بعد أكثر من سنتين عن زلزال الحوز.. شهادات متضررين يشتكون الإقصاء من دعم إعادة البناء
بين شهادات ميدانية متكررة من متضررين ما يزالون يعيشون في مساكن مؤقتة، وبيانات رسمية تؤكد تقدما “كبيرا” في ورش إعادة الإعمار، يتسع في مناطق الحوز و تارودانت نقاش غير محسوم حول حصيلة تدبير ما بعد زلزال 2023.
فبينما تتحدث الحكومة عن نسب “إنجاز مرتفعة” في إعادة بناء المنازل وتمكين عشرات الآلاف من الأسر من الدعم، يصرّ متضررون على أن جزءا من الملفات ما يزال عالقا، وأن عددا من الأسر الهشة لم تجد طريقها بعد إلى لوائح الاستفادة.
وتضع هذه الشهادات الفردية، التي تتقاطع في تفاصيلها رغم اختلاف مناطقها، سؤال العدالة الاجتماعية في قلب ورش إعادة الإعمار، خصوصا حين يتعلق الأمر بأرامل، مسنين، وذوي إعاقة يعيشون أوضاعا هشة داخل خيام أو مساكن مؤقتة، في وقت يتم فيه الإعلان عن “نسب إنجاز متقدمة” في إعادة البناء.
وفي هذا السياق، تتصاعد اتهامات متفرقة من متضررين بما يصفونه بـ“اختلالات” في توزيع الدعم وتدبير لوائح الاستفادة، مقابل تأكيد رسمي بأن العملية تسير وفق معايير دقيقة وأن ما تبقى من الحالات يهم وضعيات خاصة أو معقدة.
“إقصاء و استهداف للإخراس“
لم تكن جدة عبد الرحيم أيت القاضي أحد متضرري زلزال الحوز، وهي أرملة تعاني من إعاقة مزمنة ومرض السكري، تتوقع أن تجد نفسها خارج لوائح المستفيدين من الدعم بعد نجاتها من تحت أنقاض الزلزال، رغم أنها فقدت ساقها قبل أشهر قليلة فقط من الكارثة، لكن بحسب حفيدها، فإنها “تحولت اليوم إلى واحدة من أبرز حالات الإقصاء التي ما تزال تؤرق عددا من المتضررين بالمنطقة”.
وأكد عبد الرحيم أيت القاضي، عضو التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن جدته القاطنة بدوار أنرني دائرة أزكور بجماعة تاحناوت “انقذت من تحت الأنقاض بعد الزلزال، لكنها لم تنقذ من الإقصاء”، معتبرا أن “ما تعرضت له يمثل ظلما مستمرا يطال فئات واسعة من المتضررين الذين لم يحصلوا على حقوقهم”.
وأوضح بحرقة أن جدته، التي تولت تربيته منذ طفولته، “تعيش أوضاعا اجتماعية وصحية صعبة، ورغم ذلك لم تستفد من الدعم المخصص للمتضررين، واستهدفوا خيمتها و أزالوها من بين مجموعة تضم ما يقارب اثنتين وخمسين خيمة”.
وأضاف المتحدث أن “عددا من السكان التزموا الصمت” حيال ما يعتبرونه اختلالات في تدبير الملف، وتنازلوا عن حقوقهم “لكننا لن نصمت عن الظلم الذي تعرض له أبائنا وأهلنا”، على حد تعبيره.
وشدد على أن “عددا من الأشخاص حصلوا، وفق ما يتوفر عليه من معطيات ووثائق، على دعم إعادة الإعمار رغم عدم توفرهم على مساكن متضررة، بينما بقيت أسر أخرى، من بينها أرامل وأشخاص في وضعية هشاشة، خارج لوائح الاستفادة”.
