story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بين نفوذ النيابة العامة وتراجع استقلال المحاماة.. أبرز مؤاخذات محامي “العدل والإحسان” على مشروع قانون المهنة

ص ص

اعتبر قطاع المحامين بجماعة العدل والإحسان أن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لا يرقى إلى مستوى إصلاح يضمن استقلالية المهنة، “بل يكرّس منطق الضبط على حساب الاستقلال، ويمس بجوهر حصانة الدفاع”، محذرًا من تداعياته على حق المتقاضين في الاستفادة من دفاع حر ومستقل.

وجاء هذا الموقف ضمن مذكرة قانونية تفصيلية، توصلت صحيفة “صوت المغرب” بنسخة منها، تستعرض قراءة نقدية لمشروع القانون، الذي اعتبرته الجماعة “ليس مجرد شأن مهني أو مطلبي فئوي ضيق، بل هو حلقة من حلقات معركة أوسع ضد كل أشكال الاستبداد والظلم، وجزء من معركة إقامة العدل في الأرض”.

وفند قطاع المحامين بالجماعة ما وصفه بـ”المقتضيات السلبية”، منبهًا في الوقت ذاته إلى “المقتضيات الغائبة” في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة.

في هذا الصدد، أوضح محمد أغناج، عضو قطاع المحامين بجماعة العدل والإحسان، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن ورش إصلاح قانون المحاماة “ليس ورشًا معزولًا عن السياق العام والتغييرات التي عرفها المشهد القانوني والقضائي، خصوصًا منذ إقرار دستور 2011″، مشيرًا إلى أن هذا المسار عرف عدة مبادرات لصياغة نص قانوني يواكب التحولات التي شهدها قطاع العدالة.

وأضاف أن المحامين واكبوا هذا الورش منذ بداياته، سواء عبر الندوات والمناظرات واللقاءات المهنية، أو من خلال المشاركة في عدد من الإطارات واللجان المرتبطة بتتبع المشروع.

غير أنه سجل أن وزارة العدل “استفردت بهذا الورش وأقصت مختلف الفاعلين، بمن فيهم المحامون”، مشيراً إلى أنها “تنكرت للالتزامات التي سبق أن صادقت عليها، وفرضت منهجية غير تشاركية في إعداد مسوداتها”.

ومرّ هذا المسار بعدة مراحل، من بينها إعداد مسودة أولى سنة 2022، ثم تنظيم حوار مع ممثلي هيئات المحامين مطلع سنة 2023، قبل أن تُحال المسودة على الأمانة العامة للحكومة، تلتها جولات حوار خلال سنتي 2024 و2025، وصولًا إلى استفراد وزارة العدل بإعداد مسودة ثانية اعتمدت كأرضية لمشروع القانون الحالي.

واعتبر المحامي أغناج، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذه الدينامية اتسمت بالانفراد في اتخاذ القرار، ما أثّر على جودة التشاور حول النص.

وبخصوص توقيت إصدار المذكرة، أكد المتحدث أنه لم يكن اختيارًا اعتباطيًا، موضحًا أن قطاع المحامين بجماعة العدل والإحسان كان يفضل تقديم مساهمته من داخل المؤسسات المهنية إلى جانب باقي الفاعلين.

لكن “استفراد وزارة العدل” والوتيرة السريعة التي اتخذها المسار التشريعي فرضت، بحسب أغناج، “إصدار هذه المذكرة بشكل استعجالي”، بهدف تنبيه الرأي العام والمسؤولين والمشرعين إلى خطورة بعض المقتضيات التي يتضمنها المشروع، والتي “تشكل تهديداً لجوهر المهنة ومكتسباتها”.

ومن جانب آخر، أشار محمد أغناج إلى أن المذكرة لا تدّعي الإحاطة بكل تفاصيل النص، لكنها تثير جملة من النقاط الجوهرية التي تشكل “مخاطر ومحاذر ونواقص يتعين الانتباه إليها قبل فوات الأوان”، خاصة تلك المرتبطة باستقلالية المهنة وضمانات الدفاع وشروط الولوج إليها.

وتؤكد المذكرة، في مجملها، أن مشروع القانون يطرح إشكالات بنيوية تتعلق بتغليب منطق الضبط على حساب الاستقلالية، فضلًا عن ضعف الضمانات المرتبطة بحصانة الدفاع، واختلال التوازن بين مكونات المنظومة القضائية، خصوصًا في ما يتعلق بدور النيابة العامة داخل المساطر التأديبية.

كما تسجل الوثيقة وجود اختلالات في تنظيم الولوج إلى المهنة وتمثيلية المحامين داخل أجهزتها، إلى جانب غياب رؤية استشرافية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الرقمية والاقتصادية التي يعرفها قطاع الخدمات القانونية، معتبرة أن ذلك قد يحد من قدرة المهنة على مواكبة التطورات.

وسجلت الوثيقة، الصادرة تحت عنوان “واجب البلاغ المبين”، انتقادًا للمنهجية التي اتبعتها السلطة الحكومية في إعداد المشروع، ووصفتها بـ”الاستفراد” بالقرار التشريعي بعيدًا عن المقاربة التشاركية الحقيقية مع المؤسسات المهنية والفاعلين الحقوقيين، معتبرة أن النص جاء في سياق يغيب عنه الحوار المؤسسي الموثق.

