story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الحزب والسلطة بالمغرب؛ أي علاقة؟

ص ص

تُعدّ العلاقة بين الحزب والسلطة من أكثر العلاقات التباسا داخل التجربة السياسية المغربية، ولأن هاذين الثنائيين هما المحركين الأساسيين في مجال السياسة بشكل عام؛ لا بد لكل مواطن – بما تحمله كلمة مواطن من معنى- أن يفهم مسار علاقتهما بمدها وجزرها، لأن الأمر لا يتعلق بتوزيع للاختصاصات فحسب أو تنافس اعتيادي حول تدبير الاختيارات المتعلقة بالشأن العام، فالأمر أعمق بكثير؛ فهو يمتد إلى بنية تاريخية عميقة تحدد معنى الفعل السياسي وحدوده ووظائفه.

فالحزب، في التصور الكلاسيكي للديمقراطيات الحديثة، يُفترض فيه أن يكون أداة لتنظيم المصالح الاجتماعية وتأطير الصراع حول السلطة وتقديم بدائل ممكنة في تدبير شؤون الدولة. أما السلطة، فتحيل في معناها العميق إلى المركز المنتج للقرار والضامن لاستمرارية الدولة ووحدتها الرمزية والمؤسساتية. غير أن التفاعل بين هذين المفهومين داخل المغرب تشكل في سياق مختلف، أنتج وضعا هجينا يصعب معه الحديث عن استقلال كامل للحقل السياسي أو عن تمايز واضح بين منطق الدولة ومنطق التنافس الحزبي.

تنهض فكرة “الحزب” في الفكر السياسي الحديث بوصفها التجسيد المؤسساتي للانقسام الاجتماعي؛ فالحزب في المنبت الأوروبي جاء نتيجة لمسار تاريخي طويل ارتبط بتحولات اقتصادية وصناعية كبرى أفرزت كتلا بشرية ذات مصالح متعارضة بصورة حادة( Maurice Duverger, Les partis politiques1951). ومع اتساع المجال العمومي وتنامي الصراع الاجتماعي، صار الحزب أداة لتنظيم هذا التناقض داخل المؤسسات، ونقل المواجهة من الشارع إلى البرلمان، ومن القوة العارية إلى التمثيل السياسي.

حين انتقل هذا النموذج إلى المغرب، وجد نفسه أمام بنية سياسية ذات خصوصية تاريخية مختلفة، تتأسس على مركزية قوية تمتلك قدرة عالية على الإدماج وإعادة الاحتواء. فالدولة المغربية، بوصفها امتدادا تاريخيا لما يُعرف بالمخزن (جرمان عياش- دراسات في تاريخ المغرب)، لم تتشكل داخل صراع طبقي حاد، ولم تكن نتاج تعاقد اجتماعي بالمفهوم الأوروبي الحديث كما أسس له هوبز وماكس فيبر…، فهي استمدت وراكمت شرعيتها عبر شبكة معقدة من الرمزية الدينية والتاريخية والوظيفة التحكيمية داخل المجتمع.

وعندما ظهرت الأحزاب السياسية في سياق الحركة الوطنية، حملت معها تصورا يفترض إمكانية التحول إلى شريك فعلي في إنتاج القرار العمومي استنادا إلى شرعية النضال والمقاومة (الأحزاب اليسارية)، غير أن الدولة تعاملت معها باعتبارها مكونات قابلة للإدماج داخل النسق العام؛ وهذه معركة نهايتها معروفة ومكشوفة، ولكن تنقصنا تفاصيل كثيرة عن خباياها.

ومن هنا بدأ تشكل ما يمكن وصفه بالإدماج المؤسساتي؛ حيث أخذت الأحزاب تستمد جزءً كبيرا من شرعيتها من الاعتراف الفوقي أكثر مما تستمده من الامتداد المجتمعي المباشر، رغم المقاومة الجزئية لبعض الأحزاب – حزب أو حزبين على الأكثر – المرتبطة بقواعدها أكثر؛ التي لا تزال محافظة على استقلال القرار ولكن تصعب عليها العودة للأدوار الأساسية التي تأسس عليها الحزب في بدايته.

ويتعذر فهم هذه العلاقة بعيدا عن البنية الاقتصادية التي تؤطرها. ففي التجارب الليبرالية الكلاسيكية، ارتبطت الأحزاب تاريخيا بوجود مصالح اقتصادية مستقلة تبحث عن أدوات سياسية للدفاع عن مواقعها داخل المجتمع والدولة. أما في الحالة المغربية، فإن الرأسمال الكبير ظل مرتبطا بدرجات متفاوتة بالقرب من دوائر القرار، الأمر الذي جعل الثروة نفسها تدخل ضمن هندسة النفوذ السياسي. ونتيجة لذلك، فقد الحزب تدريجيا وظيفته بوصفه ممثلا لمصالح اجتماعية محددة، وتحول في حالات كثيرة إلى بنية زبونية تدير شبكات الوساطة أكثر مما تدير مشاريع سياسية متكاملة.

