story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الاختيار الديمقراطي بين التمديد والتجديد

تفاعلاً مع ملحوظة للدكتور عبد الله الجباري
ص ص

​قرأت مقالاً مفيداً للصديق العزيز الدكتور عبد الله الجباري تفاعل فيه مع ما دار من نقاش أعقب مخرجات عملية انتخاب القيادة في كل من الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، التي أسفرت عن إعادة انتخاب الدكتور عبد الواحد المتوكل على رأس الهيئة لعهدة جديدة، وانتخاب رئيس جديد لحركة التوحيد والإصلاح في جمعها العام الثامن، الذي اختار لأول مرة عدم تمديد الرئيس المنتهية ولايته لعهدة ثانية وانتخاب رئيس جديد شاب هو الدكتور محمد البراهمي.

​وإذ أتشاطر مع الدكتور عبد الله رفضه اختزال الديمقراطية في التجديد القيادي، واعتبار كل تمديد منافياً للديمقراطية طالما أن العملية تمت ضمن مشروعية القوانين الانتخابية الجاري بها العمل فانني ارى انه من الاجدى ان نعيد تأطير النقاش بربط الممارسات بالمرجعياتها والنتائج بالاختيارات ؛

​فبطبيعة الحال، فإن التجديد والتمديد -عندما تسكت القوانين الانتخابية عن ذلك- لا يطرح سؤال الديمقراطية ولا سؤال المشروعية وجوداً وعدماً، ولكنه بلا شك لا يخلو من استفهامات ذات راهنية مرتبطة بقضايا لها نسب بالاختيار الديمقراطي؛ من قبيل: التعاقب، والتداول، والتجديد، والتشبيب، والتغيير، وهي أسئلة مرتبطة أساساً بالملاءمة أكثر من أي شيء آخر.

​وفي سياق العدل والإحسان والهيئات التي في حكمها، قد يكون الأنسب هو خيار التراكم والخبرة على ما سواهما كلما كان هناك استمرار في الخيارات المنتهجة، ومتى كان الرهان هو التحصين والصمود والثبات. كما أن التجديد والتشبيب غير المتمفصل مع إرادة تغيير في التوجهات والاختيارات القائمة، ولا ينبع من حاجة آنية الداخلية، ليس سوى تغليب للشكل على الجوهر وللوسيلة على الغاية، وغالباً ما يكون لغرض الاستهلاك الخارجي.

​وفي كل الأحوال، فإن العبرة بالتعبير عن الإرادة العامة وتحررها من جميع التأثيرات المسبقة أو الضغوط من الخارج، سواء كانت من الفوق أو من التحت.

​ومن هنا، فإن التشبيب والتجديد المقصود منه التنخيب يمكن أن يتأتى بمسالك متنوعة؛ منها: إسناد المسؤوليات الانتخابية أو التقنية للشباب للنهوض بمهام التجديد والاجتهاد، وإتاحة الفرصة لهم في مواقع التنفيذ القيادي، وفي مجالات للتجديد القيادي في مواقع الابتكار والإبداع والاجتهاد والبحث والإعلام وغيرها.
​أما بالنسبة للتوحيد والإصلاح، وبصرف النظر عن الفوارق المانعة من المقارنة المعتبرة، فإن ما ذهب إليه الدكتور عبد الله -وإن ظهر متماسكاً في منطقه- إلا أنه مفتقر للمعلومة الكاملة التي أسس عليها حجاجه، ومنها المفارقة بين نتيجة التصويت على الأداء والتصويت على المسؤول، وسؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة مكافأة أو معاتبة إذا لم يصح مفهوم المعاقبة.

​وهذه المعلومة التي غابت عن الدكتور عبد الله هي نتيجة التصويت في الدور الأول لانتخاب الرئيس.

​وهي النتيجة التي تطابق فيها التصويت على التقرير مع ترشيح المسؤول الأول عنه وتبوئه الصدارة بفارق معتبر وبنسبة تتجاوز 80 في المائة.

