story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

حصانة الدفاع.. نواب يواجهون وهبي: “الإخلال بالجلسة” يقيّد المحامي ويفتح باب التكييف الجنائي

ص ص

حذر النواب والنائبات بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب من أن الإبقاء على التنصيص على “الإخلال بالسير العادي للجلسة” بمشروع قانون المحاماة من شأنه أن يقيد المحامي أثناء الترافع، ويفتح الباب أمام سلطة واسعة في التكييف الجنائي لمرافعاته وتفاعله داخل الجلسات.

واعتبر النواب جميعهم لاسيما الممارسون للمهنة خلال مناقشة القانون المنظم للمحاماة أمس الأربعاء 07 ماي 2026 أن المحامي “سيدخل المحكمة خائفا ومكبّلا وهو يزن كلماته بدل أن يمارس الدفاع بحرية واستقلالية”.

كما نبهوا إلى ما وصفوه بـ”التراجع الخطير” عن الضمانات التي كان يكرسها قانون 2008، سواء في ما يتعلق بحصانة الدفاع الذي وصفوه بـ”مساءلة الدفاع” أو بمكانة مؤسسة النقيب وصلاحياتها في حماية المحامين أثناء أداء مهامه انسجاما مع تقاليد وأعراف المهنة.

“دفعنا المحامي إلى معركة بلا سلاح”

منتقدة مقتضيات المادة 77 و78 المثيرة للجدل، وبنبرة قوية لا تخلوها سمات مرافعة المحامية، اعتبرت النائبة البرلمانية شفيقة لشرف أن النص “فتح باب التكييف الجنائي لمرافعات المحامي”، مخاطبة الوزير “أنتم تعلمون بحكم تجربتكم كمحام، أن المحامي يتفاعل مع وقائع الملف وشهادات الشهود ومع دفوعات الخصوم والنيابة العامة، وقد يقول كلمات قد تُفهم على أنها مسّت بهيبة القضاء”.

وأضافت البرلمانية عن جبهة القوى الديمقراطية أن المحامي “يترافع ويتفاعل ويرد بقوة، وهذه هي قوته، لكننا اليوم كبّلناه بكلمة الإخلال، ودفعناه إلى معركة بدون سلاح”، متسائلة: “كيف سيرافع المحامي وهو خائف ومقيد ويحسب كل كلمة؟ هل نريده أن يتحول إلى روبو يحفظ ما سيقوله؟”، مشددة على أن جوهر الدفاع هو حصانة المحامي.

واعتبرت لشرف أن المشروع “أخلّ بالتوازن بين حصانة الدفاع وسلطة القاضي”، بعدما منح للقضاء، حسب تعبيرها “سلطة تكييف واسعة قد تجعل أي رد أو تعقيب أو تفاعل داخل الجلسة سببا للزجر والمتابعة”، مضيفة أن “جوهر مهنة المحاماة هو الحرية والاستقلالية، وليس الترافع تحت الخوف”.

كما انتقدت ما وصفته بإضعاف صلاحيات النقيب، معتبرة أن المشروع تراجع عن التسلسل التأديبي داخل الهيئات المهنية، خصوصا من خلال عدم إشعار النقيب قبل اعتقال المحامي أو وضعه تحت الحراسة النظرية، مضيفة “لسنا نطالب بحصانة لمحام ارتكب مخالفة خارج المهنة، لكن لا يمكن رفع صفة المحامي عنه أثناء ممارسته لمهامه وإخضاعه مباشرة للتكييف الجنائي كأي شخص عادي”.

ودعت إلى التراجع عن تقييد المحامي ومسّ حريته واستقلاله من خلال التنصيص على “الإخلال بالسير العادي للجلسة” والتي اعتبرت أنها تعرف “مشاحنات من رد وتفاعل وتعقيب بين المحامين والسادة القضاة”.

“التراجع عن المادتين 58 و59  يعني التراجع عن حصانة الدفاع”

من جهتها، اعتبرت النائبة فاطمة بنعزة عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أن التراجع عن مقتضيات المادتين 58 و59 من قانون 2008 “لا يفهم منه شيء سوى وجود نية للتراجع عن حصانة الدفاع التي تمنح القوة للمحامي أثناء الترافع”.

وأكدت بنعزة وهي محامية بهئية المحامين بوجدة، أن مؤسسة النقيب “هي التي حافظت تاريخيا على تقاليد وأعراف المهنة”، مضيفة أن حضور النقيب وتدخله كان دائمًا “الرادع الأساسي في حالات الزيغ، وليس اللجوء المباشر إلى المتابعة الزجرية”.

