“شيعيون شيوعيون” على سنة “المخزن” ورجاله!
عندما كان دونالد ترامب يصف منافسَته كاميلا هاريس بالشيوعية، فإنه كان يعلم علم اليقين أنها لا تمثل في الحقيقة غير نقيضه الاقتصادي-السياسي، الرأسمال الصناعي العسكري؛ كما كان يعلم أن الشيوعيين الأمريكيين قد أبيدوا عن بكرة أبيهم في خمسينيات القرن الماضي، فلم يبق منهم غير فئات متفرقة بعضها أصبح متوحشا أكثر من الرأسمالية، فيما فضلت أخرى النضال الأكاديمي بعيدا عن أضواء السياسة الأمريكية.. كانت تهمة ترامب تثير الكثير من الضحك والنكتة، لكنها كانت في وظيفتها الاستعمالية جزءا من البروباغندا الانتخابية الأمريكية المعتادة..
في بلدنا، المغرب، حيث تختلط المرجعيات والإيديولوجيا بفعل “الخصوصية السياسية المغربية”، بفعل تاريخ خاص من العلاقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن تختلط بفعل تلاشي السرديات الكبرى وفقدانها لبريقها.. في بلدٍ خصوصيته استيعاب كل قابل للاستيعاب، وتقريب كل بعيد مهما ادعى البعد، هناك من يجد راحته الإيديولوجية أو السيكولوجية في توزيع الألقاب والأوصاف والإيديولوجيات، فيصف هذا بالشيوعي، وهذا بالسلفي، والآخر بالإخواني، وغيره بالليبرالي، وذاك بالاشتراكي.. في مشهد أقرب إلى مشهد للهزل أكثر مما هو مشهد للجد!
من يتأمل التاريخ السياسي لمغرب الاستقلال، من يعيد قراءة المذكرات على قلتها، من يطلع على بعض خبايا الشأن الحزبي، يكتشف حقيقة لا غبار عليه، وهي أن للخصوصية المغربية رجالا في كل حزب أو حركة أو منظمة أو نقابة أو جمعية، بل لها في كل من هذه التشكيلات الاجتماعية بنية قابلة للتحريك حسب المطلوب في كل مرحلة.. التحريك هنا لا يتم بشكل ميكانيكي كما قد يعتقد البعض، بل هي عملية تلقائية تفرز الطرف ونقيضه، وترشح هذا الطرف أو نقيضه حسب طبيعة المرحلة.. حصل هذا في زمن احتدام التناقض بين الدولة والحركة الوطنية، أما بعد أن تراجع هذا التناقض وكاد يتلاشى فقد أصبح لكل خطاب رهان، ولكل فعل إطار، ولكل مقال مقام، ولكل باب حراس، ولكل نظام ميزان، ولكل طرف نقيضه الذي يحد من قدرته على التأثير..
كل صرخة في فضائنا السياسي ما هي إلا حجرة على رقعة شطرنج الميزان السياسي القائم، كل ادعاء لاحتكار الفضيلة ما هو إلى موقع بين الإخوة الفضلاء، كل حديث في الأصالة ما هو إلا تكتيك في منظومة تحديث، كل دعوة إلى التحديث ما هي إلا تكتيك في استراتيجية التقليد، كل مقاطعة ما هي إلى حد من قدرة المشاركة، كل مشاركة ما هي إلا كبح لجماح المقاطعة، كل معارضة ما هي إلا استعداد للأغلبية بتقييد نجاح سابقتها، كل أغلبية ما هي إلا استعداد لخوض تجربة المعارضة، كل حزب ما هو إلا زاوية لتلاوة الأوراد، كل زاوية ما هي إلا حزب احتياطي، كل نقابة ما هي إلا عشيرة للدفاع عن حق قبلي، كل قبيلة ما هي إلا نقابة تطالب بحقها في الرأسمال..
الفاعل السياسي في المغرب لا يعي هذا، فيمارس الهذيان بلغة سياسية إيديولوجية.. أو لعله يعيه، فيمارس البوليميك السياسي. في واقع كهذا، حيث نتقدم جميعا أو نتأخر، حيث نتحرك في التاريخ، ببنية تستوعب الجميع وتستثمر أدلوجة الجميع وتوظف دينامية الجميع؛ في واقع كهذا يصبح المنطق الاستئصالي نقيضا للخصوصية السياسية المغربية، وتصبح كل الإيديولوجيات الكبرى مبالَغة، خاصة عندما تقدَّم كخطوة فورية للخلاص.. في حين أن الذهنية المغربية ذهنية مترددة متذبذبة، ولذلك فهي تأبى منطق الخلاص وتفضل مسافة الألف ميل على الفناء في خطوتها الأولى.. عموما، تحتفي الأمثال المغربية بالحكمة الواقعية، تحتفي بالفطنة أكثر مما تحتفي بالتضحية، وليس هذا عشوائيا في تاريخ حضارة عريقة كالمغرب.
التجربة الاستقلالية في المغرب رأينا مآلها، التجربة الشيوعية رأينا مآلها، التجربة الاشتراكية كذلك، التجربة الإسلامية تُنبئ ببعض مآلاتها.. تبقى الإيديولوجيات رصيدا أدبيا لتاريخنا السياسي، فيما تتخذ الممارسة موقعا لها في بنية اكتسبت مع مرور الزمن قدرة كبيرة على التطويع والترويض لا بيدها فقط، بل بيد الزمن الذي كادت تصبح له رداء، وكادت تتماهى معه لولا قدرة التاريخين الداخلي والخارجي على الخلق والابتكار..
أنْ يصبح “الإسلامي” “شيوعيا” في خصوصيتنا ليس فيه ما يوحي بالغرابة العملية، إذ يجمعهما تاريخ خاص رغم ما يفرقهما من ذهن وفكر. تستوعب تناقضهما الإيديولوجي بنية قائمة، وتغدو آمالهما المتناقضة وقودا لهذه البنية. تحولهما الممارسة السياسية القائمة إلى وجهين لعملة واحدة، هي تدبير وجود سياسي-اجتماعي يتقدم إلى الأمام بخصوصيته السياسة والثقافية، وينتج حركيته في التاريخ بتوظيف كافة الإمكانات التاريخية.. يحب كل منهما الاختلاف مع الآخر أو التعقيب عليه، لكنهما بنية واحدة. يناقض أحدهما الآخر مناقَضة مطلقة فقط عندما يفكر في التاريخ الطويل بعين عمره القصير، عندما يرى رسالته الإيديولوجية خالدة في زمن لا تخلد فيه الإيديولوجيات، بل تفنى كما يفنى أصحابها.
الإيديولوجيات الدينية النقيضة، الدخيلة وذات المنحى السياسي والاجتماعي والجيوسياسي النقيض، هي نفسها قد تتحول إلى وقود إيديولوجي داخلي؛ سلبا بالحشد الإيديولوجي ضدها، وإيجابا باستيعابها في تناقضات مصطَنَعة رغم أنف أصحابها الفاعلين في معمعانها. لقد غدت كل الخطابات جزءا من عمل قائم مرتَّب وقابل للاستثمار، بما في ذلك هذا المقال الذي يحاول صاحبه النظر بكيفية مغايرة، وبإرجاع الاختلاف إلى وحدته الأصلية.. هذا واقع سياسي قائم، وعلى منتِج الإيديولوجيا أن يعيه. فإذا غاب عن ذهنه، زاد إلى ضرورته السياسية غياب الوعي بها؛ وهذا هو الحاصل لأغلب من يمارس السياسة اليوم!