story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حوارات |

280 مليار درهم تُشعل الانتخابات.. الوزير السابق بوليف يطالب بالمحاسبة – حوار

ص ص

بينما يقترب موعد التصويت في الانتخابات البرلمانية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، ازداد منسوب الصراع وتبادل الاتهامات بين حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الحكومة، وحليفه في الأغلبية حزب الأصالة والمعاصرة، ووصل حد إعلان فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والقيادي الملتحق حديثا بـ«البام»، أن الحكومة صرفت 280 مليار درهم لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، ولم تحقق الفائدة المرجوة منها.

واعتبر متتبعون أن هذا الإقرار يُعد من أخطر التصريحات التي قِيلت قُبيل إجراء الانتخابات، بالنظر إلى موقع فوزي لقجع في الحكومة، والمعطيات التي اطلع عليها، فضلا عن حجم المبلغ المذكور.

محمد نجيب بوليف، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، والخبير الاقتصادي، أبرز أن تصريح فوزي لقجع لا يجب أن يمر دون محاسبة، موضحا أن المسألة لا تتعلق بمبلغ بسيط، وإنما بـ280 مليار درهم، وهو رقم كبير جدا، ويعادل إنجاز أربعة موانئ مثل ميناء الناظور، وميناءين مثل ميناء طنجة المتوسط (Tanger Med)، ومشاريع كبيرة جدا يمكن أن تساهم في تقدم المغرب.

واعتبر بوليف، في حوار مع صحيفة «صوت المغرب»، أن الموضوع يستدعي أن تتدخل هيئات المجتمع المدني، وهيئات الدولة التي تراقب المال العام، على الخط، للبحث عن أسباب الفشل، ومن يتحمل مسؤوليته، وترتيب الجزاءات المناسبة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفيما يلي نص الحوار:

  1. بداية؛ بصفتكم خبيرا اقتصاديا، هل حققت الحكومة الحالية التزاماتها المعلنة سنة 2021، خصوصا في مجال خلق فرص الشغل؟

في الحقيقة، إن الرقم الذي أعلنته الحكومة في برنامجها (2021-2026)، المتمثل في مليون منصب شغل صاف، لم يكن واقعيا؛ إذ لا يمكن لأي حكومة، كيفما كان لونها السياسي، أن تخلق هذه المناصب، بالنظر إلى الظرفية التي كان يمر منها العالم خلال الخمس سنوات الماضية، فضلا عن طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الحالي بالمغرب، الموسوم بفلسفة الريع التي تستنزف الدعم الحكومي الموجه للاستثمارات العمومية، وعدم بلوغ الاستثمار الخاص للمستوى المطلوب.

وحينما نوضح هذه المسألة منذ البداية، فلكي نقول إن الحزب أو الأحزاب التي تعلن مثل هذه الأرقام الكبيرة: إما أنها خارج التغطية، أو تحاول إغراء المواطنين وشراء الذمم أو شيء من هذا القبيل.

إن متوسط معدل النمو المحقق خلال السنوات الخمس الأخيرة، أي في الولاية الحكومية، هو تقريبا 3.5 في المئة، ومستوى هذا الرقم يعادل 60 ألف منصب شغل جديد، بمعنى أنه أقصى ما يمكن الوصول إليه في السنوات الخمس الماضية هو خلق نحو 350 ألف منصب شغل صاف… (مقاطعا).

  1. في هذا الصدد، هناك تضارب بين أحزاب الحكومة؛ إذ يتحدث حزب التجمع الوطني للأحرار عن تحقيق 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية إلى حدود الآن، بينما يقول حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتحمل معه المسؤولية في الحكومة إن عدد المناصب المحدثة لا يتجاوز 94 ألفا. كيف تفسر هذا التضارب؟

في حساب عدد مناصب الشغل المحدثة، لا بد من الانتباه إلى الكيفية؛ إذ هناك من يعطي المجموع الكلي (le cumul) لمناصب الشغل، وهناك من يعطي العدد الصافي (le net) للمناصب المحدثة.

وللتوضيح، مثلا في القطاع الفلاحي، حينما نكون في سنة جافة، قد نخسر 120 ألف منصب شغل، ثم تأتي سنة فلاحية جيدة، فيتم إحداث 200 ألف منصب شغل.

وعند الحساب، قد يقول أحد الأطراف إننا أحدثنا 200 ألف منصب شغل، ثم يجيبه الطرف الثاني: نعم، أُحدثت 200 ألف هذا العام، ولكن فُقدت في السنة الماضية 120 ألفا، بمعنى أن الحصيلة النهائية هي 80 ألف منصب شغل صاف.