وشددت بنعزة على أن تطبيق مقتضيات المادتين 77 و78 بصيغتهما الحالية “يضعف مؤسسة النقيب ويتطاول على اختصاصاتها”، معتبرة “لا داعي أصلا لتغيير المادة 58 ما دامت كانت تؤطر الحالات بشكل متوازن وتحفظ هيبة الجلسة دون المساس بحصانة الدفاع”.

“انتقلنا من حصانة الدفاع إلى مساءلة الدفاع

النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، سعد بنمبارك، ذهب إلى حد اقتراح تغيير عنوان الباب من “حصانة الدفاع” إلى “مساءلة الدفاع”، معتبرا أن الصيغة الحالية لا تعكس أي حماية حقيقية للمحامي.

وأوضح أن الممارسة العملية داخل المحاكم أظهرت أن أي تشنج أو خلاف قد يقع أثناء الجلسات كان يُعالج باستدعاء النقيب وتدخله لحل الإشكال، محذرا من أن المقتضيات الجديدة قد تخلق “فتيل أزمة” بين السلطة القضائية والدفاع.

وشدد النائب عن فريق التجمع الوطني للأحرار على ضرورة حذف عبارة “الإخلال بالسير العادي للجلسة”، معتبرا أنها فضفاضة ويمكن تكييفها وفق السلطة التقديرية للمحكمة، بما من شأنه تقييد المحامي والحد من إمكانيات الدفاع.

وأضاف أنه، رغم إمكانية تقبل التنصيص على السب والقذف، “وإن كان المحامي في الأصل لا يسب ولا يقذف”، فإن الحديث عن الإخلال بالسير يظل “غير مقبول لأنه قد يدفع المحامي إلى التخلي تدريجيا عن المرافعة الشفوية والاكتفاء بمذكرات كتابية خوفا من المتابعة”.

وأكد النائب ذاته أن النقاش لا يتعلق بالدفاع عن ممارسات تسيء إلى المهنة، “فكل شخص يتحمل مسؤوليته”، وإنما يتعلق بضمان الحرية اللازمة للمحامي أثناء ممارسة الدفاع. وفي هذا السياق، قارن وضعية المحامي بالحصانة البرلمانية، موضحا أن البرلماني، رغم خضوعه للنظام الداخلي والتأديب أثناء ممارسته لمهامه داخل المؤسسة، لا تتم إحالته مباشرة على المسطرة الجنائية بسبب ما يقع داخلها، بالنظر إلى طبيعة المسؤولية التي يتحملها.

وأضاف أن المحامي، بدوره، يتحمل ثقل مسؤولية الدفاع عن أشخاص مهددين في حريتهم ومراكزهم القانونية، متسائلا: “إذا كنا سننزع الحرية من المحامي، فكيف نطالبه بإرجاع الحرية لموكله؟”، قبل أن يدعو إلى مراجعة المواد المثيرة للجدل بما يضمن حماية حصانة الدفاع واستقلالية المهنة.

“الاستثناء لا يبرر مقتضيات زجرية تمس المهنة”

بدورها اعتبرت النائبة لبنى الصغيري أن الانتقال من صيغة “لا يمكن اعتقال المحامي إلا بعد إشعار النقيب” إلى مجرد التنصيص على “وجوب الإشعار” يشكل “تراجعا خطيرا وضربا لحصانة الدفاع”.

وقالت عضو فريق التقدم والاشتراكي إن الباب بصيغته الحالية “لا يمكن اعتباره بابا لحصانة الدفاع”، منتقدة أيضا مقتضيات المادة 80 المتعلقة بمعاقبة المحامي إذا ارتكب أفعالا في حق أحد زملائه، معتبرة أن الخلافات بين المحامين “تبقى قضايا داخلية تتكفل بها مؤسسة النقيب والهيئات المهنية”.

وأضافت أن “الشاذ لا يقاس عليه”، مشددة على أن وجود حالات معزولة لا يبرر إدخال مقتضيات زجرية تمس جوهر المهنة، قبل أن تختم بالقول “لا نريد أن نقول غدا إن مشروع 2008 كان أفضل من المشروع الحالي”.

“بتطبيق مقتضيات المادة 77 لديكم على الأقل 20 إخلالا بالسير العادي للجلسة

من جهته، خاطب النائب البرلماني ونقيب هيئة مراكش سابقا محمد الصباري الوزير قائلا “حضرت لكم مرافعات السيد الوزير وواكبت مسيرتكم المهنية”، قبل أن يضيف بهذا الاخلال “كونوا على يقين سيكون لديكم على الأقل عشرين اخلال بحسب هذه المادة، لأن القضاة لا يقبلون ولا يستوعبون هذه الحرية”.