داخل هذا السياق، أصبح الحزب يشتغل كوسيط في سوق السياسة؛ يجمع الولاءات الانتخابية عبر الوعود بالخدمات المشروعة وغير المشروعة، ثم يعيد توظيف هذا الرصيد للحصول على مواقع داخل دواليب التدبير، ومن الممكن أن يسعى للوفاء بما وعد أو يسعى كلٌ بحقيبته الوزارية او غيرها لتحقيق مصالحه الذاتية.

ومع هذا التحول، تراجعت الأيديولوجيا بوصفها أفقا للتعبئة، وصعد منطق الريع والقرب من المركز باعتباره المحدد الأهم للمكانة السياسية. لذلك، لم تعد المنافسة الحزبية تدور حول تصورات متعارضة للدولة والمجتمع، بقدر ما تدور حول درجات النفاذ إلى دوائر القرار.

وقد تعمق هذا المسار مع التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، حيث برز توجه واضح نحو هيمنة المنطق التقني في المجال السياسي وإعادة تعريف الشرعية انطلاقا من معيار النجاعة التقنية – وهذا المنطق الذي يزكي النجاعة على حساب الشرعية له نتائج وخيمة علينا دولة ومجتمعا؛ وظهور آثاره ليس بالبعيد-، فالمقبول داخل المتخيل الرسمي لم يعد هو الحزب القادر على إنتاج التعبئة الشعبية أو هندسة مشاريع مجتمعية كبرى، وإنما الحزب الذي يمتلك كفاءات تقنية قادرة على المواكبة السطحية الأوراش الكبرى وتنفيذ البرامج التنموية وفق السقف المحدد سلفا من طرف الدولة.

هذا التحول أنتج حالة من التشابه الواسع بين البرامج الانتخابية، لأن أغلب الأحزاب باتت تتحرك داخل الإطار نفسه، وتتبنى اللغة ذاتها، وتعيد تدوير المفاهيم نفسها المرتبطة بالحكامة والتنمية والاستثمار والنجاعة. ومع هذا التماثل، تقلصت المسافة الفاصلة بين السياسي والتقني، وصار الحزب أقرب إلى جهاز تدبيري يشرف على تنفيذ السياسات العمومية ضمن هامش محدود.

وفي المقابل، ظلت مراكز القرار الاستراتيجي بعيدة عن المحاسبة السياسية المباشرة، الأمر الذي جعل الأحزاب تتحمل كلفة الإخفاقات الاجتماعية دون أن تمتلك فعليا سلطة كاملة على صناعة القرار.

ومن الطبيعي أن يقود هذا الوضع إلى حالة من الاغتراب السياسي داخل المجتمع. فالمواطن المغربي، بحسه العملي تجاه توازنات القوة، أدرك تدريجيا محدودية التأثير الحقيقي للأحزاب في إحداث تحولات بنيوية تمس حياته اليومية. وقد ساهم هذا الإدراك في توسيع فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات الحزبية، وفتح المجال أمام أشكال أخرى من التعبير، من قبيل الاحتجاجات العفوية والمقاطعات الرقمية والتفاعل المباشر خارج الوسائط التقليدية.

لقد أفرز هذا المسار هدوءً مؤسساتيا في الظاهر، لكنه أضعفَ في العمق قدرة النسق السياسي على إنتاج الوسائط الضرورية لامتصاص التوترات الاجتماعية. فالحزب الذي يُفترض فيه أن يكون فضاءً للنقاش والتأطير وصناعة النخب وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج سياسية، تحول في أجزاء واسعة منه إلى هيكل فاقد للقدرة على الإقناع والحشد، الأمر الذي جعل السياسة نفسها تبدو في أعين كثيرين ممارسة شكلية تفتقر إلى الأثر الحقيقي.

وعليه، فإن تجاوز هذا المأزق لا يرتبط فقط بإصلاحات تقنية تمس القوانين الانتخابية أو هندسة المؤسسات، لأن الأزمة أعمق من مجرد اختلالات إجرائية. فالأمر، يتعلق أساسا بإعادة بناء المجال السياسي على قاعدة الاستقلال النسبي بين الدولة والحزب، بما يسمح بظهور فاعلين سياسيين يمتلكون امتدادا اجتماعيا فعليا، ويستندون إلى تعاقد واضح مع المجتمع، ويملكون هامشا حقيقيا للاجتهاد والخطأ والاختلاف.

فمن دون هذا الفرز البنيوي، سيظل الحزب المغربي يتحرك داخل حدود مرسومة سلفا، وستظل السياسة طقسا دوريا يعيد إنتاج التوازنات نفسها، دون أن يتحول إلى فعل تاريخي قادر على بناء الثقة وصناعة المعنى داخل المجال العمومي.