وأشار في هذا الصدد إلى أن “48 أسرة استفادت من التعويض الكامل المحدد في 14 مليون سنتيم بفضل مسؤولين في المنطقة، الذين استفادوا من الدعم وهم لا يستحقونه، ومنحوا الامتيازات لأقاربهم وأفراد عائلاتهم الذين لا تتوفر فيهم أصلا شروط الاستفادة”، والذين يقيمون، حسب عبد الرحيم، “في دول أوروبية أو في مدن مغربية أخرى، بينما حرم أبناء المنطقة الأصليون من حقهم”.
ولفت إلى أن “سكانا بسطاء، لا يتحدث كثير منهم سوى الأمازيغية ويعيشون في دواوير نائية، وجدوا أنفسهم عاجزين عن إيصال أصواتهم أو المطالبة بحقوقهم”، معتبرا أن “هذه الفئة تؤدي اليوم ثمن التهميش والإقصاء أكثر من غيرها”.
وبخصوص ما يصفه بالضغوط التي يتعرض لها بسبب مواقفه، قال أيت القاضي إن “أسرته كانت هدفا لإجراءات متتالية بعد خروجه للحديث عن الاختلالات”، مشيرا إلى أن “خيمة والده أزيلت بعد مشاركته في وقفة احتجاجية تحدث خلالها عن استمرار إقصاء عدد من الأسر المتضررة”.
وأكد أن “الأمر لم يتوقف عند هذا الحد”، حيث شمل أيضا هدم “براكة” تعود لوالده، “رغم وجود عشرات المساكن المؤقتة الأخرى التي ما يزال أصحابها ينتظرون التسوية”، معتبرا أن “هذه الخطوات جاءت في سياق التضييق على الأصوات المنتقدة لطريقة تدبير الملف”.
وخلص عبد الرحيم إلى التأكيد على أنه يتوفر على وثائق ومعطيات وصور وتسجيلات توثق، بحسب روايته، عددا من “الاختلالات” المرتبطة بملف الدعم وإعادة الإعمار، مؤكدا استعداده “لتقديمها إلى أي جهة قادرة على ضمان الحماية وفتح تحقيق في هذه المعطيات”، مشددا على أن “مطالبهم تظل محصورة في المحاسبة وإنصاف المتضررين الذين ما زالوا ينتظرون جبر ضررهم بعد أكثر من عامين على الزلزال”.
“أمام أنظار والدتي المريضة“
من جهته يروي فيصل إثري، عضو التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، تفاصيل لحظة وصفها بـ”القاسية”، بعد إقدام السلطات المحلية بجماعة وقيادة أسني، صباح الأربعاء الماضي، على إزالة “الݣيطون” الذي كان يؤوي شقيقه ويضم جزءا من ممتلكات الأسرة، في وقت ما تزال فيه العائلة تعيش تداعيات فقدان منزلها إثر الزلزال.
ويقول فيصل إثري إن الخبر وصله بشكل مفاجئ وهو بالمدينة، بعد اتصال هاتفي من أحد معارفه، قبل أن يتأكد لاحقا أن الخيمة قد تم تفكيكها في الصباح، دون أي إشعار مسبق، وفق تعبيره.
ويضيف أن الصدمة لم تكن في الحدث فقط، و إنما في سياقه الإنساني، حيث جرى تنفيذ العملية، حسب روايته، “أمام أنظار والدته المريضة ووالده المسن وهو ما ترك أثرا نفسيا بالغا داخل الأسرة”.
ويؤكد المتحدث أن “الݣيطون” كان فضاء اضطراريا لاحتضان شقيقه منذ انهيار المنزل بالكامل جراء الزلزال، إضافة إلى احتوائه بعض الأغراض الأساسية للأسرة التي فقدت مسكنها.
ويربط فيصل إثري بين هذا الإجراء وبين نشاطه العلني في الدفاع عن ملفه وملفات متضررين آخرين، مشيرا إلى نشره سابقا لمقاطع وصور توثق وضعية المنزل المنهار ومحيطه، مشيرا إلى أن “أسرته تعيش منذ الزلزال وضعا هشا وصعبا، في ظل فقدان السكن بشكل كلي، والاعتماد على حلول مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار”.
