story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

“تهركاويت” حسن الفد

ص ص

حسن الفد فنانٌ فذ (والفذُّ هو المنفرد الذي لا نظير له).

يتفوّق بتقديم أعمال ستبقى جزءاً من الذاكرة الجماعية. ومَن بحضوره تحظى كل كلمة تصدر عنه بالاهتمام. وفي المجتمعات التي تأتي في آخر ترتيب “مؤشر السعادة” يكون الكوميديون مثلَه نعمةً لحاجة الناس إلى الضحك.

لا يُتوقع من الفنان دوماً أن يكون مناضلاً أو أكاديميا. صفته الفنيّة وحدَها تكفي، وحسن الفد فنّان مجتهد. أما أن يكون مُشاركا في النقاش العمومي فمِمّا يُضاف له، لا عليه. وفي مساحات التداول يُقبل منه ويردّ. فنانون كثيرون، في المقابل، لا يتحدثون في أي شيء، بلا لون أو طعم أو رائحة.

قبل سنوات قليلة أطلق تعبير “تهركاويت” على ممارسات لا خلاف على رفضها. لا يمكن أن يُقبل الاعتداء على الفضاء العام بسلوكات تنافي الاحترام والتخلّق بأخلاق المساحات المشتركة. وفي نقد هذه الممارسات الخاطئة يحقّ لأيّ كان أن يصفها بما لا يُوقِع في المسّ بكرامة الناس.

“تهركاويت” نقدٌ لما نتّفق على رفضه. ومع ذلك، لا يُنتظر من الفد نحت مصطلح علمي كالأكاديميين. هو يعبّر عن نفسه باعتباره مشاركاً في الفضاء العام كأي مواطنٍ آخر، لكنه، بصفته فنّاناً، يحوز امتياز الانتشار.

حسن الفد فنان، أداته اللغة، المنطوقة أو غير اللفظية. وقد يكون اختياره لعبارة “تهركاويت” خدمةً لغاية التنبيه إلى اختلالات يحتاج عالجُها صدمة، ولو لفظية. دويُّ اللغة “رصاصةٌ فعّالة” لإثارة الانتباه. لفظة “تهركاويت” تعلق في الذهن وتهزّ الوعي. توجد مثيلاتها، بحمولة تنقيصية، في الثقافة الشعبية، لكنّها حين تصدر عن فنّان تكون أكثر إثارة للجَلَبة.

المجتمع ليس مقدّساً. ولا يمكن التطبيع مع الممارسات الخاطئة. في التاريخ الحديث، شهد المغرب تحوّلات تركت آثاراً، وتشوهات. هجراتٌ من البوادي نحو المدن، بدوافع ترتبط بالمناخ أو بالرغبة في تحسين الوضع المعيشي، وغيرهما، لكن دون استيعاب لثقافة المدينة، ما أنتج بعض مظاهر “التهركاويت”، والتي تعني قلّة تشبّع بقيم المدينة، أي “التمدّن”.

سيكون مفيداً، للإنصاف، القول إن حسن الفد، على ما أعتقد، لا يفْتعِلُ حالة مفاضلة بين ثقافة المدينة وثقافة البادية، بدليل احتفائه في أعماله بالبادية وجمالها ومفارقاتها، وإنما “يتحامل” على استجلاب سلوكات تتعارض مع قيم المدينة باعتبارها فضاءً لعيش مشترك وفق منظومة قيم وشبكة علاقات معينة، تتقاطع مع منظومة قيم البادية، وفي نفس الوقت تتمايز عنها. وفي منطقة التمايز والتعارض والتنافر تتفشى “التهركاويت”.

ولربما يمكن إطلاق وصف آخر على من يستقدم منظومة قيم المدينة، في اللباس والكلام والسلوك، لانتهاك منظومة قيم البادية. ليس كل سلوكٍ مَدِيني مقبولاً في فضاء البادية. في بلاد أهلي الأمازيع ليس كل سلوكٍ مقبولٍ في المدينة، أو حتى في بادية أخرى، يمكن استحسانه.

ولئِنْ كان الفد صائباً في انتقاده، فإن المشهد يبقى ناقصاً من منظور كثيرين، مادام لا يتناول مظاهر “تهركاويت” أخرى تعتدي أساسا على حقوق من يوصفون بـ”الهركاوة”.

من يتم وصمهم بـ”تهركاويت” لا ينالون أغلب الأمر حظّاً كافياً من التعليم بفعل سياسات عمومية، ويعانون التهميش، ويجدون صعوبة في الاستشفاء، لأنهم فعلياً خارج مساحات الاستفادة من عائدات التنمية، ما يجعلهم في حالة عدم شعور بالانتماء للمدينة، فيُنتجون “تهركاويت” كرد فعل انتقامي من الإقصاء وعدم الشعور بالانتماء.

