بين أزيز الطائرات وترقب الاجتياح.. قصص مغربيات عالقات في جحيم التصعيد بلبنان
تتصاعد سحب الدخان في سماء لبنان، ومعها تتزايد وتيرة القلق في قلوب مئات المغاربة المقيمين هناك، الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى، في مواجهة تهديد إسرائيلي جديد مفتوح على كل الاحتمالات، في ظل ترقب لاجتياح بري وهجوم واسع قد يستهدف مناطق متعددة في البلاد.
فمنذ تجدد المواجهات واتساع رقعة القصف عقب الردود المتبادلة بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، دخلت الجالية المغربية مرحلة جديدة من الخوف والترقب، خاصة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث لا يغادر أزيز الطائرات الحربية الأجواء، فيما يخيّم شبح التصعيد الشامل على يوميات السكان.
“أنا بخير.. حالياً”
في بيروت، ترد خديجة على سؤال “كيف الحال؟” بجملة تختصر حجم القلق الذي يسكنها: “أنا بخير.. حالياً”. هذه الـ”حالياً” ليست مجرد كلمة عابرة؛ إنها الفاصل الزمني بين غارة وأخرى، وبين هدنة انهارت وتصعيد استعر. تتوقف قليلا عندها، وكأنها تدرك هشاشتها.
تروي خديجة لصحيفة “صوت المغرب” كيف تبخرت آمال وقف إطلاق النار بعد الرد الأخير لحزب الله، مشيرة بمرارة إلى طوابير النازحين؛ فالمغربيات اللواتي كنّ يسكنّ الجنوب صرن اليوم مهجرات في قلب العاصمة، يبحثن عن أمان مفقود.
وترى خديجة أن أكثر ما يؤلم المغربيات هو الشعور بالتجاهل في كل أزمة، إذ تقول بنبرة ممزوجة بالعتب: “في كل مرة نتمنى أن يتم إجلاؤنا كبقية الرعايا، نرى طائرات كل الدول تحلّق لإنقاذ مواطنيها إلا نحن”. وتضيف: “على الأقل نرجو توفير طائرة تقلّنا إلى المغرب”.
وتتابع: “أنا أعيش في منطقة تعتبر آمنة نسبياً، لكن ما الذي يعنيه الأمان في حرب لا يمكن التنبؤ بها؟ حتى الآن لم تتواصل معنا السفارة، والتصعيد بدأ للتو”.
لا تقتصر مخاوف خديجة على ما يحدث الآن، بل تتجاوزه إلى ما قد يحدث لاحقا؛ فالحرب في نظرها وحش لا يمكن التنبؤ بخطواته. تخشى من اللحظة التي قد تتوقف فيها الحياة تماما إذا ما استُهدفت الجسور أو المطار، محذّرة من أن “المناطق الآمنة” في بيروت قد تصبح، في طرفة عين، بؤر استهداف مباشر، فلا أحد يملك ضمانة بأن بيته سيظل قائما حين تشتد الحرب.
“الوضع لا يطمئن”
وعلى بعد كيلومترات، في منطقة البقاع، تبدو ريم كمن يحاول التقاط أنفاسه، وسط ضجيج الطائرات الحربية الذي لا ينقطع. “الوضع ما بطمن، والتوتر كبير بزاف”، هكذا تصف ريم لصحيفة “صوت المغرب” حالها بلهجة مغربية ممزوجة بوجع الواقع اللبناني.
تجد ريم نفسها حبيسة جدران منزلها، تسمع دوي القصف وتقف عاجزة عن الرحيل، فلا مأوى آخر ينتظرها. رسالتها لا تخصها وحدها، بل تمتد إلى “الصبايا” العالقات في أقصى الجنوب، حيث تناشد السفارة المغربية ضرورة الالتفات إليهن وتفقد أحوالهن، مؤكدة أن كثيرات في أمسّ الحاجة إلى مساعدة عاجلة لا تحتمل التأجيل.
أما سلمى، التي تقتسم حياتها بين بيروت وصيدا، فترسم خارطة أخرى للألم، خارطة تفصل بين المناطق وفق الجغرافيا المشتعلة.
تروي سلمى لصحيفة “صوت المغرب” كيف يعاني المغاربة في مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية، وهي المناطق التي تشهد أعنف الهجمات، بينما تبدو مناطق أخرى آمنة “نسبيا”.
هذا التباين الجغرافي يضاعف معاناة المغربيات اللواتي وجدن أنفسهن في قلب المربعات الأمنية المستهدفة، حيث يتحول موقع السكن إلى عبء أمني يهدد حياتهن وحياة أطفالهن.
الأمان في لبنان اليوم، بحسب سلمى، ليس أكثر من توصيف مؤقت قد يتبدل في أية لحظة مع توسع العمليات العسكرية المرتقبة.
انتظار ثقيل
إنها حكاية جالية مغربية تجد نفسها اليوم بين مطرقة القصف الإسرائيلي المرتقب، الذي يهدد باجتياح واسع، وسندان الانتظار المرير لالتفاتة رسمية تنهي حالة “العزلة” في بلد يحترق.
بين صرخة ريم في البقاع وهواجس خديجة في بيروت، تظل المغربيات في لبنان يرقبن السماء، لا انتظارا للمطر، بل بحثا عن طائرة إجلاء بيضاء تنهي فصول هذا الكابوس الطويل قبل أن تغلق الحرب أبواب النجاة الأخيرة.
ومع إعلان الجيش الإسرائيلي دراسة خيار تنفيذ عملية برية داخل لبنان، واستدعاء قوات احتياط إضافية، يتعاظم القلق في أوساط الجالية المغربية من احتمال دخول البلاد مرحلة أكثر دموية، قد تشمل استهداف بنى تحتية ومناطق مدنية واسعة.
في هذا المناخ المشحون، تحولت حياة المغربيات إلى انتظار ثقيل؛ انتظار صفارات الإنذار، انتظار بيان عسكري جديد، انتظار اتصال من السفارة، أو حتى انتظار قرار مفاجئ قد يغير مجرى الأمور بالكامل.
وبين الخوف من القصف والخشية من اجتياح بري قد يفتح فصلا أكثر قسوة في هذه الحرب، تجد المغربيات أنفسهن عالقات بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في مناطق لم تعد مستقرة، أو انتظار مبادرة رسمية قد تتيح لهن مغادرة بلد باتت فيه الحدود بين “الآمن” و”الخطر” قابلة للانهيار في أية لحظة.
سياق التصعيد
الهجوم الإسرائيلي الحالي لم يعد يقتصر على تبادل القصف الحدودي، بل امتد ليشمل عمق الضاحية الجنوبية والبقاع، مخلفا حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 31 قتيلا و149 جريحا في يوم واحد، بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية.
من جانبه، رفع حزب الله من سقف ردوده العسكرية باستهداف مواقع استراتيجية في حيفا ومحيطها، معلنا أن هذه العمليات تأتي “دفاعا عن لبنان وثأرا لاغتيال خامنئي”، وذلك في سياق الصدام المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أعقب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على طهران فجر السبت الماضي، واغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.
وما يضاعف من حالة الذعر لدى المقيمين بلبنان، هو تلويح الجيش الإسرائيلي الصريح بخيار “الاجتياح البري”، واستدعاء نحو 100 ألف جندي من قوات الاحتياط، مما يعني أن الحملة العسكرية قد تتخذ شكلا أكثر تدميرا في الأيام المقبلة، بحسب مراقبين.