وبخصوص ملفه الإداري، يؤكد أنه رغم مرور نحو ثلاث سنوات على الكارثة، وتوفره على الوثائق المطلوبة للاستفادة من الدعم، “فإن ملفه لا يزال عالقا دون تسوية، في وقت استفاد فيه آخرون في أوضاع مشابهة”.
كما يلفت إلى أنه وجّه عددا من الشكايات والملتمسات إلى جهات مختلفة “دون نتائج ملموسة”، ما عمّق، وفق تعبيره، شعورا بالتجاهل.
ويختم فيصل إثري حديثه بالتأكيد على أنه مستمر في المطالبة بحقه في إعادة بناء منزله والاستفادة من التعويضات، داعيا إلى فتح تحقيق مستقل في ما يعتبره اختلالات تطال ملفات ضحايا زلزال الحوز، “في انتظار إنصاف أسرة ما تزال تعيش آثار الكارثة إلى اليوم”.
و يذكر أن كتاب منتصر إثري المعنون بـ“زلزال الحوز.. حكاية مواطن غير مقيم” تم سحبه من رواق النقابة الوطنية للصحافة المغربية بالمعرض الدولي للكتاب والنشر قبل شهر ، ومنعه من توقيع نسخ منه، حيث بررت إدارة المعرض القرار بكون الكتاب “غير مدرج في المنصة”.
إعمار متقدم رسميا
في مقابل هذه الشهادات الميدانية لضحايا الزلزال و المتضررين الذين ما زالوا يعيشون أوضاعا صعبة منتظرين تسوية ملفاتهم، أفادت وزيرة إعداد التراب الوطني، فاطمة الزهراء المنصوري، أن “جهود إعادة الإعمار في منطقة الحوز مستمرة، حيث تم إصدار 58 ألفا و945 رخصة بناء، وتم الانتهاء من إعادة بناء 53 ألفا و648 مسكنا، 55 ألفا و175 مسكنا منها أكملت الأساسات”.
في المقابل، أوضحت المنصوري خلال جلسة الأسئلة الشفهية الأسبوعية بمجلس النواب، الاثنين 24 نونبر 2025، أن ما تبقى من الحالات يبلغ حوالي 4000، وهي لأشخاص كانوا يقيمون في أماكن خطرة لا يمكن السماح لهم بالبقاء فيها.
وأضافت “حتى لو بقي مغربي واحد، فنحن نحمل همه”، “ولكن لا يمكنني كي أرضيكم أن أبني لهؤلاء الأشخاص في مكان أعلم أنه معرض لانهيار الصخور، هذا مستحيل”، مؤكدة أن “قليلا فقط من الدول دبرت مثل هذه الكوارث بهذه الحكمة”.
في الوقت الذي أعلن فيه البنك الأوروبي للاستثمار، يوم الجمعة 05 يونيو 2026، عن تعبئة شطر ثان بقيمة 500 مليون أورو لدعم إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، ليرتفع بذلك إجمالي تمويله إلى مليار أورو بعد شطر أول بالقيمة نفسها، لا يزال عدد من المتضررين في بعض المناطق ينتظرون، منذ أشهر، استكمال بناء مساكنهم أو تسوية ملفات التعويض الخاصة بهم، وسط تباين في وتيرة تقدم الأشغال بين منطقة وأخرى.
ويُوجَّه هذا التمويل، بشقيه الأول والثاني، إلى دعم إعادة تأهيل وإعمار البنيات التحتية الأساسية، من طرق ومؤسسات تعليمية ومرافق صحية، في إطار شراكة تجمع البنك الأوروبي للاستثمار والاتحاد الأوروبي ووكالة تنمية الأطلس الكبير. وتؤكد الجهات الممولة أن البرنامج انتقل إلى مرحلة التنفيذ على نطاق واسع بعد استكمال التدخلات الاستعجالية التي أعقبت الزلزال.