الموقف من إيران: الجزء الثاني
ناقشنا في الجزء الأول ضرورة التناقض مع النموذج الذي يمثله النظام الإيراني القائم على نظرية الولي الفقيه، وضرورة الوعي بحقيقة هذا النموذج وتناقضه مع هدف بناء الدولة الحديثة الوطنية في العالم العربي.
لكن، هل التناقض مع النموذج السياسي لإيران يلغي بالكلية أي إمكانية للتقارب والتلاقي مع إيران؟ وهل من المصلحة الحقيقية لدول المنطقة إقامة نظام موال لأمريكا في إيران؟
الجواب بطبيعة الحال، هو لا. فهناك العديد من القضايا التي يمكن التلاقي والتقارب مع إيران بشأنها.
يحكي المفكر الأمريكي الواقعي “جون ميرشايمر” في كتابه رفقة سيباستيان روزاتو ” “كيف تفكر الدول: عقلانية السياسة الخارجية” How States Think: The Rationality of Foreign Policy (2023) عن النقاشات التي طرحت بين المسؤولين الفرنسيين لمواجهة التحدي الذي باتت تشكله النازية قبل الحرب العالمية الثانية، وكيفية مواجهتها، ومما طرح هو مسألة التحالف مع الاتحاد السوفياتي لمواجهة خطر ألمانيا النازية، بحيث برز خلاف كبير بين أولئك المسؤولين حول هذه المسألة، وكان موقف الجنرال ماكسيم ويغان (Maxime Weygand) هو ضرورة التحالف مع الاتحاد السوفياتي لمواجهة خطر ألمانيا حيث قال “يجب مواجهة الشيوعية على الصعيد الداخلي…لكن على الصعيد الخارجي لا يجب أن تتداخل الأيدولوجية مع الضرورات الاستراتيجية”.
وقد كان لتأخر فرنسا وترددها في اتخاذ القرار الضروري بالتقارب مع الاتحاد السوفياتي الدور فيما جرى بعدها من حرب عالمية ثانية واحتلال ألمانيا لفرنسا بعد إعلان معاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي، وهو ما مكن ألمانيا من تحييد قوة عظمى كانت قادرة على إحداث توازن ضدها.
إن هذه الحادثة التاريخية وأمثالها كثير تبين مدى خطأ الرهان على تفرد قوى عظمى بالنفوذ، وعلى ضرورة وجود قوة عظمى أو إقليمية قادرة على إحداث التوازن المطلوب في مواجهة نفوذ قوة عظمى.
فإيران الحالية، بالرغم من طبيعة نظامها السياسي وخطورته -كما ناقشنا ذلك في الجزء الأول- هي عامل توازن ضروري في المنطقة، وهي في صالح دول المنطقة.
فليس من مصلحة دول المنطقة تفرد أمريكا أو إسرائيل بالهيمنة على المنطقة، لا سيما في ظل الواقع المأزوم الذي تمر منه الدول العربية -مثل مصر والعراق- ذات الثقل والوزن القادر على مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
ربما لا ينتبه كثيرون إلا أن التنمية والطفرة الاقتصادية التي حققتها دول الخليج تمت في ظل الصراع الأمريكي مع إيران منذ الثورة الإيرانية سنة 1979، فسقوط نظام الشاه الحليف لأمريكا وإسرائيل وقيام نظام الولي الفقيه المعادي لهما، منح دول المنطقة هامشا كبيرا في الحرية، وزاد من مكانتها لدى الإدارة الأمريكية، وهو ما تجلى في إقرار مبدأ كارتر سنة 1980 الذي أعلن من خلاله الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” بأن السيطرة على دول الخليج هو بمثابة اعتداء على الولايات المتحدة، وبأن هذه الأخيرة ستستعمل كل الوسائل بما فيها الوسائل العسكرية ضد أي محاولة للسيطرة على دول الخليج.
لقد جاء مبدأ أو عقيدة كارتر كرد فعل على الغزو السوفياتي لأفغانستان وعلى سقوط نظام الشاه الموالي لأمريكا وقيام نظام مكانه يرفع شعار تصدير الثورة ويعلن العداء لأمريكا.
