حول الصحراء وتندوف وفلسطين.. مواجهة عاصفة بين عمر هلال وسفير الجزائر في مجلس الأمن
شهد مجلس الأمن الدولي، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، مواجهة دبلوماسية حادة بين الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، ونظيره الجزائري عمار بن جامع، على خلفية فشل المجلس في اعتماد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضده، ثم سقوط مشروع قرار روسي بديل كان يهدف إلى تمديد ولاية بعثة «مينورسو» دون تغيير مهامها.
وتجاوز السجال بين السفيرين، الذي فجّره طلب الجزائر المشاركة في النقاش ليردّ عليها المغرب بتدخّل مضاد أكثر تصعيدا وحدّة؛ الخلاف حول مستقبل البعثة الأممية ومقترح الحكم الذاتي المغربي، ليمتد إلى المسؤولية عن استمرار النزاع، ووضعية سكان مخيمات تندوف، ومبدأ تقرير المصير، وحدود تدخل الجزائر في العملية السياسية، وصولا القضية الفلسطينية.
وجاءت المواجهة التي تخللتها مداخلة عاصفة لعمر هلال تضمّنت اتهامات مباشرة للجزائر بشأن الوضع الإنساني في تندوف والتوظيف السياسي للقضية الفلسطينية، في ختام جلسة لم يتمكن خلالها أعضاء مجلس الأمن من الاتفاق على تجديد ولاية «مينورسو»، المقرر انتهاؤها في 31 أكتوبر 2026.
فقد حصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 دولة، مقابل معارضة روسيا وامتناع الصين وباكستان والصومال، فيما سقط المشروع الروسي اللاحق بعد حصوله على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل معارضة دولة واحدة هي الولايات المتحدة، وامتناع 11 عضوا.
وبعد انتهاء التصويتين، أتيح للجزائر، غير العضو في مجلس الأمن خلال سنة 2026، التدخل وفق المادة 37 من النظام الداخلي المؤقت للمجلس، قبل أن يُمنح المغرب بدوره حق المشاركة، لتتحول الجلسة من مناقشة مستقبل المهمة الأممية إلى سجال مباشر بين ممثلي البلدين.
استهل عمار بن جامع مداخلته بالإشادة بروسيا على تقديم مشروع لتمديد ولاية البعثة، وبالدول التي لم تؤيد النص الأمريكي، معتبرا أن المشروع كان سيشكل مساسا بأسس القانون الدولي والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة.
وبرر مشاركة الجزائر في الجلسة بثلاث صفات، هي كونها دولة مجاورة معنية بتداعيات النزاع على الاستقرار الإقليمي، ودولة تستضيف اللاجئين الصحراويين، وعضوا في الأمم المتحدة ملتزما بالدفاع عن القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير.
وبنى السفير الجزائري مداخلته على ستة محاور تناولت مسؤولية الدولة المكلفة بصياغة القرار، وتقرير المصير، والتسوية المقبولة من الأطراف، والسيادة، ورفض فرض الأمر الواقع، والأوضاع الإنسانية للاجئين.
وفي انتقاده للدور الأمريكي، اعتبر بن جامع أن إعداد قرارات مجلس الأمن مسؤولية تقتضي الحياد والإنصات إلى مختلف الأطراف، وليس امتيازا يتيح للدولة المكلفة بالصياغة فرض تصورها الخاص للحل. وتساءل عما إذا كانت هذه الشروط قد احترمت خلال إعداد المشروع المطروح للتصويت.
وشدد الدبلوماسي الجزائري على أن تقرير المصير يظل، وفق الموقف الجزائري، المرجعية الأساسية لتسوية النزاع، منتقدا حصر ممارسة هذا الحق في صيغة الحكم الذاتي، ومعتبرا أن المفاوضات ينبغي أن تقود إلى نتيجة يتفق عليها الطرفان، لا أن تنطلق من نتيجة محددة مسبقا.
وفي الشق الإنساني، انتقد بن جامع الطريقة التي تناول بها المشروع الأمريكي وضعية سكان مخيمات تندوف، معتبرا أن اختزال قضيتهم في الاحتياجات الغذائية والمالية يهمش بعدها السياسي المرتبط بما أسماه تقرير المصير.
واختتم الممثل الجزائري مداخلته بالتأكيد على أن بلاده ستواصل الدفاع عن تسوية سياسية عادلة ودائمة ومقبولة لدى الأطراف، تضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير وفق ميثاق الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة.
وجاء الرد المغربي مباشرة بعد ذلك، عندما طلب عمر هلال الكلمة، موضحا أنه لم يكن يعتزم التدخل خلال الجلسة، بالنظر إلى أن قرارات تجديد ولاية البعثة كانت تُناقش، وفق قوله، دون حضور المغرب والجزائر، قبل أن يؤدي تدخل السفير الجزائري إلى تغيير هذا المسار.