ودافع الصباري عضو فريق الأصالة والمعاصرة على “الإبقاء على مقتضيات المادة 58 الواردة في قانون سنة 2008 كما كانت لأانها كافية وتفي بالغرض المطلوب ولا حاجة إلى التعديل”.

واعتبر أن الفقرة الأخيرة من هذه المادة كانت تؤسس لتوازن مؤسساتي دقيق، من خلال التنصيص على أن المحكمة تحرر محضرا بما قد يحدث من إخلال وتحيله على النقيب وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازما، وهو ما كان يعكس، بحسبه، انسجاما في تدبير العلاقة بين المؤسسة المهنية للمحاماة ومؤسسة النيابة العامة والمحكمة، بما يسمح “بالتدخل لرأب أي صدع قد يقع داخل الجلسة”.

في المقابل، سجل الصباري أن الصيغة الجديدة للمقتضى، خاصة الفقرة المتعلقة بالإخلال بالسير العادي للجلسة، جاءت بعبارات مختلفة وفضفاضة، معتبرا أنه رغم تفهم إدراج مفهومي السب والقذف لكونهما معرفين في القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر، وإن كان “لا يمكن تصور القذف في مرافعة المحامي”، لكن “الإخلال ورد بصيغة العموم”.

وقال “في قواعد الفقه هذا عموم لغوي دون تخصيص، وهي عبارة فضفاضة”، معتبرا أن من المحتمل أن يتعرض المحامي لاستفزاز، وعادت ما تعرض المحامون لاستفزاز، وهو ما قد يدفع بهم إلى ما يمكن تفسيره وتكييف على أنه إخلال بالجلسة، معتبرا أنه مقتضى يمس بجوهر حصانة الدفاع”.

“التشريع لا يُبنى على الحالات العادية بل على ضبط الاستثناءات

في تفاعله، بدا وهبي منزعجا من إشارات النواب والنائبات إلى مساره كمحام المفروض أنه يعرف “فن المرافعة”، داعيا إلى إبعاد الطابع الشخصي عن النقاش بالقول”خليو شخصي بعيد، متضربوش بيا المثل”.

كما شدد على ضرورة ضبط النقاش المفاهيمي المتعلق بحدود المرافعة، متوقفا عند الإشكال المرتبط بتمييز السب والقذف داخل الجلسة، وما قد يثيره ذلك من إشكالات عملية في التطبيق.

وفي السياق ذاته، لم يخف الوزير ما أسماه “ضيقا نفسيا” تجاه مصطلح “الإخلال”، مُقرا أنه يثير إشكالا على مستوى الدقة، لكنه في المقابل أكد أن الهدف من المقتضى هو معالجة الحالات الشاذة داخل الجلسات وليس المساس بالمرافعة العادية.

وقال إن هيئات المحامين سبق أن قدمت تصورات في هذا الاتجاه، داعيا النواب إلى اقتراح تعديلات للتدقيق والتجويد. وأضاف مدافعا “التشريع لا يُبنى على الحالات الطبيعية التي يسود فيها احترام قواعد المرافعة، وإنما على الحالات الاستثنائية التي قد تخل بنظام الجلسة”.

واستحضر الوزير مثالا من واقع الجلسات، موضحا أن بعض الحالات الاستثنائية قد تخلق إشكالا داخل قاعة المحكمة، من بينها واقعة لمحام اعترض خلال جلسة على عدم حصوله على وثائق، ثم سلمها إياه الرئيس قبل أن يقوم برد فعل احتجاجي برمي الوثائق قائلا “هذه الوثائق غير مقبولة”، مما جعل القاضي حائرا حول ما إذا كان الأمر يستوجب تحرير محضر من عدمه.

وأوضح وهبي أن مثل هذه السلوكات، وإن كانت معزولة، تندرج ضمن الحالات التي يتعين على التشريع أن يحدد كيفية التعامل معها بدقة، بما يضمن الحفاظ على انتظام الجلسة دون المساس بحق الدفاع.

وفي ما يتعلق بالإجراءات، أوضح الوزير أن تحرير المحاضر يتم من طرف كاتب الضبط باعتباره جهة محايدة ومستقلة، تتولى توثيق ما يقع داخل الجلسة بتصريحات مختلف الأطراف، قبل إحالتها وفق المساطر المعمول بها.

وتتواصل مناقشة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة وسط احتجاجات أساتذة العلوم القانونية بالجامعات والمعاهد في ظل مطالبهم بتمكينهم من الحق الولوج إلى هذه المهنة.

وسبق للنقابة الوطنية للتعليم العالي أن أصدرت مذكرة طالبت فيها بتعديل المادتين 13 و14 من مشروع القانون لإقرار الحق لكل من الأستاذ الجامعي والمحامي في الجمع بين مهنتي التعليم الجامعي.