280 مليار درهم «دون فائدة».. الأزمي يُحرج لقجع وخبير في التشريع المالي يُحدد المسؤولية
لا تزال تداعيات القنبلة التي فجرها وزير الميزانية، فوزي لقجع، بشأن تخصيص نحو 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية للمغاربة خلال الولاية الحكومية الحالية، دون أن تنعكس بالقدر المأمول على المواطنين، تتصدر المشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 23 شتنبر 2026، وتثير أسئلة حول المسؤولية عن تدبير هذه الموارد ونتائجها.
وكان فوزي لقجع قد نفى مسؤوليته عن صرف هذا المبلغ، موضحا أنه يقوم بإعداد الميزانية، قبل أن تتم المصادقة على الاعتمادات المالية، ثم تتولى القطاعات الوزارية صرفها، مؤكدا أنه لا يملك اختصاص التدخل في تحديد مآلاتها وكيفية إنفاقها.
لكن على الرغم من هذا النفي الذي قدمه لقجع، يظل الجدل قائما حول حدود مسؤوليته، بالنظر إلى ضخامة المبلغ وموقعه الحكومي واختصاصاته المرتبطة بالميزانية، في وقت يطرح فيه الأمر أيضا مسألة تحديد الجهة أو الجهات الحكومية التي تتحمل مسؤولية توجيه هذه الموارد وصرفها، واتخاذ القرارات المتعلقة بمآلاتها.
توضيحات إدريس الأزمي..
وفي هذا الإطار، جدد إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ووزير الميزانية سابقا، التأكيد على تحميل المسؤولية لفوزي لقجع فيما يتصل بموضوع صرف 280 مليار درهم (28 ألف مليار سنتيم) لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، دون أن تحقق الفائدة المرجوة منها.
وأوضح الأزمي، في مقطع فيديو، يوم أمس، أن فوزي لقجع يُحضر مشاريع قوانين المالية، ويُدافع عنها في البرلمان، على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية كان يُنبه إلى أن القرارات التي تُتخذ لدعم استيراد اللحوم والمواشي لن تخفض أسعارها في الأسواق المغربية.
وأبرز الأزمي أن فوزي لقجع حضر ووقع على مراسيم إعفاء مستوردي المواشي واللحوم من رسوم الاستيراد من سنة 2022 إلى 2026، موردا: «هذه المراسيم منشورة في الجريدة الرسمية»، ومتسائلا: «هل تكذب الجريدة الرسمية؟».
وأضاف القيادي بحزب العدالة والتنمية أن لقجع حضر ووقع «ست مراسيم لفتح اعتمادات إضافية بما مجموعه 90 مليار درهم، ليصرفها تقريبا دون فائدة؛ وذلك في 16 يونيو 2022؛ و13 أكتوبر 2022؛ و22 ماي 2023؛ و6 يونيو 2024؛ وفاتح ماي 2025؛ و20 ماي 2026».
وأشار المتحدث إلى أن فوزي لقجع، بصفته وزيرا للميزانية، وقع إلى جانب وزير الفلاحة ووزير الصناعة والتجارة، في سنتي 2023 و2024، العديد من القرارات المشتركة لتتحمل ميزانية الدولة، عوض المستوردين، الضريبة على القيمة المضافة على استيراد المواشي، ضدا على الدستور وعلى القانون التنظيمي لقانون المالية.
الدعم هو نفقة عمومية..
وفي السياق ذاته، أوضح جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، المتخصص في التشريع المالي والمالية العمومية، أن «الدعم العمومي هو عبارة عن نفقة عمومية»، مبرزا أن «المرسوم الملكي للمحاسبة العمومية رقم 66.330 يقتضي عدم صرف أي نفقة عمومية بدون مقابل، سواء كان سلعة أو خدمة».
وأضاف، شارحا، في حديث مع صحيفة «صوت المغرب»، أن الأستاذ الجامعي، على سبيل المثال، لا يحصل على راتبه الشهري في منتصف الشهر، وإنما في 31 من الشهر؛ أي بعد تنفيذ الخدمة، والأمر ذاته ينطبق على الشركات التي تحصل على الصفقات العمومية.
واعتبر لعسري أن الأمر ذاته ينطبق على منح الدعم العمومي؛ إذ قال: «لا يجب أن يتم صرفه إلا بعد تحقق الغاية منه».
صرف 280 مليار وسؤال التحقيق..
وعن صرف 280 مليار دون تحقق الفائدة، أكد الخبير في التشريع المالي أن المسألة كانت تستدعي تحقيقا سياسيا في إطار الرقابة التي يمارسها البرلمان، من خلال مساءلة وزيرة المالية، نادية فتاح العلوي، باعتبارها السلطة التي تؤشر على النفقات العمومية.
وفي السياق ذاته، شدد الأستاذ الجامعي على أن المسألة تقتضي فتح بحث قضائي بالنظر إلى ضخامة المبلغ، متسائلا عن المبدأ الدستوري الذي ينص على المساواة أمام القانون.
يُذكر أن الفصل السادس من الدستور ينص على أن «القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له».
وأوضح لعسري أن وزيرة الاقتصاد والمالية هي رئيسة الخازن العام للمملكة، وهي المسؤولة عن التأشير على النفقات، متسائلا: «كيف أشرت على هذه النفقات دون إثبات تحقق النتيجة من الدعم العمومي؟».
كيفية صرف دعم رؤوس الأغنام..
