أخنوش هرب!
أثار الأستاذ الجامعي كمال الهشومي، في تدوينة موفقة، سؤالا أكبر بكثير من الشكل الدستوري الذي اختاره رئيس الحكومة عزيز أخنوش لتقديم حصيلته أمام البرلمان في منتصف أبريل: ماذا يعني، سياسيا، أن يخرج رئيس الحكومة إلى غرفتي البرلمان في مستهل آخر دورة تشريعية كاملة من الولاية، وعلى بعد خمسة أشهر من موعد الانتخابات، ليعرض “الحصيلة” كما لو أنه يطوي الصفحة قبل أن تنتهي؟
من حيث الشكل، لا شيء يمنع. لكن السياسة ليست ما يسمح به الدستور فقط، بل أيضا ما يقتضيه احترام الزمن السياسي، وصون معنى الولاية الانتدابية، وعدم تحويل ما تبقى من عمر الحكومة إلى ممر رمادي بين الإنجاز والبحث عن “التموقع”،
لهذا لا يبدو ما قام به أخنوش مجرد تمرين مؤسساتي، بل أقرب إلى إعلان مبكر عن نهاية الولاية الحكومية، وانصراف أخنوش تحديدا قبل انطلاق فترة التقييم الانتخابي، ورفع غير معلن لالتزام التضامن بين مكونات الأغلبية، وإعطاء إشارة الانطلاق لسباق انتخابي سابق لأوانه، في وقت كان يفترض أن يبقى التركيز منصبا على ما تبقى من مشاكل الناس، لا على ما تبقى من مقاعد البرلمان.
الحكومة، في الأنظمة العادية، لا تخرج في آخر المنعرج لتقول: “هذه حصيلتنا، شكرا على المتابعة وتهلّاو!”. بل تستمر في العمل إلى آخر لحظة، ثم تحمل ما أنجزته وما أخفقت فيه إلى صناديق الاقتراع، وتنتظر حكم المواطنين.
أما أن يجري تقديم الحصيلة في هذا التوقيت بالذات، فذلك لا يشي بالثقة في استمرارية الفعل الحكومي، بقدر ما يوحي بأن رئيس الحكومة نفسه صار يتصرف بمنطق من أنهى مهمته، أو من يريد أن يسبق الجميع إلى تثبيت روايته الخاصة عن الولاية قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية الفعلية.
نعرف، عمليا، أن الأشهر الستة التي تسبق الانتخابات تتحول إلى ما يشبه مرحلة لتصريف الأعمال، أو على الأقل إلى فترة يشتد فيها التحفظ داخل أجهزة الدولة، اتقاء لاستعمال الموارد والمؤسسات العمومية في أغراض انتخابية.
هذا مفهوم تدبيري داخلي، وقد يكون له ما يبرره من زاوية الحياد والاحتياط. لكن المصيبة أن يتحول هذا المنطق نفسه إلى ذريعة لهدر الزمن السياسي، وإلى مبرر لتجميد ما تبقى من الولاية، وإلى طريقة ناعمة لحرمان المواطنين من الشطر الأخير من سنة كان يفترض أن تخصص، بكل ما فيها، للعمل والإنجاز ومعالجة الأعطاب المتراكمة.
ما الذي يتبقى، عمليا، بعد منتصف أبريل؟ بضعة أسابيع قبل أن تدخل الحكومة والأحزاب والإدارة في أجواء العد العكسي للانتخابات. ثم تأتي الاستحقاقات، فتبدأ مشاورات تشكيل الحكومة، وتوزيع الحقائب، وتنصيب الأغلبية، ثم لا نلبث أن ندخل في مناقشة مشروع قانون المالية للسنة المقبلة.
أي أننا، إذا قبلنا بهذا الإيقاع، نكون قد صادرنا، مرة واحدة، ما تبقى من سنة كاملة تقريبا من الزمن النافع للمواطنين، وسلمناه إلى منطق المقاعد والتحالفات والتموقعات.
ما فعله أخنوش، بكل اختصار، ليس مجرد عرض حصيلة، بل تبديد للزمن السياسي. والحال أن أكبر ما يحتاجه المغرب اليوم ليس مزيدا من الخطب، بل مزيدا من الفعل العمومي.