من ينتقدون “انتقائية” حسن الفد معهم حقّ أيضا، حين ينظرون في آثار اعوجاج سلوكي، فردي أو جماعي، في الفضاء العام، بالمقارنة مع آثار مدمّرة لـ”تهركاويت” مسؤولين فاسدين، ومؤسسات متغوّلة، وأحزاب الانتفاع، ونقابات التواطؤ، وحكومة تضارب المصالح، وبرلمان المشتبه فيهم.

بل إن كثيرا من أصحاب هذا الرأي، وصاحب المقال منهم، يعتقدون أن “تهركاويت” المجتمع نتاجٌ لـ”تهركاويت” السلطة.

الذين يتمرّغون في الانتفاع من الأراضي والصفقات، ويملكون “حق” التلاعب بالقانون لانتهاكه، ولا تطالهم يد المحاسبة، هم من منظور “هركاوة المجتمع” أخطر، وأصل العطب.

انتقاداتٌ لحسن الفد تتأسس على هذه الفكرة: تصويبٌ حادٌ على “تهركاويت” في المجتمع، مقابل سكوت على “تهركاويت” في السلطة.

المدينة ترتبط بمنظومة تُعلي من قيم المواطنة، والمساواة، والعيش المشترك، والتقبّل للآراء والآخرين، وسيادة القانون. جزءٌ من “نخبة المدينة” المُتَملِّكة للسلطة، المادية والرمزية، تعتدي على هذه القيم. باستهدافها لقيم المدينة تقعُ في دائرة “التهركاويت” بمعنى من المعاني، لكن بآثار أكثر إضراراً إذا قورنت بـ”تهركاويت” المهمّشين.

جزءٌ من “صمت” الفد وآخرين، في الفن وغيره، عن أعطاب في السلطة تفسيرُه في وجود مناسيبَ “تهركاويت” داخل السلطة نفسها تُخالف “قيم الدولة/ المدينة” الحديثة، حين تتضايق من الانتقاد، وتضيّق على الرأي والتعبير، وترفض المحاسبة ولو فنيّاً، وتمارس الإقصاء.

السلطة تتحكّم في موارد يمكن أن تمنع فنانا من ولوج سوق الإشهار، ومن الظهور في الإعلام، ومن تنظيم حفلات، كما تفعل مع صحافيين ممنوعين من الإعلام العمومي، ومع جامعيين يتعرّضون للتضييق بسبب آراء، وسياسيين “لا يُسبِّحون بحمدها”.

“هركاوي” حسن الفد لا يؤدّي مقابل حضور مسرحية، أو مشاهدة فيلم، ولا يملك سلطةً على الإعلام، لأنه غير قادر ومنسحق في هامشه، لهذا هو الحلقة الأضعف، ولا يخيف حتى لو تمّ تجريحه. في المقابل، السلطةُ تملك الدعم وتوزّعه بمعرفتها ومصلحتها، وتملك المسرح، والسينما، وتحوز حقّ التقرير في ما يبثّ في التلفزة، وتضبط سوق الإشهار، لهذا يكون انتقادها مُلكفاً. الفنانون يختارون، في الأغلب، بناءَ قصة تتناول عاهات المجتمع، ويتحاشون عطب السلطة، لأنّ السلطة تؤذي، وتخيف، وفي أحسن التوصيفات: “معها طرف ديال الخبز”. وأيضا، السلطةُ تكون مراتٍ صاحبةَ مصلحةٍ في حرمان الناس من المسرح والسينما والإعلام وغيرها لاستدامة “تهركاويت”، مادامت كل هذه الوسائل أدوات تثقيف بقيم المدينة، التي تؤسّس لحالة المواطنة، المنافية لثقافة الرعيّة.

قصارى القول

مثلما لا تُقبل “تهركاويت” المجتمع، يكون جنايةً في حقّ الضمير اعتبار المجتمع أصل كل اختلال. من يملك السلطةَ وحقّ تشكيل الثقافة وتصريف الخطاب، ويحتكر الرأي، ويتحكم في موارد التأثير، يجب أن يكون أكثر عرضةَ للنقد. المنطق يقول إن تنظيف “الدُرج” يتم من أعلى إلى أسفل، لا العكس.

انتقاد المجتمع لتصويب أخطائه أمر حيوي، ولا مصلحة لأحد في التطبيع مع السلوكات غير المقبولة، لكن التبئير (تقليص حقل الرؤية) على أعطاب المجتمع وحدها دون وضعها في سياقها السياسي والاجتماعي عمليةُ تضليل. من لا يملك الجرأة ليفضح السلطة حين تخطئ، ويجد ألف سبب لابتلاع لسانه “رهبا أو رغبا”، لا يمكن أن يكون على حقّ تماما حين يحترف تصيُّد أخطاء المُهمَّشين، لأنهم حقيقةً صنعُ سياسات “هركاوة في السلطة”.