وبهذا استفادت دول المنطقة تنمويا من قيام نظام ولي الفقيه وتناقضه مع الولايات المتحدة، كما أن من شأن سقوط النظام الحالي في إيران وقيام نظام موال لأمريكا مكانه أن يضعف من مكانة دول المنطقة. ذلك أن قيام نظام إيراني موال للولايات المتحدة يعني تراجعا كبيرا لمكانة دول المنطقة لصالح النظام الإيراني الجديد، لأن إيران من الناحية الجغرافية وبكثافة ساكنتها ومواردها الطاقية وجيشها الكبير وبعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها ستكون ذات أهمية أكبر بالنسبة لصانع القرار الأمريكي، الذي يسعى لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي، وإيران في هذا السياق هي ذات ثقل أكبر وأهم.
إن من شأن قيام نظام إيراني موال لأمريكا تحويل دول المنطقة إلى فاعل هامشي، بل إن من شأن ذلك منح إيران اليد الطولى في المنطقة، وبالتالي هيمنتها على دول المنطقة؛ فوجود إيران حليفة لأمريكا وإسرائيل هو تحدي استراتيجي كبير على دول المنطقة لا سيما مع الوضع المأزوم الذي تمر منه الدول العربية الكبيرة، والتي كان لها دور توازني مهم خلال عهد الشاه، لكنه دور مفتقر الآن.
إن التناقض الرئيس لدول المنطقة في ظل الواقع الموضوعي هو المشروع الصهيوني المدعوم أمريكيا، ذلك أن الهدف المعلن من هذا المشروع هو الامتداد الجغرافي في دول المنطقة والهيمنة عليها بالكلية، وهو مشروع قوي عسكريا وماليا واقتصاديا ومدعوم من أكبر قوة عظمى ومن دول غربية قوية، في حين أن إيران الحالية بالرغم من كل التحديات التي تمثلها على دول المنطقة إلا أنها ضعيفة اقتصاديا ولا تضاهي قوة المشروع الصهيو-أمريكي عسكريا، كما أن تحالفاتها هي مع دول -الصين وروسيا- تعارض من جهة الامتداد والهيمنة الإيرانيتين في المنطقة، كما تربطهما علاقات اقتصادية مهمة مع دول المنطقة من جهة ثانية، بالإضافة إلى أن روسيا والصين لا تسعيان ولا تملكان منظورا استعماريا للمنطقة، على عكس المشروع الصهيو-أمريكي، القائم على احتلال جزء من أراضي دول المنطقة والهيمنة المطلقة عليها.
لقد حذر مكيافيللي أميره من الاستعانة بالمرتزقة والقوات الأجنبية لحمايته، وقد أرجع خراب وضعف إيطاليا إلى الاستعانة بالمرتزقة والقوات الأجنبية.
“المرتزقة عديمي الفائدة وخطيرون، وإذا دعم أحد دولته بالمرتزقة، فلن يقف حازما أو واثقا أبدا، فهم مفرقون، وطموحون، بلا انضباط، غير مؤمنون، جريئون على الأصدقاء، جبناء على الأعداء، لا يخافون الله ولا يؤمنون بالإنسان.
في وقت السلم يحتقرك المرتزقة وفي الحرب يحتقرك العدو، والسبب في ذلك هو أنه ليس لدى المرتزقة أي حب أو دافع آخر لإبقائهم في الميدان سوي الأجر التافه، وهو لا يكفي لجعلهم مستعدين للموت من أجلك. إنهم مستعدون تمامًا لأن يكونوا جنودك طالما أنك لا تشن حربا، ولكن عندما تأتي الحرب، فقوات المرتزقة إما أن تطير أو تنهار تماما”.
“حينما يسأل إنسان جاره القوي، أن يأتي لمساعدته والدفاع عنه بقواته العسكرية، فإن هذه القوات تسمى “قوات معاونة” و”إضافية”، وهي تشبه في عدم جدواها، قوات المرتزقة… وقد تكون هذه الجيوش، جيدة في حد ذاتها ولكنها دائما شديدة الخطورة على من يستعين بها، لأنها إذا خسرت، فأنت المهزوم، وإذا انتصرت، فقد أصبحت أسيرها”.
“وإذا درسنا السبب الأول لزوال الإمبراطورية الرومانية تبين لنا أنه ناجم عن استئجار روما لقوات مرتزقة من القوط، إذ بدأ الضعف منذ ذلك الوقت يتسلل إلى قوة روما وعظمتها، لأن القوط أخذوا يستأثرون بجميع المنافع التي تغدقها الإمبراطورية على العاصمة…وقد أقر الحكماء دائما أن ليس هناك أضعف من الإنسان الذي يعتمد في قوته على قوة الآخرين”.
يبدو وكأن مكيافللي يتحدث عن عصرنا!
*علي فاضلي/ باحث في الدراسات السياسية والدولية