story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

بنشماش يحذر من اتساع الفجوة بين تحولات المغرب وقدرة السياسة على مواكبتها

ص ص

حذر عبد الحكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين السابق، من أن استمرار ضعف السياسة والوساطة الحزبية في المغرب قد يتحول إلى قيد على المرحلة المقبلة من نجاح الدولة، معتبرا أن البلاد باتت أمام حاجة إلى بناء سياسة تواكب قدرتها المتزايدة على التخطيط وصناعة القرار وإنجاز المشاريع الكبرى.

وفي مقال رأي توصلت به صحيفة “صوت المغرب”، اعتبر بنشماش أن المغرب، وهو يستعد لما وصفها بـ”الدورة الجديدة” في مساره التنموي، لا يواجه فقط تحديات مرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية، وإنما يواجه “منظومة ضغوط متبادلة التأثير”، في ظل تحولات عميقة مست الدولة والاقتصاد والمجتمع، مقابل سياسة لم تتغير بالسرعة نفسها.

وانطلق بنشماش من حديث الملك محمد السادس في خطاب العرش عن التطلع إلى “إطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي”، معتبرا أن الأمر يتجاوز اسم رئيس الحكومة المقبلة أو تركيبة أغلبيتها، ليطرح سؤالا حول السياسة والمجتمع ورصيد الثقة القادر على حمل المرحلة المقبلة.

وسجل رئيس مجلس المستشارين السابق أن المغرب عرف خلال ربع القرن الأخير تحولات كبيرة، تجسدت في الموانئ وصناعتي السيارات والطيران والطرق والقطارات والتحول الطاقي والامتداد الإفريقي وأوراش الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع تحول الاقتصاد والمجتمع وارتفاع توقعات المواطنين. لكنه شدد على أن هذه التحولات أفرزت “مواطنا مختلفا”، لم يعد يسأل فقط عن وجود الخدمة العمومية، وإنما عن جودتها وعدالتها وسهولة الوصول إليها، وعن موقعه الشخصي داخل مسار الصعود الذي تعرفه البلاد.

ويرى بنشماش أن إحدى أبرز فجوات اللحظة المغربية تكمن في أن “قدرة الدولة على تغيير البلد” تقدمت، في جوانب عديدة، بوتيرة أسرع من قدرة السياسة على استيعاب المجتمع الذي أنتجته هذه التحولات وفهم ما يجري داخله وتحويله إلى اختيارات ومعنى سياسي، معتبرا أن هذه الفجوة بلغت اليوم “عتبة الأزمة”، إن لم تكن بعض أوجهها قد دخلتها بالفعل.

وتوقف بنشماش عند ما سماه “الانكشاف الاجتماعي”، الذي لا يختزله في الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، بل يربطه بتقلص الهامش المتاح للأسر للادخار والإنفاق على التعليم والصحة وتحقيق الصعود الاجتماعي، في وقت تعيش فيه أسر كثيرة دون فائض يمكنها من امتصاص آثار المرض أو البطالة. واعتبر أن الأمر يعكس، في العمق، “تضاؤلا لهامش المستقبل نفسه”، بالتزامن مع ضيق وسط اجتماعي شكل تاريخيا أحد خزانات الاستقرار والترقية.

وإلى جانب ذلك، تحدث بنشماش عن “انكشاف جيلي”، معتبرا أن وضع الشباب لا يمكن اختزاله في البطالة، بل يتعلق بـ”أزمة عبور” من المدرسة إلى العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال، ومن الجهد إلى المكانة الاجتماعية. وأضاف أن هذا الجيل يعيش أزمته أمام شاشة مفتوحة على العالم، يقارن من خلالها فرص الدراسة والعمل والصحة والدخل وأنماط العيش، وهو ما جعل الفجوات أكثر وضوحا ورفع وتيرة المقارنة وقلص قدرة المجتمع على احتمال الوعود طويلة الأمد.

كما نبه إلى “الانكشاف المجالي”، قائلا إن الوطن “لم يعد يُعاش بالطريقة نفسها في كل ترابه”، في ظل الفوارق بين الحضري والقروي، وبين الأحياء والجهات وداخلها، في الدخل والخدمات والفرص. وحذر من أن انتقال المواطن من التساؤل عن نقص خدمة معينة إلى التساؤل عن سبب اختلاف “نصيبه من الدولة” قد يفتح الباب أمام “تشظ هادئ للمشترك العمومي”.

وفي هذا السياق، أعطى بنشماش أهمية مركزية للوساطة السياسية، معتبرا أنها أصبحت “مسألة دولة، لا مسألة أحزاب فقط”، لأن ضعف قدرة السياسيين والأحزاب على التقاط التحولات الاجتماعية يعني، بحسب تعبيره، أن الدولة فقدت “أذنا كانت تسمع بها المجتمع”.

وربط بنشماش ضعف هذه الوساطة ببروز “الانكشاف الاحتجاجي”، مستحضرا احتجاجات “جيل Z”، التي اعتبر أنها كشفت عن جيل وجد طريقه إلى المجال العام عبر الأدوات الرقمية أسرع مما وجده عبر المؤسسات المكلفة بتمثيله وتأطيره. كما توقف عند أحداث سبتة، معتبرا أن الأخطر فيها هو ظهور استعداد لدى فئات من الشباب للبحث عن المستقبل خارج البلاد، وهو ما يطرح، في نظره، سؤالا يتجاوز الثقة في حزب أو سياسة عمومية إلى العلاقة بـ”فكرة المستقبل الوطني” نفسها.

