الشاهدة فرانشيسكا
أحيانا، يكفي أن تقف امرأة واحدة، في اللحظة التي يتراجع فيها الجميع، وأن تقول الكلمة التي يخاف العالم من نطقها، حتى تتحول من موظفة أممية مغمورة في نظر كثيرين، إلى مرآة أخلاقية تفضح جبن العصر.
هكذا يمكن الاقتراب من فرانشيسكا ألبانيز، ليس باعتبارها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، وهو المنصب الذي شغلته منذ مايو 2022، بل بوصفها حالة نادرة لضمير قرر أن يشتغل بكامل طاقته في زمن التعطيل العام للضمائر.
ما يثير في هذه المرأة ليس كونها قالت ما قاله آخرون عن غزة، بل أنها قالته من داخل موقع أممي، في وقت كانت فيه المؤسسات الدولية نفسها ترتجف أمام سطوة السياسة والمال والسلاح.
لم تكن فرانشيسكا أول من استعمل كلمة “إبادة” لوصف ما يجري في غزة، لكنها كانت أول من فعل ذلك وهي تحمل في صفتها الرسمية الحروف الثقيلة لاسم الأمم المتحدة.
في مارس 2024، قدمت تقريرها الشهير”تشريح إباد”، ثم واصلت في أكتوبر 2024 ويونيو 2025 ومارس 2026 بناء نفس المسار التحليلي والقانوني، من الإبادة بوصفها محوا استعماريا إلى “اقتصاد الإبادة”، إلى توصيف التعذيب باعتباره بنية ملازمة لهذا المسار…
لم تكن فرانشيسكا ترمي الكلمات في الهواء، بل كانت تبني سردية قانونية متراكمة، تقريرا بعد تقرير، في مواجهة عالم كان يريد من الضحية أن تموت بصمت، ومن القانون أن يصمت بأدب.
لهذا لا يمكن فهم فرانشيسكا ألبانيز من باب صورة الناشطة الغاضبة فقط، لأن هذا التوصيف، بما فيه من حرارة، يظلمها. الأصل فيها أنها قانونية دولية متخصصة في حقوق الإنسان والشرق الأوسط، اشتغلت في منظومة الأمم المتحدة لسنوات، وعملت أيضا مع ال”أونروا” في القدس، وهناك، في الاحتكاك المباشر مع فلسطين، بدأ ذلك الخيط الداخلي يتشكل.
خيط النفور من الظلم، ومن التعسف، ومن الاعتياد العالمي على رؤية الفلسطيني باعتباره مجرد “ملف” لا إنسانا كاملا.
لكن الشخصيات لا تتكون فقط في المكاتب والمنظمات. بل تتشكل أيضا في الجغرافيا الأولى للروح. وفرانشيسكا ابنة جنوب إيطاليا، ذلك البلد الصغير في عرف الزبونية والفساد والسطوة غير النظيفة للنفوذ.
حين دخلت حياتها المهنية، لم تفعل ذلك من باب موضوع أكاديمي بارد. بل كاختبار شخصي للقانون نفسه: هل هو أداة للحق، أم مجرد ديكور حضاري يزين به العالم الوحشي صورته في المرآة؟
بعد تقرير “تشريح إبادة”، دخلت حياتها مرحلة وصفتها هي نفسها بأنها قاسية ووحشية. تلقت تهديدات بالقتل، وتهديدات تمس ابنتها، ووجدت نفسها مضطرة إلى طلب الحماية. ثم جاء الاستهداف السياسي المنظم، من خلال ضغوط، وحملات تشهير، ومحاولات منع من الكلام، واتهامات جاهزة الغرض منها ليس الرد على حجتها، بل تلويث صورتها حتى لا تعود الحجة نفسها قابلة للسماع.
في يوليوز 2025، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فرض عقوبات عليها، في خطوة غير مسبوقة ضد مسؤولة أممية من هذا المستوى، وذلك بعد تقاريرها ومواقفها المتعلقة بفلسطين، وخصوصا تقريرها حول استفادة شركات دولية من اقتصاد الاحتلال والإبادة.
حقوقيون ومنظمات دولية اعتبروا العقوبات اعتداء على استقلال آليات الأمم المتحدة ومحاولة واضحة لإخراس صوت يربط القانون بالمسؤولية، ويصل بين الإبادة ومن يربح منها. أما هي، فوصفت ما جرى بأنه عقاب قاس بلا محاكمة ولا مسطرة دفاع، وجزء من “قتل مدني” حقيقي، تجسّد في حسابات بنكية مغلقة، وبطاقات دفع لا تعمل، وحياة يومية جرى تعقيدها عمدا لأنها قالت ما لا يراد سماعه.
كثيرون يستطيعون رفع الصوت حين يكون الثمن منشورا جديدا أو مقابلة تلفزيونية أو بعض الشتائم على وسائل التواصل. لكن ألبانيز دفعت من حياتها الخاصة، من أمن عائلتها، ومن استقرارها المهني، ومن تفاصيل العيش العادي نفسه.
صار اسمها على لوائح العقوبات، وصار زوجها وعائلتها داخل دائرة الأذى، ومع ذلك لم تتراجع إلى المنطقة الرمادية المريحة التي يجيد كثيرون الإقامة فيها.
لهذا تبدو فرانشيسكا ملهمة. ليس لأنها بلا أخطاء، ولا لأنها شخصية منزّهة عن الجدل. بالعكس، الكثير من المصادر تُظهر أنها واجهت انتقادات بشأن بعض تعبيراتها السابقة أو استعاراتها التاريخية، وقد اضطرت إلى التوضيح والدفاع عن نفسها أكثر من مرة. لكن الفرق الجوهري بين الشخصيات المصنوعة وبين الشخصيات الحقيقية، أن الثانية لا تعيش من هندسة صورتها بل من صدق معركتها.
في زمن سابق، كان يمكن الاختلاف مع مقررة أممية، أو أن يُرفض تقريرها، أو أن تُنقد لغتها. أما اليوم، فقد صار ممكنا أيضا أن تُعاقب ماليا، وأن تُحاصر مهنيا، وأن تُستهدف عائليا، وأن تُقدّم للرأي العام كما لو كانت خطرا يجب عزله. هذه النقلة تقول شيئا مرعبا عن العالم.
ومع ذلك، وفي كثير من صورها وشهاداتها، ثمة امرأة لا تزال قادرة على الضحك، وعلى الحديث بخفة إنسانية، وعلى استقبال الناس، وعلى الاستمرار في تحويل الخوف إلى طاقة عمل. وهنا يصبح الإلهام ممكنا. فالناس لا يقتدون بالتماثيل، بل بمن يشبهونهم ويرتقون رغم ذلك فوق خوفهم.
في النهاية، فرانشيسكا ألبانيز ليست هي القضية. هي، فقط، واحدة من العلامات التي تكشف ما يجري للعالم حين يختار بعض أفراده أن يدفعوا ثمن الكلام. لكن هذه العلامة شديدة الكثافة، لامرأة من جنوب إيطاليا، عبرت مؤسسات القانون الدولي، ورأت فلسطين من داخل جرحها لا من وراء زجاج التحليل البارد، ثم قررت أن تسمي الإبادة باسمها، ففُتحت عليها أبواب الجحيم. ومع ذلك استمرت.
لهذا تبدو قصتها مؤثرة.
لأنها تذكرنا بأن الشجاعة ليست أن تنتصر، بل أن ترفض أن تكذب.
وأن بعض البشر لا يغيرون العالم لأنهم يملكون سلطة كبرى، بل لأنهم، ببساطة، يرفضون أن يكونوا شهود زور.