وعليه، فإذا عدنا إلى بداية الولاية الحكومية الحالية، أي سنة 2022، واحتسبنا صافي مناصب الشغل المحدثة إلى نهاية سنة 2025، بالاعتماد على معطيات المندوبية السامية للتخطيط، نجد أن الحصيلة لا تتجاوز 94 ألف منصب شغل صاف، وليس 850 ألف منصب كما يتحدث حزب التجمع الوطني للأحرار. فالرقم الأخير يعكس مجموع المناصب المحدثة في بعض القطاعات، ولا يعكس الحصيلة الصافية بعد احتساب المناصب التي فُقدت خلال الفترة نفسها.

  1. طيب؛ الآن هناك تراشق كلامي حاد بين الحزبين المذكورين، مع العلم أنهما تشاركا في تسيير شؤون المواطنين المغاربة طيلة السنوات الخمس الماضية، كيف تفسر هذا؟

هذا قد يكون مفهوما، لأنه يقع في سياق الحملة الانتخابية، وأحد الأحزاب يريد أن يصبح الأول والآخر يريد أن يحافظ على منصبه؛ أي أن حزب “الجرار” سيقدم عمل “الأحرار” ناقصا، بالنظر إلى أنه يرغب في أن يحل محله عقب الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وبالتالي، لا يمكن أن يعتبر منجزات الحكومة التي قادها حزب التجمع الوطني للأحرار جيدة، لأنه يتخوف من أن يقول له الناخبون: ما الفائدة من مجيئك أولا، إذا كانت منجزات الأول حاليا جيدة باعترافك؟ إذن، فلتبق الأمور على الترتيب ذاته.

إن المشكل الحقيقي، في ظل ما يحدث الآن، هو أن منطق هذه المنافسة غير سليم، وهذا ما يجب الانتباه إليه ومناقشته.

وحزب التجمع الوطني للأحرار قام بالفعل ذاته تجاه الحكومة التي قادها حزب العدالة والتنمية برئاسة سعد الدين العثماني، في سنة 2021، بمعنى أنهم هاجموا حكومة العثماني وقدموا أنفسهم بديلا، والآن يتعرضون لهجمة مماثلة من حليفهم في الحكومة.

أكرر أن ما يجب الانتباه إليه هي أدوات التراشق غير السليمة، وأساليب الضحك على الذقون، من قبيل تقديم وعد برفع الحد الأدنى للأجر (SMIG) إلى 5000 درهم، ثم يأتي الآخر ويقول: نحن مستعدون من اليوم… هذا كلام غير معقول.

نحن حينما كنا في الحكومة حاولنا زيادة 300 درهم في راتب بعض الفئات، وكان وزير المالية يعترض بمبرر غياب الموارد. واليوم يأتون ويتحدثون عن رفع الحد الأدنى للأجر من نحو 3500 درهم إلى 5000 مباشرة، أين المنطق؟ ثم هل جرت استشارة جميع الأطراف المعنية؟

وعلى سبيل المثال، فإن المنطق يقتضي من المسؤول ألا يطلق الكلام على عواهنه. فقبل مثل هذا الإعلان، يُفترض أن يكون هناك حوار واتفاق مع القطاع الخاص (الباطرونا) الذي يمكن أن يساهم في رفع الحد الأدنى للأجر، وهو الذي يشغل تقريبا 90 في المئة من المشتغلين، فيما يبقى 10 في المئة يشتغلون في قطاعات الدولة والجماعات الترابية. إن هذا لم يحدث، ثم يأتون اليوم ويتحدثون عن 5000 درهم، إن الإنسان يجب أن يقف عند الأمور بموضوعية.

إن الغريب في هذه القصة هو صمت حزب الاستقلال وعدم دخوله في هذه التراشقات الكلامية أمام الملأ، ويمكن أن يخرج منها سالما أو فائزا في السباق، لأنه من الوارد أن يبتعد المواطنون عن صراعات حزبي “الأحرار” و”الجرار” التي يعرف الجميع خلفياتها.

  1. بالعودة إلى الفصل 93 من الدستور، يتحدث عن التضامن الحكومي، ألا يفترض أن تكون الأولوية لتقديم حصيلة الولاية الحكومية بدل هذه الصراعات؟

هكذا يجب أن تكون الأمور في الديمقراطية السليمة؛ أي قبل أن تُعرّف بالبرنامج الانتخابي المقبل، لا بد أن تُعرض أمام المواطنين الحصيلة.

بالنسبة للحصيلة الحكومية الحالية، فقد جاء عزيز أخنوش وقدمها أمام البرلمان بالطريقة التي يراها هو مناسبة، بأسلوب هتشكوكي، وكأننا في المغرب نتواجد ضمن 30 دولة عالمية الأولى فيما يتعلق بالمنجزات. للأسف، لم تتعامل معها غالبية الصحافة بموضوعية، وكذلك أحزاب الأغلبية كانت راضية آنذاك.

وفي هذا الإطار، عقد حزب العدالة والتنمية الذي يتواجد في المعارضة، ندوة صحافية وقدم حصيلة الحكومة الحالية، وشرح فيها حقيقة المنجزات والإيجابيات، وبسط الإشكالات الكثيرة بالأرقام، والتي على أساسها صاغ برنامجه للمرحلة المقبلة.

