story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

بين الجيش المتفائل والاستخبارات الواقعية.. ماذا تخبر أمريكا نفسها عن حرب إيران؟

ص ص

يعكس التضارب الأخير في التقييمات داخل أروقة صناعة القرار الأمريكي طبيعة الخلافات العميقة التي تعصف بالمؤسسات السيادية والمسؤولة عن إدارة الأزمات الكبرى.

وتجلت هذه الفجوة بوضوح في الإفادة التي قدمها قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، والتي حملت رواية مغايرة تماماً لتقديرات مجتمع الاستخبارات حول حجم القدرات العسكرية المتبقية لدى طهران بعد أسابيع من القصف المستمر.

لقد سارع قائد القيادة المركزية إلى نفي التقارير الإخبارية التي تتحدث عن احتفاظ طهران بنسبة تتراوح بين 70% إلى 75% من صواريخها ومنصات إطلاقها التي كانت تملكها قبل الحرب، واصفاً تلك الأرقام بأنها غير دقيقة بالمرة.

هذا النفي الصريح يضع القيادة العسكرية الميدانية في مواجهة علنية ومباشرة مع وكالة الاستخبارات المركزية، التي أكدت مسبقاً لإدارة ترامب أن إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية باليستية هائلة بعد أسابيع من القصف، مؤكدة صحة رقم 70%. وينضم إلى هذا التوجه مجتمع الاستخبارات العسكري الذي استند إلى صور الأقمار الصناعية ليؤكد استعادة الخصم القدرة على الوصول إلى 90% من منشآت تخزين وإطلاق الصواريخ تحت الأرض، وأن 30 موقعاً صاروخياً من أصل 33 موقعاً ممتدة على طول مضيق هرمز باتت تحت السيطرة العملياتية مجدداً.

تتمحور نقطة الخلاف الأساسية حول زاوية الرؤية؛ فبينما تتشبث القيادة المركزية بالرواية العسكرية التي تبرز نجاح عملية الغضب الملحمي في تدمير 85% من القاعدة الصناعية الإيرانية، ترى المنظومة الاستخباراتية أن هذا التقييم يتجاهل مرونة الخصم وقدرته الفائقة على التعافي السريع وتجاوز آثار الضربات.
ويمتد هذا التباين إلى تقدير مدى الصمود، حيث تعتقد وكالة الاستخبارات المركزية أن بإمكان طهران تحمل الحصار البحري لعدة أشهر إضافية، في حين تصر القيادة العسكرية على أن قدرة الجانب الإيراني على وقف حركة التجارة عبر مضيق هرمز قد تدهورت بشكل دراماتيكي.

هذا الصدام بين التفاؤل العسكري والواقعية الاستخباراتية ليس وليد الصدفة، بل يضرب بجذوره في محطات تاريخية سابقة كشفت عن أزمات ثقة مماثلة.

وتثبت تقارير المفتش العام لوزارة الدفاع الصادرة عام 2017 وجود تصورات راسخة لدى المحللين بأن القيادة العليا داخل القيادة المركزية، والتي كانت تحت إمرة الجنرال لويد أوستن آنذاك، تعمد إلى توجيه وتشويه المنتجات الاستخباراتية لتقديم صورة أكثر تفاؤلاً عن نجاح الحملة ضد تنظيم داعش.

واشتكى المحللون من فرض رواية كاذبة تظهر القوات العراقية بأداء جيد والتنظيم في حالة انهيار، مع فرض عبء إثبات أعلى على الأخبار السيئة مقارنة بالأخبار الجيدة التي كانت تمر دون تدقيق كافٍ.

ويعيد هذا السلوك إلى الأذهان الشروخ التاريخية العميقة التي ظهرت إبان حرب العراق، عندما أسس البنتاغون مكتب الخطط الخاصة للالتفاف على تقارير وكالة الاستخبارات المركزية التي اعتبرت أقل حماساً للحرب، مما أدى إلى تزييف الحقائق والاعتماد على معلومات مفبركة من معارضين، لتنتج عن ذلك فجوة هائلة بين الرواية الرسمية للتحرير والواقع المرير للاحتلال والتمرد.

إن جذر الخلاف الحقيقي يكمن في اختلاف طبيعة المهمة والجمهور المستهدف؛ فالقيادة المركزية تقع تحت ضغط ميداني دائم لتقديم نتائج ملموسة للقائد العام، وتفضل بطبيعتها التقارير العملياتية للقادة الميدانيين الذين يملكون مصلحة في إظهار نجاح خططهم.

في المقابل، تتبنى وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية منظوراً استراتيجياً أوسع يدرس الاستقرار الإقليمي بعيد المدى، محذرة من أن الاحتفال بتدمير المنشآت يتغافل عن استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية الحيوية من صواريخ باتريوت وتوماهوك بمعدلات تتجاوز قدرة الإنتاج المحلي لعامين كاملين، مما يهدد الجاهزية الاستراتيجية ضد قوى عظمى مثل روسيا أو الصين.