إيران تذلّ أمريكا!
المسؤول السياسي الأول في ألمانيا، والرجل الذي أيّد الهجمات الإسرائيلية ضد إيران في يونيو 2025 واعتبرها دفاعا مشروعا عن النفس، ضد دولة تهدد المنطقة وتزعزع استقرارها، والذي عاد في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، ليعبّر في بيان مشترك مع فرنسا وبريطانيا عن تأييد هذا العدوان وإدانة إيران؛ يخرج اليوم في تصريحات رسمية، ليقول ما لن يهضمه كثيرون بيننا، ممن صعدوا الشجرة وعجزوا عن النزول: إيران تذلّ أمريكا.
هذا ليس كلام “كوفي” ولا ناشط “ممانع” بمعنى “معكّس”، ولا أمنية يطلقها خصم سياسي لواشنطن وتل أبيب… هذا كلام فريدريش ميرتس، المستشار الألماني المحافظ، زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والرجل الآتي من قلب المؤسسة الغربية التقليدية، والذي تولى المستشارية في ماي 2025.
حين يتكلم رجل بهذا الموقع، وبهذا الانتماء، وبهذا السجل القريب في التشدد تجاه إيران، فإن قيمة كلامه لا تكمن فقط في مضمونه، بل في الجهة التي صدر عنها. فهو لم يكن قطّ من المشككين في شرعية الحرب، بل من الذين رأوا في إيران أصل المشكلة، وفي ضربها أمرا مفهوما أو قابلا للتبرير.
في 28 فبراير 2026، حين انطلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كان ميرتس جزءا من الموقف الأوروبي الذي أدان إيران بوصفها قوة تزعزع الاستقرار. ثم مرّ أقل من شهرين، وتغيّر شيء جوهري في الخطاب.
ميرتس نفسه يقول الآن إنه لا يفهم أية استراتيجية خروج اختارتها الولايات المتحدة، ويشبّه ما يجري بحربي العراق وأفغانستان، وينتقد كون ترامب بدأ الحرب دون تشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ويضيف ما هو أثقل من كل ذلك: الإيرانيون يذلون الولايات المتحدة.
ثمة أناس لا يحللون الحرب باعتبارها سلسلة من الوقائع والنتائج، بل باعتبارها امتحانا لمنطقة الراحة النفسية. إذا بدأت أمريكا الحرب، وجب أن تكون منتصرة، حتى لو كانت تغرق. وإذا قصفت إسرائيل، وجب أن تكون قد حسمت، حتى لو كانت تبحث بعد أسابيع عن مخرج آمن أو عن وسيط يفتح لها باب التهدئة.
هذا ليس تحليلا، بل تمنٍّ رديء. الكلام لا يغيّر الوقائع، والهتاف لا يصنع نصرا، والإنكار لا يمحو الارتباك الأمريكي من المشهد. مهمة من يحترم عقله أن يرى ما أمامه كما هو، لا كما يشتهي.
الحقيقة التي التقطها ميرتس، ولو متأخرا، عكس بعض بني جلدتنا، هي أن الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي أُصاب الخصم، بل بالقدرة على تحويل القوة إلى ترتيب سياسي مستقر.
الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب من موقع التفوّق الساحق، ومن وهم أن إيران ستنحني بسرعة أو ستُدفع إلى مفاوضات بشروط المنتصر.
لكن الذي حدث هو أن طهران نقلت المعركة إلى المساحة التي يتفوق فيها الضعيف الذكي على القوي المتعجل، أي مساحة الاستنزاف، والمراهنة على الوقت، والممرات البحرية، والرسائل التفاوضية الملتبسة، وحرمان الخصم من صورة الحسم…
لهذا قال ميرتس إن الإيرانيين بارعون جدا في “عدم التفاوض”. هذه جملة تستحق التأمل، لأنها تقول إن واشنطن لم تفشل فقط في كسر إيران، بل فشلت حتى في جرها إلى طاولة تفاوض تُدار وفق الإملاءات الأمريكية.
