الصبر الاستراتيجي والملل الجيوسياسي.. كيف استدرج ترامب نفسه إلى مستنقع إيران؟
يبدو المشهد السياسي في واشنطن اليوم وكأنه فصل من تراجيديا إغريقية، حيث يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه عالقاً في “شرك” جيوسياسي صنعه بنفسه، ولم يعد يستطيع الفكاك منه.
من خبروا دهاليز البيت الأبيض وسيكولوجية ترامب في الحكم، باتوا ينقلون بصوت مرتفع الحقيقة المزعجة التي ترسمها الوقائع لرئيس لم يعد يرى في الصراع مع إيران ساحة لإثبات القوة، بل عبئاً ثقيلاً يثير لديه “الملل” السياسي، والرغبة الجامحة في الهروب إلى الأمام، في وقت تبدو فيه طهران أكثر إدراكاً لنقاط ضعف خصمها وأكثر قدرة على استغلالها.
جوهر الأزمة يكمن في التناقض الصارخ بين رغبة ترامب في الخروج من الحرب “بأي ثمن” وبين رفض إيران لإنهاء القتال بالشروط الأمريكية.
هذا التعنت الإيراني خلق “ورطة” غير مسبوقة لرجل بنى صورته العامة على أنه “صانع صفقات” لا يهزم. والمثير للاهتمام هنا أن “الملل” الذي يشعر به ترامب ليس مجرد انصراف عابر عن الاهتمام، بل تحول إلى عامل محدد في عملية صنع القرار؛ إذ يحاول الرئيس باستمرار تقزيم حجم الصراع بوصفه “نزهة صغيرة” أو “حرباً مصغرة”، وهي محاولات لغوية تهدف لتخفيف الضغط النفسي والسياسي المترتب على الفشل في حسم الموقف.
خلف الأبواب المغلقة، ينقل القريبون من مركز الأحداث، وبينهم الصحفي المخضرم جوناثان لومير في تقريره الأخير بـ “ذا أتلانتك”، كيف يغلي ترامب إحباطاً من صمود الجانب الإيراني، لكن هذا الإحباط لا يترجم إلى تصعيد عسكري مباشر. ثمة تردد واضح في استئناف القصف، نابع من قلق إنساني يبديه الرئيس تجاه سقوط المزيد من الضحايا، وقلق عسكري أكثر براغماتية يتعلق باستنزاف مخزون الذخائر الأمريكية.
هذا التردد تجسد بوضوح في التخلي السريع عن عملية “مشروع الحرية” المخصصة لحماية الملاحة في المضيق؛ فالإدارة تخشى من أن أي احتكاك قد يتطور لمواجهة تصعيدية تستهدف السفن الحربية الأمريكية، وهو سيناريو يريد ترامب تجنبه تماماً، خاصة مع اقتراب زيارته الاستراتيجية إلى الصين التي يراها أولوية تتفوق على الغرق في رمال الشرق الأوسط.
الضغوط لا تتوقف عند حدود البيت الأبيض، بل تمتد لتشمل أروقة الحزب الجمهوري الذي يرتعد خوفاً من فاتورة الحرب الانتخابية. النواب الجمهوريون يواجهون سخطاً متزايداً من الناخبين القلقين، مما يضع ترامب في مواجهة نادرة مع قاعدته الحزبية والسياسية. هذا المناخ المسموم يضيق الخناق على الخيارات المتاحة؛ فالقائمة الأمريكية لـ “الأهداف العسكرية الهامة” داخل إيران استُنزفت فعلياً، وفكرة الغزو البري المحدود للسيطرة على منشآت نووية أو موانئ استراتيجية مثل جزيرة “خرج” تصطدم برغبة الرئيس في عدم تعريض حياة الجنود للخطر وتجنب التورط في “حروب أبدية” جديدة.
أمام هذا الأفق المسدود، يبرز خيار “إعلان النصر والانسحاب” كطوق نجاة يميل إليه ترامب، لكنه طوق محفوف بالمخاطر السياسية. فالانسحاب الآن سيعني ترك إيران بنصف ترسانتها من الصواريخ الباليستية على الأقل، وبقاء أذرعها الإقليمية، وعلى رأسها حزب الله، في كامل جهوزيتها القتالية، دون تحقيق أي تغيير في بنية النظام أو تصفية المخزون النووي. إنه انسحاب بطعم الهزيمة سيحاول ترامب تغليفه بانتصار وهمي، لكن الواقع الميداني سيظل يصرخ بعكس ذلك.
إيران من جانبها، تبدو وكأنها تلعب “نفسياً” مع الرئيس الأمريكي. القيادة في طهران، التي يعتقد أن الحرس الثوري يهيمن عليها حالياً، تدرك تماماً مأزق ترامب وهي ليست في عجلة من أمرها.
الاستراتيجية الإيرانية بسيطة وفعالة: “الصبر الاستراتيجي”.. هي لا تحتاج إلى “الفوز” عسكرياً، بل يكفيها “عدم الخسارة” لإثبات فشل الضغوط الأمريكية. طهران ستخرج من هذه المواجهة بسطوة أكبر على مضيق هرمز، وبرسالة واضحة للعالم بأنها تملك مفاتيح تعطيل الاقتصاد العالمي متى شاءت، وهو ما يمنحها اليد العليا في أي مساومات مستقبلية.
لقد لخص تقرير “ذا أتلانتيك” المأزق في حادثة مغادرة الوفد الإيراني لإسلام آباد قبيل وصول الأمريكيين؛ كان ذلك رفضاً لا لبس فيه لفكرة التفاوض من أساسها.
ترامب يريد “الصفقة” لإنهاء الكابوس، لكن الصفقات تتطلب طرفين، وإيران ترفض منح ترامب مخرجاً يحفظ ماء وجهه من مأزق هو من اختار الدخول فيه.
الخلاصة هي أن الرئيس الأمريكي بات سجين خياراته السيئة: فإما التصعيد الذي يعني أزمة إنسانية وسياسية واستنزافاً قد يطيح بمستقبله ومستقبل حلفائه السياسي، وإما التراجع الذي يعني اعترافاً ضمنياً بفشل مشروعه الحربي وهزيمة سياسية مدوية أمام خصم راهن على الصمود وهو في طريقه لكسب الرهان.