وتوقفت المذكرة عند جملة من “المقتضيات السلبية” التي رأت أنها تمس باستقلالية الدفاع، حيث سجلت “غلبة فلسفة الضبط على فلسفة الاستقلال”، من خلال التوسع في تقنين تفاصيل تنظيمية وإجرائية كان الأصل أن “تظل ضمن التنظيم الذاتي للهيئات”، مما يكرّس “حضور المشرع والسلطة العمومية في تفاصيل الحياة المهنية”.

وفي ما يتعلق بمنظومة التأديب، انتقد قطاع المحامين “توسيع نفوذ النيابة العامة”، لا سيما في المواد من 95 إلى 103، التي منحت للوكيل العام للملك صلاحيات تشمل تحريك المتابعات وطلب التوقيف والطعن في قرارات الهيئات، دون إقامة حواجز مؤسساتية واضحة تفصل بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم.

كما رصدت الوثيقة “قصورًا في تكريس حصانة الدفاع”، مؤكدة أن المواد من 77 إلى 80 لا تؤسس لنظرية متكاملة للحصانة، ولا تقدم تعريفًا دقيقًا لمجالها، مما يجعلها قابلة لتأويلات قد تفضي إلى التضييق على حرية المرافعة.

ونبهت المذكرة أيضًا إلى غياب الفصل الواضح بين سلطة المتابعة وسلطة البت داخل المجالس المهنية، بما يمس بضمانات المحاكمة العادلة داخل البيت المهني.

ولم تخلُ الوثيقة أيضا من انتقاد ما وصفته بـ”التمييز السلبي لمهنة المحاماة” وبعض المقتضيات المرتبطة بشروط الولوج والتمثيلية، خاصة ما يتعلق بالإعفاءات الممنوحة لبعض الفئات، واشتراط أقدمية مرتفعة للترشح لمناصب المسؤولية، وهو ما يؤدي إلى إقصاء الكفاءات الشابة.

وعلى مستوى “المقتضيات الغائبة”، سجل المحامون كذلك “قصوراً في الاستشراف التشريعي”، حيث أغفل المشروع وضع إطار قانوني للممارسة الرقمية (Legal Tech) والاستشارة عن بُعد، كما غابت عنه قواعد واضحة للتخصص المهني والتكوين المستمر الإلزامي.

وانتقدت المذكرة في هذا الصدد، بشدة إحالة 14 مقتضى جوهرياً على “نصوص تنظيمية” لاحقاً، مما يجعل العديد من الحقوق المهنية معلقة وغير مضمونة الصياغة.

وخلصت المذكرة إلى الدعوة لمراجعة شاملة لمشروع القانون رقم 66.23، بما يضمن استقلالية مهنة المحاماة وحماية حصانة الدفاع، وتعزيز دورها في ضمان الولوج إلى العدالة.

وفي مقابل هذه الملاحظات النقدية، قدمت المذكرة جملة من التوصيات العملية لتطوير مشروع قانون المهنة، بما يعزز استقلالية المحاماة ويستجيب للتحولات التي يعرفها القطاع.

ودعت في هذا السياق إلى إعادة صياغة المقتضيات المرتبطة بحصانة الدفاع والسر المهني وحرمة المكتب، بما “يضمن حصانة وظيفية أوضح للمحامي أثناء أدائه لمهامه، مع إخضاع أي مساس بهذه الضمانات لرقابة قضائية ومهنية صارمة”.

كما أوصت مذكرة محامي العدل والإحسان بترشيد البناء التنظيمي للمهنة، وتخفيف النزعة إلى التقنين التفصيلي في المجالات التي يمكن أن تتولاها الأنظمة الداخلية والهيئات المنتخبة، بما “يحفظ التوازن بين التنظيم القانوني والاستقلال الذاتي للمهنة”.

ودعت إلى مراجعة الشق المالي للمشروع، بما يضمن تحديدًا دقيقًا للحساب المهني، وأصناف الأموال، وآليات المراقبة، في إطار يحترم السرية والاستقلال ومبدأ التناسب.

كما اقترحت تقنين وضعية المحامي المساعد، مع توفير ضمانات صريحة للسر المهني والاستقلال ومنع تعارض المصالح.

وفي إطار مواكبة التحولات الرقمية، شددت المذكرة على ضرورة إقرار قواعد خاصة بالممارسة الرقمية للمحاماة، بما في ذلك المعاملات الإلكترونية والتوقيع الرقمي والاستشارة عن بعد، مع وضع إطار قانوني لحماية المعطيات المهنية في سياق تطور تقنيات “التكنولوجيا القانونية”.

كما أوصت بإرساء نظام واضح للتخصصات المهنية والتكوين المستمر الإلزامي، واعتماد مسارات اعتماد مهني مرحلية أو موضوعية، بما يضمن رفع جودة الأداء المهني.

وفي ما يتعلق بالتواصل المهني، دعت المذكرة إلى إعادة النظر في تصور الإشهار المهني، بما يميز بين الإشهار المضلل غير المشروع والتواصل المهني المنضبط، بما يحفظ كرامة المهنة ويواكب في الوقت نفسه تطور وسائل التواصل الحديثة.

واختتمت التوصيات بالدعوة إلى دراسة إمكانية تنظيم بعض صور الأتعاب المرنة أو البديلة بشكل دقيق ومتوازن، يحقق حماية المتقاضي من جهة، ويصون كرامة واستقلالية المهنة من جهة أخرى.