مرتبطة بالإجراءات الإدارية الخاصة بالترحيل، وعلى رأسها غياب وثائق السفر من نوع “رخص المرور” (Laissez-passer)، إضافة إلى تعقيدات التنسيق بين السلطات المحلية والجهات القنصلية.
وخلال هذه الفترة، تصاعدت معاناة العائلات في المغرب، والتي خاضت سلسلة من التحركات الاحتجاجية والحقوقية، شملت وقفات وندوات صحافية ومراسلات موجهة إلى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، من أجل الدفع نحو تسريع عودة أبنائها، كما تدخلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الملف، واعتبرته قضية ذات طابع إنساني وقانوني مستعجل.
وفي أبريل 2026، دخل المحتجزون في إضراب مفتوح عن الطعام داخل سجن “بوصاصو” الصومالي، في خطوة تصعيدية لفتت الانتباه إلى تدهور وضعيتهم الصحية والنفسية، ورفعت منسوب الضغط الحقوقي والدولي على أطراف الملف. وأفادت عائلاتهم حينها بأن الاتصال بهم أصبح محدودا، وأن حالتهم الصحية باتت مقلقة، ما دفع إلى تجديد الدعوات العاجلة للتدخل.
كما سبق لهيئات حقوقية أن أشارت إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر زارت المعنيين، وأكدت من خلال معطياتها انتهاء المسار القضائي في حقهم، وأن العائق المتبقي كان ذا طبيعة إجرائية محضة، مرتبطاً بعملية الترحيل وليس بالإدانة أو المتابعة القضائية.
وفي ظل هذا الوضع، ظلت العائلات تؤكد في مختلف خرجاتها الإعلامية أن أبناءها “أنهوا وضعيتهم القانونية بشكل كامل بعد صدور البراءة”، وأن استمرار احتجازهم لفترة طويلة بعد ذلك شكل معاناة مركبة، امتدت إلى آثار نفسية واجتماعية داخل الأسر، خاصة لدى الأطفال الذين عاشوا سنوات من الغياب.
ومع استكمال ترتيبات العودة خلال بداية ماي 2026، تم نقل المعنيين إلى المغرب، حيث استقبلتهم السلطات المختصة في إطار إجراءات إدارية وأمنية، لتنتهي بذلك مرحلة احتجاز دامت حوالي خمس سنوات خارج الوطن.
وعقب هذه العملية، عبرت العائلات عن ارتياحها الكبير لعودة أبنائها، ووصفت الخطوة بأنها “إنهاء لمرحلة طويلة من الانتظار والقلق”، مثمنة الجهود التي أفضت إلى إعادتهم، ومعتبرة أن التدخل المغربي في المراحل الأخيرة كان حاسما في تسوية الوضعية العالقة.
وفي المقابل، جددت الأسر دعواتها إلى طي الملف نهائيا، ليس فقط عبر العودة الجغرافية، بل من خلال تسوية الوضعية القانونية والإنسانية للعائدين، بما يسمح بإعادة إدماجهم داخل المجتمع بشكل طبيعي، ومعالجة تداعيات سنوات الاحتجاز الطويلة.
وتسلط هذه القضية الضوء مجددا على التحديات المرتبطة بالمغاربة العالقين في مناطق النزاع، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية والقضائية والإدارية، ما يجعل مسار التسوية معقدا، حتى في الحالات التي يتم فيها الحسم القضائي لصالح المعنيين.