تقرير دولي: الحكومة الحالية عززت مستوى التحكم في الصحافة
رسم التقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود” حول حرية الصحافة في العالم لسنة 2026 صورة مقلقة لوضعية الصحافة في المغرب، رغم تسجيله تقدماً ملحوظاً في الترتيب العالمي. حيث حلّ المغرب في المرتبة 105 من أصل 185 دولة، محققاً 50.55 نقطة، ومتقدماً بـ15 مركزاً مقارنة بتصنيف السنة الماضية، غير أن هذا التحسن لم يغيّر من التقييم العام الذي أبقى المملكة ضمن خانة “الوضع الصعب”.
ويكشف تفصيل المؤشرات الفرعية عن اختلالات متعددة تمس مختلف أبعاد ممارسة العمل الصحفي. فعلى المستوى السياسي، احتل المغرب المرتبة 85، ما يعكس وجود قيود مرتبطة بتأثير السلطة على المشهد الإعلامي. أما على الصعيد الاقتصادي، فجاء في المرتبة 127، وهو أحد أضعف المؤشرات، في دلالة على هشاشة النموذج الاقتصادي لوسائل الإعلام، خصوصاً المستقلة منها، التي تجد صعوبة في جذب الإعلانات وضمان الاستمرارية. وفي المؤشر القانوني حلّ في المرتبة 108، مقابل 117 في المؤشر الاجتماعي، و99 في المؤشر الأمني، وهي أرقام تعكس بيئة مركبة تتداخل فيها الضغوط القانونية والمجتمعية مع اعتبارات السلامة المهنية.
وسجلت المنظمة أن الصحفيين المستقلين في المغرب يواجهون “ضغوطاً مستمرة”،معتبرة أن الحكومة الحالية عززت من مستوى التحكم في القطاع. كما اعتبرت أن تعددية الصحافة في المغرب “واجهة صورية”، لا تعكس فعلياً تنوع الآراء السياسية، في ظل ما وصفته بتضييق على المنابر الناقدة وتقييد للحق في الوصول إلى المعلومات.
وأشار التقرير إلى تنامي دور ما وصفه بـ”آلة الدعاية”، مقابل تراجع الأدوار التقليدية للإعلام، مع تسجيل استخدام التضليل الإعلامي كأداة لخدمة أجندات سياسية. كما أبرز لجوء مسؤولين حكوميين إلى المتابعات القضائية في مواجهة صحفيين ناقدين، إضافة إلى تأثير النفوذ المالي على الخطوط التحريرية لوسائل الإعلام الأكثر انتشاراً.
وفي البعد الاقتصادي، شددت المنظمة على أن بيئة العمل الصحفي في المغرب “بعيدة كل البعد عن أن تكون ملائمة”، حيث تعاني المؤسسات الإعلامية المستقلة من صعوبات هيكلية في التمويل، ما يضعف استقلاليتها ويجعلها أكثر عرضة للضغوط. وعلى المستوى المجتمعي، لفت التقرير إلى مفارقة لافتة، تتمثل في استهلاك الجمهور للصحافة المستقلة دون أن يقابل ذلك استعداد مماثل للدفاع عنها أو دعمها.
إقليمياً، حلّ المغرب في المرتبة الرابعة عربياً، خلف موريتانيا (61 عالمياً)، وجزر القمر (72)، وقطر (75)، فيما جاء في المرتبة الثانية مغاربياً بعد موريتانيا، متقدماً على تونس (137) وليبيا (138) والجزائر (145)، التي صُنفت ضمن “الوضع شديد الخطورة”.
وعلى الصعيد العالمي، واصلت الدول الإسكندنافية تصدر التصنيف، حيث جاءت النرويج في المرتبة الأولى، تلتها هولندا ثم إستونيا، فالدنمارك والسويد وفنلندا، في حين تذيلت الترتيب دول مثل إريتيريا وكوريا الشمالية والصين وإيران والسعودية.
وخلصت “مراسلون بلا حدود” إلى أن المؤشر العالمي لسنة 2026 يعكس تراجعاً غير مسبوق في أوضاع حرية الصحافة، حيث بات أكثر من نصف دول العالم مصنفة ضمن خانتي “الوضع الصعب” أو “الخطير جداً”، في سابقة لم تُسجل منذ إطلاق هذا التصنيف قبل خمسة وعشرين عاماً، ما يعكس أزمة بنيوية متفاقمة على المستوى الدولي، لا ينفصل عنها السياق المغربي.