story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

التخريب الجزائري في باماكو

ص ص

ما أشبه الهجمات الدموية التي تعرضت لها مالي في اليومين الماضيين، بعد سحبها الاعتراف بجمهورية البوليساريو المزعومة؛ بما عاشته موريتانيا عقب توقيعها اتفاقية مدريد مع كل من المغرب وإسبانيا لإنهاء استعمار هذه الأخيرة للصحراء.

الحرب التي أصبحت “باردة” في جوارنا القريب منذ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار عام 1991، لم تنطفئ في الحقيقة، بل راحت “تسخن” تدريجيا، حيث يعمد الخصوم في النظام الجزائري إلى تصدير التوتر الذي يعجزون عن تصريفه مباشرة ضد المغرب، في جبهات “نائمة” أو رخوة، كما هو الحال مع مالي حاليا، وما يدور في السنغال من صراع محموم تقوده الجزائر تحت غطاء كرة القدم، مع استمرار الإمساك بخناق موريتانيا التي انتهت بها هجمات السبعينيات إلى توقيع اتفاقية الجزائر والاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.

ما يتكشف اليوم، بوضوح أكبر من أي وقت مضى، هو أن معركة الصحراء لم تعد تُخاض عند تخومها المباشرة فقط، بل في كامل المجال الإقليمي الذي يتحرك فيه المغرب لتثبيت سيادته، وبناء تحالفاته، ودفع ملف وحدته الترابية نحو الحسم بعد أكثر من نصف قرن من الاستنزاف.

لم يعد المطلوب اليوم من الخصم أن يفتح جبهة تقليدية مع المغرب، بل أن يجعل كل خطوة مغربية نحو حسم ملف وحدته الترابية مكلفة، ومضطربة، ومهددة بالتشويش من أكثر من جهة، وفي أكثر من ساحة. هذا هو المعنى الذي يجعل ما يجري اليوم في مالي، وما جرى في السنغال، وما جرى من قبل في موريتانيا، حلقات داخل منطق واحد، لا مجرد وقائع متفرقة.

حين سحبت باماكو، في 10 أبريل الجاري (2026)، اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وأعلنت دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لم يكن الأمر مجرد مكسب دبلوماسي إضافي للمغرب في غرب أفريقيا؛ بل كان ذلك تحولا استراتيجيا في بلد ساحلي-صحراوي حساس، يتقاطع فيه الأمني بالجيوسياسي، ويقع في قلب معركة النفوذ في الساحل.

فدولة مالي لم تكتف بتبديل لغة بياناتها، بل انخرطت في دينامية تقارب أوسع مع الرباط، شملت التعاون السياسي، وتسهيل حركة المواطنين، ورفع المنح الجامعية المغربية لصالح الطلبة الماليين، وفتح أفق شراكة جنوب-جنوب أكثر عمقا…

وجاء هذا التحول في لحظة كانت الأمم المتحدة، ومعها واشنطن، تدفع فيها نحو تحريك الملف باتجاه تسوية أكثر واقعية، على قاعدة الحكم الذاتي بدل إدارة الانتظار إلى ما لا نهاية.

بعد أسبوعين فقط، شهدت مالي واحدة من أخطر موجات التصعيد الأمني منذ سنوات. هجمات منسقة ضربت باماكو وكاتي وغاو وسيفاري وكيدال، وكشفت، بحسب تقارير متقاطعة، عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وبين متمردين طوارق من جبهة تحرير أزواد.

وذهب الأمر، بحسب وكالتي “رويترز” و”أسوشيتد برس”، إلى حد استهداف مقر إقامة وزير الدفاع داخل قاعدة كاتي ومقتله لاحقا متأثرا بالهجوم، في مشهد هزّ السلطة العسكرية في باماكو من الداخل.

صحيح أنه لا يوجد، حتى الآن، دليل علني حاسم يثبت أن الجزائر أدارت هذه الهجمات أو أمرت بها. لكن ما هو قائم، وثابت، أن التوقيت شديد الدلالة، وأن باماكو نفسها، ومعها جارتها نيامي، اتهمتا “بلدا مجاورا” بإيواء أو دعم جماعات مسلحة تنشط على حدودهما، في إشارة قرأها الجميع باعتبارها موجهة إلى الجزائر التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام تراجع مطرد في الجبهة الدبلوماسية لصالح المقترح المغربي، ولم تعد تملك الكثير من الأوراق النظيفة.