وعليه، فإن الطريقة السليمة هي أن تأتي الحكومة وتطرح حصيلتها، بإيجابياتها وسلبياتها؛ أي تعترف بالإشكالات وتعمل على تجاوزها في المرحلة القادمة. لكن الواقع هو أن عزيز أخنوش يخرج يدافع عن نفسه، ثم يأتي فوزي لقجع، ويقول: لقد صرفنا 280 مليار درهم بدون فائدة.

  1. بالنسبة لصرف هذا المبلغ الكبير لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، ثم الاعتراف بأنه لم يحقق الفائدة المرجوة منه؛ هنا من يتحمل مسؤولية الفشل؟ هل حزب التجمع الوطني للأحرار أم الحكومة كاملة؟

فمن حيث المسؤولية، تتحملها الحكومة كلها. لكن الإشكال هو أن يصدر مثل هذا الكلام من مسؤول حكومي دون المرور للمحاسبة. إن المسألة لا تتعلق بمليار أو اثنين، إنه 280 مليار درهم، إنه رقم كبير جدا يعادل إنجاز أربعة موانئ مثل ميناء الناظور، وميناءين مثل ميناء طنجة المتوسط (Tanger Med)، ومشاريع كبيرة جدا يمكن أن تساهم في تقدم المغرب.

إن هذه الجملة الاستعراضية، في حملة انتخابية، تؤكد فشل الحكومة الحالية فشلا ذريعا بإقرار وزير ميزانيتها. وهذا يعني أن الإنفاق لم يكن في محله، فأين صُرف هذا المبلغ؟

إنها إشكالية حقيقية في التدبير. إن الحكومة الحالية تملك الأموال، لكنها لم تُصرف بالطريقة التي تحقق بها النتائج المرجوة. بيد أن هذه المشاريع ذات الطابع الاجتماعي يقولون لنا دائما إنها بتوجيهات ملكية، والآن يخبروننا بالفشل. إن المفروض في دولة ديمقراطية، في مثل هذه الحالة، هو المحاسبة.

وأعتقد أنه من الواجب على هيئات المجتمع المدني، وهيئات الدولة التي تراقب المال العام، أن تدخل على الخط، للبحث عن أسباب الفشل، ومن ارتكب خطأ يتحمل مسؤوليته ويُحاسب، لأن هذا المبلغ ليس بسيطا، بل يعادل تقريبا خُمس الناتج الداخلي للبلاد.

ومن جانب آخر، فإن الناخب، إذا انطلق فقط من هذا المبلغ الكبير جدا، سيجعله يصوت ضد أحزاب الحكومة، لأنها فشلت فشلا ذريعا باعتراف وزير منهم.

  1. طيب، كيف تؤثر هذه الصراعات التي تقع بين أحزاب تشاركت جنبا إلى جنب في الحكومة طيلة خمس سنوات على نظرة المواطنين للسياسيين والمؤسسات المنتخبة؟

إن ما يحصل في الواقع مؤسف جدا، وإن كانت مثل هذه الأمور تقع حتى في الديمقراطيات الغربية؛ فعلى سبيل المثال، نذكر ما يجري في فرنسا، رغم أنها ليست نموذجا يحتذى، بين المرشحين المحتملين للرئاسيات في سنة 2027… هناك تراشقات حقيقية. نجد كيف يتحدث “ميلونشون” عن “مارين لويين”، وكيف تتحدث عنه هذه الأخيرة… (مقاطعا)
7. لكن هؤلاء ينتمون إلى تيارين متناقضين داخل المجتمع، أحدهما في اليسار والآخر في أقصى اليمين، بينما عندنا في المغرب هذه الصراعات تبرز بين حزبين متحالفين في الحكومة؟

نعم، هذا ما أريد أن أصل إليه من حيث المضمون؛ أي أنه يمكن تفهم هذه التراشقات السياسية في المغرب لو كانت بالفعل بين توجهات وتكتلات مختلفة. لكن حينما يحصل هذا التراشق من داخل المنظومة الحكومية، قد يدفع بالمواطن إلى البحث عن حزب آخر من خارج الحكومة للتصويت عليه، وهذا وارد من منطلق أن من يوجد في السلطة يفقد الشعبية. لكن هناك احتمال آخر، هو أن يذهب المواطن إلى اعتبار الجميع سواسية، أغلبية ومعارضة، ويقول: «كولهم بحال بحال».

وهذا الاحتمال الأخير سيؤدي إلى عزوف إضافي عن المشاركة السياسية، التي تشكل الأغلبية في بلادنا للأسف الشديد؛ أي بدل أن تؤطر الأحزاب المواطنين، خصوصا الشباب، وتقنعهم بالمشاركة السياسية، قد تدفع بالمزيد منهم نحو النفور.

*المحفوظ طالبي