من انتصر في الحرب الأمريكية الإيرانية؟
توصّل الطرفان، أمريكا وإيران، إلى اتفاق على وقف إطلاق النار، ساعات بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”الضربة القاضية” على حد تعبيره.. خرج الطرفان معا لإعلان الانتصار، وكأننا أمام حرب لا خاسر فيها، بل أمام حرب ينتصر فيها النقيضان.. الطرف الوحيد الذي لم يعتبر ما حصل انتصارا هو الطرف “الإسرائيلي”، فأطلق بعض سياسييه لمهاجمة الاتفاق، وأعلن تصعيدا ضد “حزب الله” في لبنان نافيا وجود علاقة بين الساحة اللبنانية والحرب مع إيران..
لم يسفر وقف إطلاق النار عن إنهاء ملموس للتوتر، بل بقي هذا التوتر حاضرا بتجليات متعددة، لعل من أبرزها: تعثر الجولة الثانية من المفاوضات في إسلام آباد (باكستان)، وإغلاق مضيق هرمز وقصف السفن العابرة منه بين فينة وأخرى، وفرض حصار اقتصادي بحري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، واستمرار التهديدات مع كل مذكرة إيرانية ترفضها واشنطن، ناهيك عن التوغل “الإسرائيلي” جنوب لبنان في ظل الربط الذي تتبناه طهران بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، الخ.
كل هذه التجليات، والتي ما زالت مستمرة إلى اليوم، تشير إلى انتقال من حرب إلى أخرى قد تستمر بأشكال مختلفة، رغم توصل طرفيها إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار. ونرى أن كل حديث عن الانتصار اليوم لا يخرج عن إطار دعاية كل طرف لصالحه، في حين يبقى الانتصار الحقيقي معلقا إلى غاية انكشاف ما سيسفر عنه مستقبل النظام الإيراني من جهة، ومستقبل الشرق الأوسط من جهة أخرى.
فمن انتصر بالفعل؟ الذي انتصر بالفعل -وما زال ينتصر- هو الصين؛ تكسب من انشغال أمريكا في الشرق الأوسط، تراكم نموها بعيدا عن أنظار هذا الانشغال الأمريكي، تعيد ترتيب علاقاتها بتايوان، تحول التحدي إلى فرصة بتطوير قدراتها في اقتصاد الطاقات البديلة واختبار إمكانات اقتصادية جديدة، تتقدم في توطيد علاقات استراتيجيتها العالمية.. فكلما انشغلت الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، كلما كانت الصين أقرب إلى رهاناتها ومشروعها بعيدا عن كل اشتباك يضيع تركيزها. الذين يطالبون الصين بتوسيع صلاحياتها في الشرق الأوسط، لا يفهمون هذه المسألة، ولا ينتبهون إلى أن الصين غير معنية بالشرق الأوسط إلا كسوق استراتيجية (وهذه آجلة)، أو كمستنقع أمريكي (وهذه عاجلة)..
ألم تنتصر أمريكا؟! لو انتصرت أمريكا لما اضطرت إلى مفاوضات تفشل في جولتها الأولى، وتضطر معها أمريكا إلى التصعيد من خلال حصار اقتصادي بحري تمهيدا لجولة ثانية. يأتي هذا التصعيد بمثابة النقطة الثانية في جدول أعمال الحرب، بمثابة خطوة ثانية بعدما أدت الخطوة الأولى أغراضها حسب تصريحات ترامب. وبالتالي فما يميز هذا الحصار الاقتصادي أنه جاء بعد الضربات العسكرية التي تلقتها إيران، والتي استهدفت قدراتها العسكرية الاستراتيجية. لا ينفي هذا المعطى الصمود الإيراني، ولا يؤكد انتصارا أمريكيا؛ غير أنه بالمقابل لا يعني بالضرورة انتصارا إيرانيا، ولا ينفي ما حققته الولايات المتحدة الأمريكية من أهداف في الحرب الأولى. أهداف أمريكية لا ترقى إلى انتصار لكنها تحققت، صمود إيراني لا يرقى إلى انتصار لكنه مؤكد ومستمر إلا حدود كتابة هذا المقال.
ألم تنتصر إيران؟! لو انتصرت لما وجدت نفسها أمام مفترق طريق وجودي لم تتضح سبيله بعد، ولا تجد في مواجهته غير صمود يتعرض للاختبار على عدة جبهات عسكرية واقتصادية واجتماعية.. وقد وصل هذا الاختبار ذروته بعد اتخاذ قرار فرض الحصار الاقتصادي البحري وتشديد العقوبات الاقتصادية، ما يفسر توالي المقترحات التي تطرحها إيران على الإدارة الأمريكية.. كلما اقترحت مقترحا رفضته الولايات المتحدة الأمريكية، فأعادت الكرة بإرسال مقترح جديد يتضمن التعديلات الجديدة لعلها ترقى إلى طموح إدارة دونالد ترامب. لعل إيران تعرف أكثر من غيرها -وهو كذلك- أن الحصار الاقتصادي يفرض عليها قواعد اشتباك جديدة بعدما أدت الاشتباكات الأولى غرضها، وهو إضعاف القدرات العسكرية والتماسك القيادي، وربما أدت إلى الانتقال من نظام إلى آخر، من “نظام ولاية الفقيه” إلى “نظام الحرس الثوري” وما يستبطنه من تناقضات قابلة للانفجار.
ألم تنتصر “إسرائيل”؟! “إسرائيل” أكبر المتضررين من كل اتفاق بين أمريكا وإيران لا ينهي الطموح الإيراني في المنطقة، ما تعلق من هذا الطموح بالمشروع النووي، أو بتطويق “إسرائيل” جيوسياسيا عبر الفصائل. لكنها قد تكتفي بما تحقق من قبيل التراجع الذي عرفته الدوائر الجيوسياسية الإيرانية من غزة إلى طهران، ومن قبيل الضربات التي تعرضت لها البنيات العسكرية الإيرانية، فضلا عن التحولات التي قد يعرفها النظام الإيراني مستقبلا والتي يُتوقع أن يكون الانتقال من “دولة الفقيه” إلى “دولة الحرس الثوري” أحد أبرز سماتها. إلا أن وقف الحرب بهذه الشروط لا يشكل الوضعية الأمثل بالنسبة للكيان الصهيوني، ما دام الخطر الإيراني لم ينعدم، وما دامت بعض إمكانات الاستئناف متاحة لقدراته، في واقع جيوسياسي لم يعد في صالح “الحلف” الأمريكي-“الإسرائيلي” مطلقا.