القرار الأممي 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، وضع الحكم الذاتي المغربي في قلب المسار التفاوضي بوصفه أساسا عمليا للحل. ومنذ بداية 2026، برز زخم أميركي جديد لإعادة تحريك المسار، قبل أن تتحدث الإحاطة الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، عن “فرصة” للدفع نحو اتفاق إطاري قبل أكتوبر المقبل، مع مطالبة البوليساريو بتقديم تنازلات ضرورية، ودعوة المغرب إلى تقديم نسخة أكثر تفصيلا من تصوره للحكم الذاتي.

وعندما يقترب هذا الملف من منطقة الحسم، تشتعل الأطراف. هذا ما جرى مع موريتانيا في النصف الثاني من السبعينيات. بعد اتفاق مدريد، حين لم يكن الهدف من ضرب نواكشوط والزويرات والسكك الحديدية مجرد إزعاج موريتانيا، بل إنهاك الحلقة الأضعف حتى تنسحب وتوقّع اتفاق الجزائر وتعترف بما كانت الجزائر تريد فرضه على الأرض.

الأمر نفسه يتكرر اليوم، وإن بأدوات محيّنة. والضغط لا يُمارس دائما على المغرب مباشرة، بل على محيطه، وعلى الدول التي تقرر مغادرة المدار الجزائري نحو المقاربة المغربية.

بل إن الأمر لا يقتصر على مالي حاليا. فقد ظهرت الإشارات نفسها، بطريقة أقل دموية، في السنغال. بعد نهائي كأس أفريقيا الذي احتضنه المغرب يناير الماضي، وما رافقه من جدل حول النتيجة والهوية الرياضية للمتوّج، خرج الاتحاد السنغالي هذا الأسبوع، ببلاغ يشكر فيه السفير الجزائري في دكار على ما وصفه بالدعم والتضامن خلال “اللحظة التاريخية” في الرباط.

قد يعتبر البعض هذا الأمر تفصيلا رياضيا عابرا، لكنه ليس كذلك في منطقة تتحول فيها كرة القدم إلى غطاء لصراعات النفوذ والاصطفاف.

حين تصبح الرباط، حتى في نجاحها الرياضي والتنظيمي، ساحةً تحتاج الجزائر إلى اختراق معناها أو التشويش عليه من الخلف، فذلك يعني أن الحرب الرمزية هي الأخرى مفتوحة.

المشكل، إذن، ليس في وجود خصومة معروفة بين المغرب والجزائر حول الصحراء؛ فهذا قديم ومعروف. المشكل أن هذه الخصومة دخلت مرحلة أكثر خطورة، عنوانها استخدام كل جبهة رخوة في الجوار لإبطاء المسار المغربي، أو تلويثه، أو جعله يبدو كأنه يفتح على الاضطراب.

يجري ذلك في منطقة الساحل عبر الفوضى المسلحة وشبكات النفوذ الأمني والتمردات العابرة للحدود. وفي غرب أفريقيا عبر الحرب الرمزية والاختراق الدبلوماسي والثقافي والرياضي. وفي الأمم المتحدة، يجري ذلك عبر محاولة كسب الوقت، وتشتيت الضغط، والرهان على أن يتعب الوسطاء أو تتغير الموازين… هي حرب واحدة، لكن بجبهات متعددة، ودرجات حرارة مختلفة.

الجبهة لم تعد تقف عند الجدار الرملي، ولا عند مناورات البوليساريو شرق المنطقة العازلة، بل تمددت إلى المحيط الذي يتحرك فيه المغرب لكسب الاعترافات، وتثبيت المبادرات، وبناء عمقه الأفريقي والأطلسي. أي أن الخصوم انتقلوا إلى نهج التخريب غير المباشر.

نحن في هذه اللحظة في مواجهة خصم يقرأ اقتراب الحسم كما يقرأ المحاصر اقتراب السقوط، أي بعصبية، وتخبط، واستعداد لحرق ما حوله حتى لا يخسر وحده.

الحرب في الصحراء لم تنته إذن. بل غيرت جلدها فقط. وصارت أقل ضجيجا في شكلها المباشر، وأكثر اتساعا في أثرها. وهي اليوم تقترب من أكثر مراحلها حساسية.