قُبلة حياة للبرلمان
أُعجبت بأول مرور برلماني لرئيسة الحكومة الجديدة فاطمة الزهراء المنصوري. كانت شرسةً بما يكفي لتبليغ “من يهمّهم الأمر” بأنها لن تكون لقمة سائغة في فم معارضة العدالة والتنمية أساساً.
عَمِلت بقاعدة شديدة البساطة وفعّالة أغلب الوقت: “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم”. هاجمت دفاعاً عن منصبها وحكومتها، ولترسيم “قواعد اشتباك” سياسي داخل البرلمان وخارجه.
ما جرى خلال الولاية السابقة كان عبثاً على طول الخط. لم يعد بالإمكان الاستمرار في إفراغ مؤسسات التمثيل الشعبي من مضمونها السياسي. المعادلة واضحة: سياسةٌ أقل داخل مؤسسات التمثيل قد تعني شارعاً يضجّ بالسياسة والاحتجاج. فإذا لم يجد المواطنون من ينقل صوتهم، سيضطرون للصراخ. بهذا تكون السياسة في البرلمان، مثلا، مصلحةَ دولة. وعلى هذا الأساس يكون تحرير السياسة ضمانةَ استقرار.
قدّمت المنصوري عرضاً افتتاحياً جديرا بحكومة سياسية، وعقّب النواب كما يليق ببرلمان سياسي. هيمنت المشهدية من داخل البرلمان على شبكات التواصل الاجتماعي طيلة ساعات. كانت أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب عفويةً، وكلامها يثير الإعجاب بلكنة مراكشية معتدّة بنفسها ولا تشعر بالنقص بإزاء الهمزات والتاء والطاء، و”هاد الشي اللي عطا الله”.
فاجأت باندفاعها الخطابي إلى حدّ “اتهامها” من نواب في العدالة والتنمية بإنتاج خطاب “معارضة المعارضة”، وبالتحدث بلسان منسقة حزب الأصالة والمعاصرة أكثر من حديثها بصفتها رئيسة حكومة.
المنصوري تعرف أن أي انكفاء أمام البيجيدي سيعني استباحة الحكومة وتحويل البرلمان إلى منصة محاكمة مفتوحة طيلة خمس سنوات. وأسوأ ما يمكن أن يقع هو تُحشَر من فريق العدالة والتنمية، منذ البداية، في الزاوية. استعدادها للانخراط في وضعيات سِجالية يعني رفضها هذا الخيار، وعدم الاستعداد لتلقي الضربات دون رد.
طيلة أيام تقديم البرنامج الحكومي شاهدنا برلماناً بصخب السياسة وانفعالاتها وحماوتها. كانت الحدود السياسية بين الفرق النيابية واضحة، والاصطفافات معقولة، ولم تتجاوز اللغةُ الحدّ. وحتى فلتات اللسان، من مثل حديث رئيس فريق الأصالة والمعاصرة هشام صابري عن “وزارة الصيكان”، فممّا يُعجبنا نحن قبيلة الصحافيين، لأنه يدخل ضمن “فرجوية محبَّبة”، وقد يثير اهتمام الباحثين في علم النفس السياسي. وهذا شأن آخر لا يهمنا في هذه المقالة.
إذا بقيت الأمور عند هذا الحد من السجال السياسي داخل البرلمان، دون انزلاق إلى حالات من الانفلات الخطابي غير المنضبط، سنكون مَوعودين بولاية برلمانية “تَجُبُّ ما قبلها”.
حيوية البرلمان مصلحة للحكومة، لأن توطين النقاش داخله من شأنه تأمين كشف مبكِّر عن الثغرات في السياسيات العمومية، بما يعجّل الاستدراك. الحكومة القوية والواثقة يُفترض أن تعتبر المعارضة القوية والمسؤولة مطلباً. الأمر بديهي: “اللي تيحسب بوحدو تيشيط ليه”. بين يدي مرحلة “الفرصة التي قد لا تتكرر” يكون معقولا استدعاء كل ممكنات النجاح لعدم تفويت الفرصة. ولا يقول عاقل في كل الديمقراطيات إن المعارضات الوطنية عبءٌ على الحكومات. وحدهم السلطويون يرون تهديدا في كل صيحة.
المعارضة القوية تختبر صمود برامج الحكومة. المعارضة البرلمانية المسؤولة، بهذا المعنى، وفي حالة المغرب، خدمةٌ للحكم والحكومة. إن تعطيل مستشعرات الخطر يهدّد النظام السياسي.
لا غاية من مزيد تصويب على حكومة أخنوش الراحلة، لكن وجب استخلاص درس مهم لتطوّر النظام السياسي: قتل السياسة يجعل الحكومات وكل سلطة في حالة انفلات وخارج كل رقابة، حين يصير التمثيل الشعبي بلا معنى، وممثلو الأمة قنّاصة مصالح.
يحتاج المغرب جرعات من السياسة لإرجاع الثقة للمواطنين. نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة المتدنية تؤشّر إلى عطب. حياة برلمانية وسياسية سويّة من شأنها الإقناع بجدوى التصويت، وبجدوى المؤسسات.
لا يوجد خلاف حاد يُنتِج انقساما مجتمعيا على شرعية النظام السياسي، وفي قلبه المؤسسة الملكية. كما لا خلاف على وحدة الدولة الترابية وسيادتها. وأيضا، لا انقساما بشأن هوية البلد، ولا حول مقومات اجتماع الشعب المغربي. لذا، لا أجد مبررا لمزيد من تعطيل السياسة.
الديمقراطيات تُبنى بالتراكم، بالخطأ والتصويب. قوة الديمقراطية أنها للديمقراطيين، ولـ”غير الديمقراطيين”، ومتوهِّمٌ من يريد أن يبدأ الطريق من التشكّل الكامل للحالة الديمقراطية. التحجّج بأن الشعب لا يُحسِن التصرف في الديمقراطية، لتأبيد الوصاية على قراره، بالهندسات القبلية والبعدية للحظة الانتخابية، خطأ سياسي ضد الأمة. يجب التعامل مع قضية تحرير السياسة باعتبارها “فرصة قد لا تتكرر”، وغير قابلة للتأجيل. وأيضا، وفي خضم كل النقاش عن “الدولة الاجتماعية”، نعيد التشديد على أنه لا تنمية بدون ديمقراطية.
قصارى القول
“قُبلة الحياة” إجراء إسعافي عبر دفع الهواء من فم المسعف إلى فم من يوجد في وضعية خطر. “أوكسجين السياسة” حيوي لقلب النظام السياسي ودماغه، وكل أعضائه الحيوية. مجال استنشاقه هو المشهد السياسي والأحزاب ومؤسسات التمثيل.
وإنْ كانت قبلة الحياة إجراءً إسعافيا، فإن الوضع الطبيعي أن يستنشق البلد أوكسجين السياسة بشكل طبيعي، دون حاجة للإجراءات الإنقاذية التي تعني وجود حالة خطر، والتي لا يمكن باستمرار ضمان نجاعتها.
النجاعة في الاقتناع برفع اليد عن السياسة، وتدعيم الحزبية كخيار معقول وذي جدوى في بلد يضع “الخيار الديمقراطي” ضمن ثوابته. ولا ديمقراطية تقوم دون سياسة، كما لا سياسة بدون حياة حزبية طبيعية.
مرحى بـ”قبلة حياة” للبرلمان.