story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

بين زياش ويامال.. أكثرُ من 14 كيلومتراً

ص ص

جنّ أركان دولة الاحتلال من رفع لاعب برشلونة، المغربي الأصل الذي اختار منتخب إسبانيا، لامين يامال، علمَ فلسطين في احتفالات فريقه بلقب البطولة. من بين كثيرين، تدخل وزير “الدفاع”، يسرائيل كاتس، لتهديد ابن الـ18 عاماً، زاعماً، ضمن أكاذيب إسرائيلية لا تنتهي، أنه “ينشر الكراهية والتحريض ضد إسرائيل واليهود”.
المغربي الآخر الذي اختار بلده بدل هولندا، حكيم زياش، تعرّض للتحريض من كثيرين، بينهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي وصفه بـ”المعادي للسامية”، قبل تهديده بأن “إسرائيل لن تتعامل بعد اليوم بحذر مع أعدائها”.
حالة رهاب إسرائيلية مُزمنة تهاجم بعدوانية من تعتبرهم “أعداء” عندما ينتقدون جرائمها التي لا يمكن إنكارها، وتُحاكَم بسببها أمام أرفع مرجعية قضائية: محكمة العدل الدولية.
تواصل إسرائيل نفس اللعب على وتر “معاداة السامية” الذي كان سلاح الصهيونية الفتّاك في الغرب ضد أي سياسي أو رياضي أو مدرب أو فنان أو إعلامي، أو شخصية عمومية، قبل أن تَدُقَّ غزة إسفينا كبيرا في هذه الفزّاعة.
وقفت إسبانيا الرسمية تتضامن نجمها الصاعد يامال. صديق المغرب رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أكد أن مدريد “اعترفت بدولة فلسطين”، بما يشير إلى انسجام موقف اللاعب الشاب مع التوجه الرسمي، ويمنحه غطاءً سياسياً بالتأكيد على أن “إسبانيا أدانت الحرب التي تشنها السلطات الإسرائيلية في قطاع غزة”. أكثر من هذا، استنكر وزير النقل أوسكار بوينتي “همجية” إسرائيل في غزة حيث “حولت الحياة إلى خراب”، مدافعا عن يامال بقوله إنه “من المشرف أن لاعب كرة قدم لا يقف موقف اللامبالاة أمام الهمجية”.
التضامن مع يامال كان حمايةً له ولحقّه في التعبير بصفته مواطناً قبل أن يكون لاعباً، ورداً متناسِبا على تهجّمات مسؤولين سياسيين من دولة أجنبية في حقّ شخصية مؤثرة ووجه رياضي بارز.
في المغرب، لم ينطق لسان أي مسؤول مغربي بأيّة كلمة. صمٌّ بكمٌ عميٌ.
وقفت إسبانيا، رسمياً وشعبياً، خلف لاعبها، ودافعت عنه. في المغرب تبدو الدولة مكبّلة بتطبيع أخرسَ الألسن، حتى ما عادت تشعر أن نجمها ومواطنها حكيم زياش يستحق جملة تضامن.
في مدريد يوجد من يفكّر في المواطن ويشعر أنه مستأمن على مصالحه ومطوّق بواجب الدفاع عنه، وفي الرباط تثاقلٌ ودسٌّ للرأس في الرمال حتى تلاشت القصة.
كان يمكن للمسؤولين الإسبان أن يتركوا الأمور تتفاعل بعيداً عن السياسة، خاصة وأنّ لهم وقفات ضد إبادة غزة، ولا أحد يمكن أن يشكّك في صوابية قرارهم وهم يتعرّضون لتهجمّات لا تنقطع من تل أبيب وحلفاء الإجرام الإسرائيلي.
كان يمكن أن يسكتوا كما نظرائهم المغاربة، لكنهم فضلوا الدفاع عن لاعبهم الشاب، وقدّروا أن التهجمات والتحريض حين يصدران عن مسؤولين حكوميين تستدعي ردّاً حكوميا متماثلا، بل واعتبروا موقفه “مشرفاً” “وشجاعة” ولم يتنصّلوا منه. المدرب الشهير بيب غوارديولا، الإسباني الآخر الذي لا يفوّت فرصة دون التضامن مع الفلسطينيين، وصف موقف يامال بأنه “شيء يجب أن يفخر به”.
أما في المغرب، فقد تجد من يهاجم زياش.
فوق إجرامها في فلسطين وأكثر من بلد، تحاول إسرائيل ارتكاب جريمة أخرى بحقّ الضمير الإنساني، حين تُشنّع بكل من ينتقد إبادتها في غزة، أو في الحد الأدنى يعبّر عن تضامنه الإنساني مع الفلسطينيين، بتصويره معادياً لليهود بما هم يهود. بل تتواقح دولة الاحتلال إلى حدّ اعتبار رفع راية “معاداةً للسامية” وتحريضاً على الكراهية، ولا ترى جريمة في تسوية غزة بالأرض وقتل أكثر من 70 ألف إنسان.
إسرائيل تواجه ترديّاً غير مسبوق في صورتها، ما يجعلها أكثر تحسّساً من كل حركة صارت تُشعرها بالتهديد، لتنتج ردود أفعال تعبّر عن أزمة حقيقية تطوّق المشروع الصهيوني الذي يخضع لمحاكمة قاسية أمام الضمير الإنساني.
ما تريده إسرائيل هو أن تُحوز “حقّ” الإجرام، وأن تنزع عن العالم في المقابل حق الحديث عن إجرامها، ومن ثم محاسبتها. العالم لم يعد بإمكانه أن يُشيح بنظره عن مأساة الفلسطينيين. مشاهير كثرٌ يشعرون بمسؤولية أن يفضحوا هذا التردّي، بالوقوف في وجه ازدواجية المعايير، وبأن يحملوا في ضمائرهم تضامناً مع الضحايا. زياش ويامال من هؤلاء الذين لم يعودوا يقبلون بالسكوت المخزي الذي يعادل المشاركة في الجريمة، ويطرحون عن كواهلهم الارتهان لفزّاعة “معاداة السامية”.

قصارى القول
بين زياش ويامال مسافةٌ تتجاوز الـ14 كيلومتراً التي تفصل بين المغرب وإسبانيا. في جغرافيا السياسة تبدو الشُّقَةُ واسعةً في مفهوم الدولة والمواطن، تعبّر عن نفسها بشكل صارخ بين مسؤول حكومي يشعر بواجب الدفاع عن مواطنٍ تعرّض للتهجّم من مسؤولين حكوميين لدولة أجنبية، وبين آخر يشتغل بقاعدة “كم حاجة قضيناها بتركها”.
كلاهما نجمان، وكلاهما عبّر عن تضامنه مع الفلسطينيين، وكلاهما تعرّض للتهجمات من المسؤولين الإسرائيليين، لكنّ أحدهما دافعت عنه دولته، والآخر أُشعر أنه وحيد لولا تضامن شعبي، يعبّر عن حقيقة موقف المغاربة، الذين يرفض أغلبهم تقبّل دولة الاحتلال، رغم تطبيع رسمي يتحول باستمرار إلى عبءٍ يُكبّل عن مجرد تضامن رسمي، من خلال جملة كان يُمكن أن تُرمى على حاشية ندوة قد تُعيد بعض الاعتبار في وجه التطاول الإسرائيلي.