وحذر رئيس مجلس المستشارين السابق من تفاعل هذه الاختلالات بعضها مع بعض، من أسرة فقدت هامش المستقبل، ومدرسة ضعفت قدرتها على تحقيق الترقية، وشاب يتعثر انتقاله إلى العمل والاستقلال، ومجال يشعر بتفاوت نصيبه من الدولة، وسياسة عاجزة عن حمل غضبه، مقابل عالم بديل يراه يوميا عبر الشاشة، معتبرا أن المغرب يصبح بذلك أمام ما سماه “المخاطر المركبة”.

وفي توصيفه لهذه المخاطر، استعاد بنشماش مفهوم “استنزاف الزمن الوطني”، موضحا أن المغرب يتقدم بالفعل، لكن كل تأخر في الإصلاح يفرض عليه كلفة إضافية من الزمن والموارد والثقة وهوامش التصحيح، بحيث يمكن أن تصبح الفجوة القابلة للردم اليوم أكثر كلفة في المستقبل أو تتحول إلى واقع اجتماعي يصعب تغييره.

وأشار إلى أن هذا الاستنزاف يتزامن مع تحديات متقاربة زمنيا، من حاجة الشباب إلى الشغل والاعتراف، والاتجاه نحو شيخوخة سترفع كلفة الصحة والرعاية والتقاعد، إلى تحديات الماء والغذاء والطاقة، والتحول التكنولوجي، فضلا عن اتساع التزامات الدولة الاجتماعية وحاجتها إلى اقتصاد قادر على إنتاج الشغل والقيمة والموارد اللازمة لتمويلها.

وفي الجانب السياسي، أثار بنشماش مسألة وصول المال والشبكات والمصالح إلى مواقع التمثيل والتأثير، متسائلا عن الكيفية التي تمكن بها مال ارتبط في ملفات جنائية باقتصاد الجريمة من الوصول إلى مواقع انتخابية ومؤسسات تمثيلية، وعن الثغرات الموجودة في الانتقاء والتزكية والرقابة. وشدد على أن الأمر لا يتعلق بحزب معين أو بإدانة جماعية، وإنما بـ”مناعة السياسة نفسها” في مواجهة المال غير المشروع.

وفي مقابل ذلك، أكد أن المغرب يحتاج إلى رأسمال وطني قوي ورجال أعمال يستثمرون ويخلقون الوظائف، لكنه “يحتاج بالقدر نفسه إلى قواعد أقوى من المال”، موضحا أن استدعاءه لمفهوم “الأوليغارشية المفترسة” ليس موجها ضد الأغنياء، بل تحذير من اقتراب الثروة والنفوذ وصناعة القواعد إلى درجة يصبح معها الوصول إلى القرار موردا غير متاح للمواطنين على قدم المساواة.

وبخصوص البرامج الانتخابية، اعتبر بنشماش أنها تتضمن قضايا الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية وغيرها، غير أنها “ترى الأشياء أكثر مما ترى العلاقات بينها”، وتتعامل، في جانب منها، مع المواطن باعتباره متلقيا للمنافع، بينما بات يسأل أيضا عن الإنصاف وإمكان الصعود وقيمة جهده وقدرة صوته على التأثير ومدى قابلية المستقبل الذي تعده به بلاده للتصديق.

وتوقف بنشماش كذلك عند تجربته السياسية ضمن حركة “لكل الديمقراطيين” وحزب الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن التجربة تقدم درسا بشأن قدرة شروط المنافسة الانتخابية على دفع المشاريع السياسية إلى الابتعاد تدريجيا عن بعض قيم تأسيسها، حين يصبح صاحب “الشبكة الجاهزة” أكثر قدرة على المنافسة من حامل الفكرة الذي يحتاج إلى وقت لبناء حضوره المجتمعي. وخلص إلى أن المطلوب ليس البحث فقط عن “رجل جديد أو حزب جديد”، وإنما مساءلة شروط إنتاج السياسة والحوافز التي تكافئها البيئة السياسية.

وخلص بنشماش إلى أن الدولة المغربية أصبحت شديدة القدرة على إنتاج القرار والتخطيط وتعبئة الموارد والتنفيذ والتصحيح، بينما تظل السياسة أقل قدرة على إنتاج “الشرعية الواضحة” للقرار، عبر تحديد من اختار ومن يشرح ومن يتحمل الكلفة ومن يحاسبه المواطن عند الفشل. ويرى أن هذه الفجوة مرشحة لأن تصبح أكثر ثقلا خلال “الدورة التنموية الجديدة”، بالنظر إلى ما ستفرضه المرحلة المقبلة من اختيارات ومفاضلات وتوزيع للكلفة.

واعتبر أن استمرار ضعف السياسة قد يتحول من مجرد مشكلة سياسية إلى قيد على المرحلة المقبلة من نجاح الدولة، مشددا على أن التحدي الذي تطرحه “الدورة الجديدة” يتمثل في قدرة المغرب على بناء “السياسة التي تليق” بما راكمته الدولة من قدرة على الاستشراف وصناعة الخيارات الكبرى وتعبئة الموارد وتحويلها إلى فعل.