وفي هذا الصدد، انتقد المقاربة التي اعتمدت في دعم استيراد الأغنام بـ500 درهم للرأس، موردا أن المسألة كانت تقتضي الصرامة في مراقبة نوع الأغنام المستوردة، وحجمها، وأثمنتها، سواء عند الشراء أو خلال مرحلة البيع في السوق المغربية.
وأضاف أن ذلك سيمكن الحكومة من ضبط عملية الاستيراد، وصرف الدعم العمومي، وتحقيق نتيجته على القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة، مبرزا أن عدم اعتماد شروط محددة ودقيقة يضع تلك النفقات العمومية خارج مقتضيات المرسوم الملكي رقم 66.330.
وأشار الخبير في التشريع المالي إلى أن أي إخلال في صرف النفقات العمومية يضع المدبر العمومي تحت طائلة المساءلة القانونية وفق مقتضيات القانون الجنائي.
ويرى المتحدث أن تخليق الحياة العامة وضمان الشفافية يستدعيان تخليق الحياة السياسية والقضائية، من خلال تفعيل أجهزة المراقبة، وخاصة الزجرية.
التراشق بين السياسيين وتبادل الاتهامات..
وفي هذا السياق، نبه جواد لعسري إلى خطورة التراشق بين السياسيين وتبادل الاتهامات فيما بينهم، معتبرا أن «الضحية لهذا النوع من التقاذف، هو المواطن».
واستغرب من تحريك الدعوى العمومية في بعض القضايا، فيما لا يتم تحريكها في ملفات المال، مشيرا إلى تحرك النيابة العامة في ملف يتعلق بـ«الرشوة بقيمة 300 درهم في إقليم تاونات»، ومعتبرا أن مثل هذه الأمور تدفع بالمواطن إلى الشعور بالانتقائية، وقد يردد: «اللي سرق 30 مليار نقولو ليه مبارك ومسعود، واللي سرق 300 درهم خاصو يتحاسب»، وفق تعبيره.
واعتبر أن «الأحزاب السياسية ميعت المشهد السياسي»، داعيا إلى «ألا تساهم النيابة العامة في هذا التمييع، وألا تكرس لفكرة الانتقائية في تطبيق القانون».
وخلص في هذا الصدد إلى أن الاتهامات التي يطلقها السياسيون في حق بعضهم البعض تستدعي فتح أبحاث قضائية، داعيا إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي، الذي وصفه بـ«المشوّه»، وإلى تنقية «الأحزاب السياسية المفلسة».
مسؤولية لقجع عن صرف 280 مليار درهم..
وبشأن نفي لقجع مسؤوليته عن صرف 280 مليار درهم، قال الأستاذ الجامعي: «إن المسؤولية تقع على وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، باعتبارها تؤشر على صرف النفقات العمومية، وبالتالي فإن ما قاله وزير الميزانية صحيح».
وأوضح متحدث «صوت المغرب» أن فوزي لقجع يقوم بإعداد الميزانية من خلال ضبط الحسابات لتوفير احتياجات الدولة ومرافقها العمومية، ثم تمر إلى البرلمان الذي يصادق عليها، وبعدها يصبح كل قطاع وزاري مسؤولا عن صرف ميزانيته تحت رقابة الخازن العام للمملكة، الذي يؤشر على الصرف، والذي ترأسه وزيرة الاقتصاد والمالية.
وأكد لعسري أن أي نفقة لا تستند إلى معطيات دقيقة وواضحة لا يجب التأشير على صرفها، مشددا على أن المال العام يجب أن يكون خطا أحمر.
مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة..
وفي سياق متصل، كان محمد مشكور، رئيس فرع الجمعية المغربية لحماية المال العام بجهة الدار البيضاء سطات، قد قال إن الحديث عن صرف 280 مليار دون فائدة يستدعي تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، متسائلا: «إذا لم يتم تفعيله في مثل هذه الحالات، فمتى سيُفعل؟».
وأبرز مشكور، في تصريح لصحيفة «صوت المغرب»، أنه، بغض النظر عن قيمة المبلغ، يجب أن يكون المال العام خطا أحمر، لارتباطه بشؤون البلاد ومستقبلها، مؤكدا أن التصرف في المال العام يستدعي، بالنسبة إليهم في الجمعية، المراقبة والمحاسبة.
وأوضح مشكور أن تفعيل مبدأ المحاسبة سينعكس بشكل إيجابي على الحياة العامة، إذ ستترسخ لدينا ثقافة الشفافية والتخليق.
وفي وقت سابق، أبرز محمد نجيب بوليف، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، والخبير الاقتصادي، أن تصريح فوزي لقجع لا يجب أن يمر دون محاسبة.
وأوضح بوليف، في حوار مع صحيفة «صوت المغرب»، أن المسألة لا تتعلق بمبلغ بسيط، وإنما بـ280 مليار درهم، وهو رقم كبير جدا، ويعادل إنجاز أربعة موانئ مثل ميناء الناظور، وميناءين مثل ميناء طنجة المتوسط (Tanger Med)، ومشاريع كبيرة جدا يمكن أن تساهم في تقدم المغرب.
واعتبر بوليف أن الموضوع يستدعي أن تتدخل هيئات المجتمع المدني، وهيئات الدولة التي تراقب المال العام، على الخط، للبحث عن أسباب الفشل، ومن يتحمل مسؤوليته، وترتيب الجزاءات المناسبة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.