​وفي ضوء هذه النتيجة، سيكون من المشروع التساؤل عما جرى حتى تم اختيار الرئيس من المرشَّح رابعاً.

​والجواب هو في حقيقة النموذج الديمقراطي الذي اختارته الحركة، وهو نموذج الديمقراطية التداولية المقابلة للديمقراطية العددية، وهي ديمقراطية تدمج ملحوظات الحركة عن فلسفة وقيم الديمقراطية وتسعى إلى معالجة آفاتها.
​ومن الآفات التي سجلتها الحركة على الديمقراطية الغربية، هي أنها تكتفي بعدّ الناس دون أن تزنهم، وتفسح المجال للأقوى وليس للأصلح، ولا يضيرها أن يصل من يستطيع أن يتلاعب بالعقول لاستمالة الأصوات إذا لم يترك أثراً يدينه في مسرح الجريمة.

​وكانت إضافة الحركة المستلهمة من منظورها للاختيار الشوري، الذي يسعى إلى التأسيس الأخلاقي للديمقراطية، ويجمع بين الكم والكيف في الديمقراطية، ويضبط الآليات الديمقراطية بالوازع الأخلاقي والضمير القيمي؛ فيؤثم التجاوزات ويرقى بالتدليس والتلاعب إلى مصاف الذنوب والمحرمات.

​وكان من الإضافات النوعية التي تجمع بين عد الأصوات ووزنها في توليفة مبدعة، هو إضافة التداول المستلهم من الجرح والتعديل الذي به تم تمحيص وتصحيح الأحاديث النبوية الشريفة.

​والتداول الذي يتم في حضور المعنيين به من المرشحين هو تفسيح المجال لنقاش يقيم المرشحين من جهة الأكثر توفراً على معايير الكفاءات والقدرات المتصلة بالمنصب والمهمة، دونما شخصنة ولا تجريح، وبلا دعاية ولا تمجيد.

​وهذا هو عنصر الوزن وعنصر التقييم الكيفي بعد أن تكون نتيجة الترشيح الأول قد تمت على أساس عددي وكمي، تستحضر فيه المعايير الخارجية من جهة القدرات الخطابية والميدانية والعملية.

​أما التقييم الكيفي فينصبّ على ما لا يظهر للعموم من قدرات وكفاءات خاصة؛ كقدرات اللين والـتأليف، والقدرة على الإنصات والتفويض والتشاور والحوار وغيرها.

​ويكون المؤثر الحاسم هو تقييم من هم أكثر معرفة واتصالاً بالمعني بالأمر.

​وهي عملية محكومة هي الأخرى بضوابط الشرع ونصوص أداء الأمانة؛ قال تعالى في سورة النساء (الآية 58): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾، والقيام بالشهادة لله؛ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، وقال أيضاً: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 283]، وأداء النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

​من هنا يمكن أن نفهم سر المفارقة بين تزكية حصيلة القيادة السابقة تحت مسؤولية رئيس الحركة السابق الدكتور أوس رمال، وبين عدم تجديد انتخابه لتغيير المصوتين لقناعتهم في ضوء ما استقر في ضمائرهم بناء على التداول.
​ومن هنا أيضاً يمكن فهم استمرار نفس الطاقم القيادي المسؤول عن الحصيلة التي جرت تزكيتها، مع تغيير طفيف في موقع الرئيس وخلفه إلى جانب مستلزمات التغيير الهيكلي المصاحب لتحيين المخطط.

​والخلاصة أنه لا مفاضلة بين التمديد والتجديد في سياق التجارب المتباينة والرهانات المختلفة.

​فلا التمديد سلبي لذاته، ولا التجديد إيجابي في ذاته، وإنما العبرة بالأثر الذي تحدثه الخيارات عندما تكون نابعة من إرادة حرة ومستقلة وقادرة على الإنجاز، والله أعلم.