ولأن السياسة لا ترحم الأوهام، فقد ظهرت الكلفة الاقتصادية بسرعة. المستشار الألماني نفسه ربط ضرورة إنهاء الحرب بأثرها المباشر على الاقتصاد الألماني، وتحدث عن العبء الثقيل على دافعي الضرائب، وعن اضطراب الطاقة، وعن مضيق هرمز الذي صار، في التوصيف الألماني، مغلقا فعليا في أجزاء منه بسبب الألغام والمخاطر… ولا نجد من بني جلدتنا من يجرؤ على التنديد بالحرب حتى من باب العطف على المواطن المغربي الذي ينهشه تجار الأزمات.
هناك من سيقول إن ميرتس لم يبدّل موقفه من إيران، وإنه ما زال يعتبرها خصما خطيرا. وهذا صحيح. الرجل لم يتحول إلى ناطق باسم طهران، ولم يعلن فجأة براءة إيران أو عدالة مشروعها الإقليمي. لكنه فعل شيئا أهم من ذلك، هو الاعتراف بأن ميزان الأداء السياسي في هذه الحرب لا يسير لصالح واشنطن.
التحليل الجاد لا يطلب من الناس أن يحبّوا إيران أو يبرروا لها، بل يطلب منهم فقط أن يروا الوقائع كما هي.
يمكنك أن تعتبر إيران خصما، وأن تعترف في الوقت نفسه بأنها أدارت هذه الجولة بمهارة أعلى من خصمها.
ويمكن أن تعادي مشروعها، وأن تقر مع ذلك بأن أمريكا تبدو، حتى الآن، بلا أفق خروج.
ومن يعجز عن الجمع بين الأمرين، يسقط في الدعاية لا في السياسة.
مشكلة واشنطن، كما يلمّح المستشار الألماني، ليس أنها لا تملك الوسائل العسكرية، بل أنها دخلت الحرب دون تصور نهائي لما بعد الضربة. هذا هو شبح العراق وأفغانستان الذي استدعاه المستشار الألماني صراحة.
تبدأ القوة العظمى الحرب وهي ممتلئة بثقة الساعات الأولى، ثم تكتشف أن المشكلة لم تكن في دخول المعركة، بل في الخروج منها. وكلما طال الزمن، صار العنف الأول أقل أهمية من السؤال البسيط: ثم ماذا بعد؟
وحين يطرح ميرتس هذا السؤال، فهو لا يحرج ترامب فقط، بل يحرج كامل الفئة التي باعت العالم مرة أخرى وهم الحرب القصيرة النظيفة الحاسمة.
إن نقل الحقائق وتحليلها لا ينبغي أن يخضع للأهواء ولا للتمنيات ولا للكسل الذهني الذي يتوهم أن إحداث الضجيج يكفي لهزم الوقائع. ما قاله المستشار الألماني أمس لا يصنع الحقيقة من عدم، بل يعترف بها بعد أن صارت ثقيلة إلى الحد الذي لا يمكن تجاهله.
الحقيقة هي أن الحرب التي بدأت على قاعدة تأديب إيران انتهت، حتى الآن، إلى مشهد واشنطن مرتبكة، وأوروبا مستاءة، ومضيق هرمز يضغط على العالم، وإيران، التي كان يُفترض أن تنكسر، تناور وتماطل وتستنزف وتفرض على خصومها الاعتراف بأنهم لا يعرفون كيف ينهون ما بدأوه.
حبيبي، هذه ليست دعاية إيرانية. هذا تلخيص يخرج من فم رجل كان، حتى الأمس القريب، في المعسكر الذي منح الحرب غطاءها السياسي.
وإذا كان فريدريش ميرتس، بكل خلفيته وانحيازه وموقعه، قد انتهى إلى القول إن إيران تذل أمريكا، فإن أقل ما ينبغي فعله هنا هو أن نصمت قليلا، وننزل من الشجرة، ونترك للواقع حقه في أن يُرى كما هو.