واستهل هلال تعقيبه بمخاطبة نظيره الجزائري، معتبرا أن مشاركته تكشف طبيعة الدور الذي تؤديه بلاده في النزاع، وتناقض تقديم نفسها باعتبارها مجرد دولة مجاورة أو طرفا مراقبا لا يتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار الخلاف.
وانتقد السفير المغربي ما وصفه بمحاولة الجزائر إعطاء دروس لأعضاء مجلس الأمن بشأن القانون الدولي وتقرير المصير والالتزامات الإنسانية، معتبرا أن مداخلة بن جامع لم تكتف بالدفاع عن الموقف الجزائري، بل تضمنت انتقادات للمجلس وللدولة المكلفة بصياغة القرار والدول التي صوتت لصالحه.
وشكلت وضعية مخيمات تندوف المحور الرئيسي في الرد المغربي، إذ اتهم هلال الجزائر بعرقلة إحصاء سكان المخيمات وتسجيلهم بصورة رسمية، رغم المطالب التي قال إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقدمت بها طوال عقود.
واعتبر أن عدم إجراء الإحصاء يحول دون تحديد العدد الحقيقي للمقيمين في المخيمات وتركيبتهم، بما في ذلك أعداد الأطفال والشباب والاحتياجات المرتبطة بالمساعدات الدولية. وذهب هلال إلى القول إن المخيمات تضم أشخاصا من جنسيات أخرى، بينها جنسيات مالية وجزائرية، مؤكدا استعداد المغرب لقبول الأرقام التي قد ينتهي إليها إحصاء تشرف عليه المفوضية الأممية، مهما بلغ حجمها.
وفي مواجهة استناد بن جامع إلى اتفاقية سنة 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، شدد هلال على أن الحماية الدولية تبدأ، في تقديره، بتسجيل الأشخاص المعنيين وتحديد هوياتهم، متهما السلطات الجزائرية بحرمان سكان المخيمات من هذه الضمانة الأساسية.
كما اتهم الجزائر بالتخلي عن ممارسة مسؤولياتها داخل مخيمات تندوف لفائدة جبهة البوليساريو، معتبرا أن ذلك يؤدي إلى حرمان السكان من حقوقهم الأساسية، ومشيرا إلى ما قال إنه إشراك أطفال في أنشطة وتدريبات عسكرية.
وانتقل السفير المغربي إلى مسألة حرية التنقل، متهما السلطات الجزائرية بمنع سكان المخيمات من مغادرتها أو العودة إلى المغرب، وربط عودتهم بالتوصل إلى تسوية سياسية نهائية للنزاع.
وأكد هلال أن المغرب يدعو منذ سنوات إلى تمكين الراغبين في العودة من القيام بذلك بضمانات دولية وبمواكبة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، معتبرا أن استمرار ربط هذه الإمكانية بنتائج المفاوضات يجعل السكان رهائن للخلاف السياسي.
وقال هلال، في رده، إن من حق سكان المخيمات العودة إلى المغرب أو الانتقال إلى وجهات أخرى، بما فيها أوروبا أو بلدان إفريقية، منتقدا ما وصفه بحرمانهم من حرية اختيار مكان إقامتهم ومستقبلهم.
وتناول أيضا الأوضاع المعيشية والإنسانية في تندوف، مستحضرا المعطيات التي عرضها الممثل الأمريكي خلال الجلسة بشأن سوء التغذية وفقر الدم والتقزم لدى الأطفال في المخيمات.
واتهم السفير المغربي الجزائر بتوفير الأسلحة والدعم العسكري لجبهة البوليساريو، في وقت يعاني فيه سكان المخيمات، من نقص الغذاء والسكن الملائم والحماية من الظروف المناخية القاسية.
وبلغ السجال ذروته عندما عاد هلال إلى المقارنة التي عقدها بن جامع بين قضية الصحراء والقضية الفلسطينية، ورفض وضع الملفين في السياق نفسه، معتبرا أن استحضار معاناة الفلسطينيين في هذا النقاش ينطوي على توظيف سياسي للقضية.
وفي هذا السياق، قال إن المغرب يشهد مظاهرات متواصلة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، في مقابل ما وصفه بمنع مثل هذه المظاهرات في الجزائر، متسائلا عن مدى انسجام الموقف الجزائري مع حديث ممثله عن حقوق الفلسطينيين.
كما استحضر المساعدات الإنسانية والمبادرات المرتبطة بدعم الفلسطينيين، معتبرا أن الالتزام بالقضية لا يقاس بالخطب وحدها، وإنما بالمبادرات العملية الرامية إلى تقديم المساعدة وتيسير الحوار والبحث عن تسوية سلمية.
واختتم ممثل المغرب كلمته بتوجيه الشكر إلى الولايات المتحدة على مشروع قرارها، وإلى الدول الإحدى عشرة التي أيدته، مؤكدا أن النص كان ثمرة ساعات طويلة من المفاوضات، وأن المغرب قدم خلال إعداد المشروع تنازلات بهدف الوصول إلى صيغة مقبولة، معربا عن أسفه لعدم اعتماده.