ضمن 2259 فعالية عالمية كانت تحت الرصد.. كيف تراقب إسرائيل احتجاجات المغرب؟
قبل أن تتجمع الحشود في الشارع، وتُرفع شعارات التضامن مع غزة أمام البرلمان بالرباط، أو في سور المعاكيز بطنجة، أو أمام صومعة الكتبية بمراكش، تكون الفعالية الاحتجاجية قد دخلت بالفعل تحت مراقبة منظومة الرصد الاستخباراتي الإسرائيلي.
يبدأ الأمر بمنشور تعبوي يدعو إلى المظاهرة على إحدى المنصات الرقمية، قبل أن يتحول، عبر آليات التجميع والتحليل، إلى بطاقة معلومات مكتملة: المدينة، والساحة، والإحداثيات الجغرافية، والتوقيت، والحسابات الداعية، والجهة المرتبطة بالحدث، وصولاً إلى وضع تقدير لمستوى المخاطر المتوقعة.
وبحسب تحقيق استقصائي نشره موقع “من مول الإبادة” (WhoFundedGenocide)، التابع لمنصة “أرشيف الإبادة” (Archive Genocide)، واستند إلى جمع وتحليل 70 تقريراً صادراً عن وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية، فقد أدرجت هذه التقارير 2259 فعالية واحتجاجاً متوقعاً في 57 دولة بين دجنبر 2024 وأكتوبر 2026.
تنساب هذه المعطيات ضمن تقارير أسبوعية محدودة التداول يصدرها مركز J-SOC -المركز الوطني لمكافحة معاداة السامية- والمعروف بـ Mashlat، تحت عنوان “توقعات الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل”. وتواصل الوزارة إصدار هذه الوثائق رسمياً خلال عام 2026، بعدما أعلنت عن إطلاق المركز في 18 غشت 2024 ليعمل كغرفة قيادة وتنسيق لمعالجة البيانات وتحديد أساليب الاستجابة بالتعاون مع جهات أمنية وحكومية.
ويختلف هذا التتبع العملياتي الميداني عن القراءة الاستراتيجية التي تقدمها مراكز التفكير الإسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الذي أفرد بدوره مساحة لتحليل المشهد المغربي؛ متوقفاً عند ديناميات الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع وتقاطعاتها التنظيمية بين التيارات اليسارية والإسلامية، إضافة إلى التنسيق بين مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع.
المغرب تحت المراقبة
المغرب حاضر داخل هذه المنظومة ضمن قاعدة أوسع تشمل احتجاجات وفعاليات متوقعة في 57 دولة ضمن 70 تقريراً. ففي تقرير يتعلق باحتجاج أمام البرلمان في الرباط في غشت 2025، أدرج J-SOC مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين ضمن المعلومات المرتبطة بالفعالية، إلى جانب معطيات عن الموقع والحسابات المتداولة للدعوة ومستوى الخطر.
وفي تقرير آخر متعلق باحتجاج في ميناء طنجة المتوسط في شتنبر 2025، أدرج المركز BDS Morocco وحملة Mask Off Maersk ضمن الجهات أو الحسابات المرتبطة بالدعوة، مع تسجيل الموقع والإحداثيات ومعطيات التفاعل الرقمي وتصنيف مستوى الخطر.
وفي أبريل 2026، قام أحد تقاريرها برصد احتجاج مقرر في ساحة باب الحد بالرباط في 19 أبريل، وحدد إحداثيات المكان وصنفه في مستوى خطر متوسط، وأدرج إلى جانب موقع الفعالية اسم الناشط يونس بطاحي والمبادرة المغربية للدعم والنصرة وحساب Morocco_GlobalSumud، كما سجل أرقاماً مرتبطة بالوصول والتفاعل الرقمي.
تبيّن هذه الشواهد أن المنظومة الإسرائيلية لا تكتفي برصد العناوين العريضة للوقائع، بل تبني سجلاً تشغيلياً كاملاً لكل حدث؛ مَن يغرد، وأين سيتجمع المحتجون، وما حجم التفاعل الرقمي، وما درجة التهديد المفترضة.
وكما يوضح التحقيق الاستقصائي، فإن ورود اسم شخص أو هيئة في هذه التقارير يأتي بوصفه “مصدر النشر” أو “الحساب المرتبط بالتداول”، وليس بالضرورة الجهة المنظمة للحدث على الأرض.