لا أحد في هذا البلد كان ينتظر من رئيس الحكومة أن يشرح لنا عدد النصوص التي مرت، أو أن يعيد ترتيب الأرقام والبرامج في عرض مطول، بينما الغلاء قائم، والبطالة تضغط، والخدمات الأساسية لا تزال بعيدة عن إقناع المواطن بأن أثر “الإنجاز” قد وصل فعلا إلى حياته اليومية.
المطلوب كان أن يشتغل ما تبقى من الحكومة بكامل طاقته إلى آخر رمق من الولاية، لا أن يخرج رئيسها، قبل أشهر من الاستحقاق، ليتصرف كما لو أن العد التنازلي صار قدرا.
ثم كيف أراد أخنوش، ومعه حزبه، أن يقدّم هذه المبادرة على أنها تعزيز للمنطق المؤسساتي ولدور البرلمان؟ أي منطق مؤسساتي هذا الذي يُستدعى في آخر لحظة على هيئة جلسة مشتركة احتفالية، بينما الرجل نفسه بدّد جزءا معتبرا من بداية ولايته في التملص من الحضور المنتظم إلى البرلمان، خاصة في الجلسات الشهرية المتعلقة بالسياسات العامة؟
هل صار البرلمان عظيما فقط حين يتحول إلى منصة للخطابة والدعاية السياسية بدعوى تقديم الحصيلة؟ وهل يصير التمكين للمؤسسة التشريعية مقنعا حين يأتي متأخرا، بعد سنوات من البرود، ومن العلاقة المتحفظة، ومن تفضيل التواصل العمودي ومنطق العروض، على منطق المساءلة السياسية الحية؟
الحقيقة أن هذه المفارقة وحدها كافية لإسقاط الرواية التي أريد تسويقها. لأن من يريد فعلا تقوية البرلمان، لا يتذكره في آخر الدورة، ويحوّله إلى أداة لإغلاق الباب والانصراف قبل الأوان. بل يبني معه علاقة سياسية ومؤسساتية منتظمة طوال الولاية.
أما أن يُغيب في لحظات المحاسبة الشهرية، ثم يُستدعى فجأة في لحظة تقديم “الحصيلة”، فهذا لا يرقى إلى تعزيز المؤسسات، بل يقترب أكثر من استعمالها لتأطير خروج سياسي من الولاية بأقل قدر من الخسائر.
والمشكلة الأعمق أن هذا السلوك لا يخص أخنوش وحده، بل يكشف مرة أخرى طبيعة المأزق الذي دخلته السياسة عندنا.
فبدل أن تكون الولاية الانتخابية عقدا كاملا مع المواطنين، صارت قابلة للتبديد التدريجي كلما اقترب موعد الاستحقاق.
وبدل أن يكون آخر جزء من الولاية فرصة لاستدراك ما أمكن، صار عندنا أشبه بفترة انتقالية غير معلنة، تتهيأ فيها الأحزاب للتموقع والتنافس في سوق الانتقالات، وتبرد فيها الإدارة، ويُطلب من المجتمع أن يتفهم أن المغرب دخل عمليا في المنطقة المعلّقة بين حكومة لم تنته قانونا، لكنها انتهت سياسيا، وانتخابات لم تبدأ رسميا، لكنها بدأت فعليا.
الحقيقة أن المواطن لا يحتاج إلى من يخبره بأن الحكومة أنجزت أو صمدت أو تشجعت. هو يقيس ذلك من خلال ما يراه في السوق، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي فاتورة الماء والكهرباء، وفي فرصة الشغل التي لم تأت، وفي الخدمة التي تأخرت، وفي الإحساس العام بأن الدولة منشغلة أكثر بتدبير انتقالاتها الانتخابية من انشغالها بتحسين معيش الناس إلى آخر يوم من الولاية.
وإذا كان أخنوش قد اختار أن ينهي ولايته سياسيا قبل أن تنتهي دستوريا، فإن السؤال يصبح من سيعوض المواطنين عن أشهر كاملة كان يفترض أن تكون لهم، فإذا بها تُمنح، مجانا، للحملة المبكّرة؟