عن الشعب والقنابل
نشر موقع الـ CNN في 15 أكتوبر الجاري تهديدًا صادرًا عن الرئيس ترامب يفيد بإمكانية استخدام الولايات المتحدة قنبلة “أمّ القنابل” (GBU-43/B) ضد إيران. وهي أكبر قنبلة غير نووية في الترسانة العسكرية الأمريكية، إذ تحتوي على 8500 كيلوغرام من المتفجرات شديدة الانفجار، ويبلغ وزنها 9800 كيلوغرام، أي قرابة 10 أطنان.
تقومُ السردية التي تستند عليها الولايات المتحدة وإسرائيل – منذ شنّهما حربهما العدوانية على إيران – على فكرة أنَّ “الشعب الإيراني يطالب بهذه الحرب ويؤيّد الهجمات”. وهو ادعاء لا أساس له من الصحة. لم يُعبّر الشعب الإيراني عن مطلب كهذا، على امتداد مختلف مكوّناته وفئاته وأطيافه، إذ يتألّفُ من عدّة أقوام ومذاهب ويزخرُ باختلاف اللغات واللهجات، بالإضافة إلى تنوّع الطبقات الاجتماعية.
تُفضي “أم القنابل”، التي لوّح ترامب باستخدامها ضد إيران، بإحداث “دمار هائل في نطاق نصف قطره كيلومتر واحد فوق الأرض”، لكنّها لا تستطيع الوصول أو تدمير أكثر من 60 مترًا تحت الأرض. ومن هنا نستنتج أنَّ عمقها المحدود لن يستطيع الوصول إلى التجهيزات النووية المخبأة في أعماق الأرض. فما هو هدف استخدام هذه القنبلة؟ إنّه الدمار واستهداف المدنيين.
لقد شاهدنا الدمار الذي لحق بالمنشئات المدنية الإيرانية بفعل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، فقد تدمير 339 منشأة طبيّة (حوالي 226 مركزًا صحيًا و25 مصنعًا للأدوية والمعدات الطبيّة، بالإضافة إلى إخلاء 9 مستشفيات كبرى بالكامل بفعل الأضرار الناتجة عن القصف الوحشي)، فضلًا عن تدمير المراكز الثقافية والجامعات والمكتبات والمدارس، كما حدث في مدرسة الشجرة الطيّبة الابتدائية في مدينة ميناب، حيث قام الطيران العسكري الأمريكي بقتل 150 شخصًا، من بينهم 120 تلميذة.
وفي هذا السياق المفعوم بالتصعيد والوحشية وارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية يجدرُ بنا العودة إلى التاريخ لاستحضار الكيفية التي دبّرت بها بعض الدول الغربية، أبرزها بريطانيا والولايات المتحدة، الانقلاب العسكري ضدّ رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمّد مصدّق في عام 1953. ويجدرُ بنا أيضًا أن نتذكّر كيف برّر المسؤولون الغربيون موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي بسبب التجويع والعقوبات. فقد اعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت أنَّ مقتل هؤلاء الأطفال الأبرياء “ثمنٌ مُستحق”.
إنَّ هذه الوحشية الكامنة في بعض السياسيين والقادة لم تعد تخفى على أحد. فقد رأى العالم بأسره كيف تمَّ قتل آلاف الأطفال في غزّة على المباشر (قتلت إسرائيل أزيد من 21 ألفًا و638 طفلًا خلال حرب الإبادة حتى يونيو 2026، بنسبة تقارب 30% من إجمالي الضحايا)، وسمعنا أيضًا صرخاتهم نتيجة الجوع والألم الناتج عن الجروح الغائرة وبتر الأطراف والفقد. وشاهدنا أيضًا معاناة الشعب الكوبي من العقوبات الصادرة عن الحكومات الغربية.
يُكابدُ الشعب الإيراني صعوبات عديدة تُثقل كاهله، بينها التفاوتات الطبقية، الفقر، الفساد وفقدان الحريّات المدنية. لكنَّ القنابل ليست سبيلًا إلى حلّ هذه المشاكل. وإلّا فربما سيتم حلّها عن طريق هلاك الشعب! وهو “حلٌ” ليس بجديد، إذ تمَّ اعتماده في حرب فيتنام عندما صرّح ضابط في الجيش الأمريكي قائلًا: “أصبح من الضروري تدمير المدينة لإنقاذها”.
- كاوه باوري (Kaveh Boveiri)
- أستاذ العلوم السياسية بجامعة كيبيك في مونتريال