في حضرة باهي.. وفاء لذاكرة الصحافة والفكر
في ندوة علمية استحضرت التراث الفكري للصحافي المغربي محمد باهي حرمة، بمناسبة الذكرى الثلاثين لرحيله، أكد أساتذة باحثون أهمية الاحتفاء بالرموز الثقافية والفكرية والسياسية المغربية، لما يمثله ذلك من اعتراف بالمجهودات التي يبذلها المثقفون والباحثون في مختلف المجالات، خدمة للقضايا الوطنية والإنسانية عموما.
وفي هذا الصدد، ألقى صديقه وناشر تراثه، امبارك بودرقة، خلال الندوة التي نظمتها “حلقة أصدقاء باهي، مساء السبت 13 يونيو 2026، بالمكتبة الوطنية بالرباط، شهادة استحضر فيها مسارات الصحافي محمد باهي، من أبرزها مغادرته لـ «شنقيط» في بداية خمسينيات القرن الماضي، ورحلته من وجدة إلى الجزائر لمرافقة الجيش الجزائري، سنة 1962، بتكليف من رئيس تحرير «جريدة التحرير» الراحل عبد الرحمان اليوسفي.
وأورد بودرقة، في كلمة له، أن محمد باهي لم يعد إلى المغرب إلا بعد مرور 20 سنة؛ أي في سنة 1982، مشيرا إلى أن ذلك ارتبط بتشابكات وتعقيدات السياسة والنضال والفكر والصحافة أو قوة الكلمة.
درس إنساني نبيل..
من جانبه، أكد الأستاذ حسن طارق أن «الذاكرة لا تُصنع بشكل “أتوماتيكي”؛ والأمم لا تتذكر رموزها وكبارها والذين بصموا تاريخها هكذا»، مشددا على أن «الأمر يحتاج إلى حراس الذاكرة، ويحتاج إلى مدافعين شرسين عنها، وأعتقد أن سي امبارك يمثل هذا الدرس».
وبعدما استعرض الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس، حسن طارق، على محطات من حياة محمد باهي حرمة، وعلاقتها بالفكر والصحافة والسياسة والتحرر في المغرب وفي المنطقة المغاربية والشرق الأوسط، أبرز أن «هذه الندوة ليست مجرد تكريم لكاتب كبير أو تقديم كتاب، وليست مجرد لقاء ثقافي، وليس مجرد احتفاء بباحثين شباب يستحقون ذلك، بل أشعر أن هذا اللقاء هو أيضا درس إنساني نبيل وعظيم».
ولخص طارق الندوة في ثلاث كلمات؛ أولها «الاعتراف» بمعنى التقدير والعرفان وقول شكرا، ثم «الوفاء للذاكرة» وأخيرا «الاستمرارية»؛ أي استمرارية الذاكرة.
كتابات من الجنوب..
ومن جهته، لفت الأستاذ المصطفى اللويزي الانتباه إلى الكتابات الرصينة لمحمد باهي القادم من الجنوب، وما كانت تمثله بالنسبة إلى جيل من الشباب الذي كان يرى نفسه أكثر «ثورية» ويحلم بواقع أفضل، مبرزا أنهم حينما كانوا يقرأون «رسالة باريس» كانوا يجدون نفسا يشبههم؛ نفسا ينسجم مع أحلامهم وتطلعاتهم والرؤى التي كانوا يحاولون تجسيدها.
وأكد اللويزي، الأستاذ الباحث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، على أهمية الصدق في الكتابة، معتبرا أن الأفكار الصادقة يشعر بها القارئ ويحس بأثرها.
وأشار إلى أن محمد باهي كان من «جنس المشائين»؛ إذ لا يستقل السيارة أو الحافلة أو “الميترو” في باريس، موضحا أن المشائين كانوا دائما أصحاب أفكار، حيث يفكرون وهم يمشون، ويحللون وهم يمشون.
ولفت إلى أن كثيرا من التحليلات الاستشرافية التي قدمها محمد باهي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أصبحت اليوم واقعا.
في مرآة الخلف..
أما الأستاذ الطيب بياض، فأشار إلى الدور الكبير لـ”امبارك بودرقة” في إخراج كتاب «عودة الروح، التراث الفكري لمحمد باهي في مرآة الخلف»، مبرزا أن المشروع تعود جذوره إلى سنة 2017 حينما تسلم خمسة أجزاء من بودرقة حول «رسالة باريس».
وفي كلمته، ذكر الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس والمشرف على الكتاب المذكور، أن محمد باهي اشتغل على عدد من المواضيع والقضايا الكبرى، من بينها قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، والعشرية السوداء في الجزائر، والمشهد السياسي التونسي، وحالة السودان في ستينيات القرن الماضي، وحركات التحرر في إفريقيا والخليج العربي وأوروبا ومتغيراتها..
وأوضح بياض أن الاشتغال على مشروع الكتاب، كان يتوخى منه تحقيق أمرين اثنين؛ الأول هو الاعتراف بفضل باهي، لأننا «نحن من نحتاج إلى هذا الأخير، وليس هو من يحتاجنا؛ فقراءة باهي تُعطينا فهما لكثير من تعقيدات اليوم»، والأمر الثاني هو «مسعى الاشتغال مع الباحثين الشباب، لأننا نحن عابرون، ولا بد من الخلف».
يذكر أن محمد باهي هو صحافي سياسي ومفكر مغربي من أصول موريتانية، ولد سنة 1930 وتوفي في سنة 1996، وارتبط اسمه بمقالات وتحليلات سياسية وفكرية عميقة، وبالخصوص من خلال سلسلة «رسالة باريس» التي كانت تنشر على جريدة الاتحاد الاشتراكي.
المحفوظ طالبي