من المنشور إلى الخطر
وفق إفادات الوزارة الإسرائيلية، تنطلق دورة العمل داخل مركز J-SOC من مسح المدى الافتراضي على منصات “تيك توك”، و”يوتيوب”، و”فيسبوك”، و”تلغرام”، و”إكس”، عبر تتبع المحتوى الصادر بأربع لغات رئيسية؛ وهي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والعبرية.
وفور التقاط الدعوات الاحتجاجية، تُفرغ المعطيات في نظام الرصد لمنح كل فعالية تقييماً محدداً لمستوى الخطر. وتتجاوز الإدخالات التفصيلية مجرد توثيق الحدث إلى تسجيل إحداثياته الجغرافية الدقيقة، ومدى قربه من المؤسسات والأصول الإسرائيلية، فضلاً عن قياس النطاق الرقمي للدعوة ومستويات التفاعل معها، قبل مشاركة الصورة الاستخباراتية الكاملة مع الأجهزة الأمنية والقطاعات الحكومية والمؤسسات الشريكة.
وتقر الوزارة في وثائقها بأن هذه البيانات تعتمد على “معلومات جرى تجميعها عبر مراقبة الشبكات باستعمال نظام تكنولوجي”، مع الإشارة الصريحة إلى أن المعطيات قد لا تكون مكتملة وتُقدَّم “كما هي”.
ولا يقف التقييم عند حدود الالتقاط الآلي؛ إذ تخضع كل فعالية لسلم قياس مركّب يتضمن معايير محددة، بينها طبيعة الموقع، والمسافة الفاصلة عن الأصول الإسرائيلية، والسجل التاريخي للمجموعة الداعية، ومضمون الخطاب، فضلاً عن حجم الرواج الافتراضي.
وفي سلم التصنيف المعروض بالتقارير، ينطوي المستوى “المتوسط” -وهو المؤشر الذي وُسمت به جميع الفعاليات المرصودة في المغرب- على “احتمال حدوث أعمال عنف محدودة أو اضطرابات كبيرة”. في حين يُشير المستوى “المرتفع” إلى أن التظاهرة “من المرجح أن تتخللها أعمال عنف”.
قاعدة البيانات.. أرقام تكشف نطاق التجسس
تظهر المعالجة الإحصائية لقاعدة البيانات الصادرة عن تقارير الوزارة حصر 2259 إدراجاً لفعاليات واحتجاجات مخطط لها في 57 دولة، توزعت على 70 تقريراً أصدرها مركز J-SOC في الفترة بين دجنبر 2024 وأكتوبر 2026.
ويتحرك المغرب ضمن هذه الشبكة الدولية الشاملة التي تتصدرها المملكة المتحدة بـ 265 إدراجاً، تليها الولايات المتحدة (249)، ثم إيطاليا (184)، وأستراليا (171)، بينما أُفردت للعاصمة البريطانية لندن وحدها 97 حالة رصد.
وتكشف تفاصيل البنية الرقمية للمشروع أن فريق البحث انطلق في مرحلة التجميع الأولى من 2336 صفاً مستخرجا من التقارير السبعين، قبل تنقية البيانات باستبعاد 77 إدخالاً مكرراً ينتمي لنسخة سابقة من تقرير ذكرى 7 أكتوبر، ليستقر الرقم عند 2259 إدراجاً اعتُمد قاعدةً للإحصاء الميداني.
وتوزعت هذه الإدراجات وفق مؤشرات المخاطر على النحو التالي (مع وجود إدراج واحد غير مصنف)؛ 1,180 منخفضة الخطورة، و942 متوسطة، و134 مرتفعة، وحالتان في المستوى الأقصى، أي 136 إدراجاً في المستويين المرتفع والأقصى. كما تتضمن 446 إدراجاً المسافة إلى أقرب موقع إسرائيلي.
ومن حيث النمط التوثيقي، انقسمت قاعدة البيانات إلى 1143 إدراجاً تفصيلياً، و991 إدراجاً مختصراً للفعاليات منخفضة الخطورة، إلى جانب 6 إدراجات خاصة، و196 إدراجاً أُدرجت ضمن جداول تقرير ذكرى 7 أكتوبر. وتمتد التواريخ الموثقة من 19 دجنبر 2024 حتى 14 أكتوبر 2026؛ حيث تُعامل الأنشطة المؤرخة في المستقبل بوصفها “توقعات استشرافية”، وليس حوادث واقعة بالفعل.