story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

“أنا محامية محنكة”.. تفاصيل جدل مصادقة الحكومة على مالية 2027 قبل التنصيب (فيديو)

ص ص

“ماتنساش آ سي الأزمي أنني محامية مُحنَّكة في القانون الدستوري”.. بهذه العبارة ردت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، على انتقادات رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، إدريس الإدريسي الأزمي، معتبرة أن مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون المالية، قبل التنصيب البرلماني، لا تخالف الفصل 88 من الدستور ومقتضيات المادتين 37 و38 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة.

واشتعل النقاش مجددا حول أحقية الحكومة التي لم تنل الثقة البرلمانية في المصادقة على مشروع مالية السنة المقبلة، بعدما وجه الأزمي نقدا لاذعا إلى الحكومة، في الجلسة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، يوم أمس الخميس 22 أكتوبر 2026، مشددا على أن الحكومة خرقت الدستور والقانون التنظيمي المذكور.

وقال الأزمي، وهو وزير منتدب سابق للميزانية، إن الحكومة “ماكان لها أن تجتمع وتصادق على مشروع قانون المالية قبل التنصيب البرلماني”، داعيا فاطمة الزهراء المنصوري إلى أخذ توضيح من الأمين العام للحكومة، حسن طارق، في هذا الموضوع.

هذا النقد دفع فاطمة الزهراء المنصوري إلى الرد بعدما اعتلت منصة مجلس النواب، قائلة إن “من حق مجلس الحكومة أن تصادق على المشروع، بمجرد تعيينها، وتضعه لدى مكتب مجلس النواب”، معتبرة أن “الحكومة ممنوعة فقط من مناقشة المشروع بالبرلمان قبل تنصيبها”، وفق رأيها.

“محامية محنكة”..

وفي هذا الإطار، خاطبت الأزمي بالقول: “لا تنس آ سي الأزمي أني محامية محنكة في القانون الدستوري”، تحت تصفيق عدد من النواب المنتمين للأغلبية.

وفي قلب هذا النقاش الدستوري والقانوني، نعود إلى التفاصيل الكاملة المرتبطة بمشروع قانون المالية وآجال تقديمه إلى مكتب مجلس النواب، وحدود الصلاحيات التي يحق للحكومة ممارستها قبل التنصيب البرلماني.

بداية القصة..

تبدأ القصة المرتبطة بموضوع مشروع قانون المالية في منتصف شهر يوليوز من كل سنة؛ إذ يقوم الوزير الوصي بإعداد عرض حول تقدم تنفيذ ميزانية السنة الجارية، والإطار العام لمشروع قانون المالية المقبل والبرمجة الميزانياتية للسنوات الثلاث المقبلة، وفق مقتضيات المادة 47 من القانون التنظيمي للمالية.

وخلال شهر غشت، يصدر رئيس الحكومة مذكرة توجيهية للوزراء والمسؤولين المعنيين، تتضمن الأولويات الحكومية للمرحلة المقبلة.

وفي شهر أكتوبر من كل سنة، تعد الحكومة مشروع قانون المالية، ويتم التداول فيه في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك للمصادقة على التوجهات العامة، ثم في المجلس الحكومي برئاسة رئيس الحكومة، قبل أن يتم إيداعه لدى مكتب مجلس النواب قبل 20 أكتوبر، وفق مقتضيات المادة 48 من القانون المذكور.

الانتخابات والوقت..

وبخصوص مالية السنة الحالية، فإن مساطر إعدادها تزامنت مع الاستعداد للانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 23 شتنبر 2026، ثم مع المشاورات الحزبية وتشكيل الحكومة الجديدة في 16 أكتوبر الجاري، وهو ما وضع أغلبية المنصوري أمام إشكال قانوني يتمثل في الالتزام بالأجل المحدد في 20 أكتوبر لإيداع مشروع قانون المالية لدى مجلس النواب، وضرورة احترام الشرعية السياسية من خلال نيل ثقة البرلمان قبل ممارسة صلاحياتها كاملة.

وفي هذا الصدد، يحدد الفصل 88 من الدستور مسطرة تنصيب الحكومة؛ إذ ينص على أن رئيس الحكومة يعرض أمام مجلسي البرلمان مجتمعين البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويكون موضوع مناقشة أمام المجلسين، يعقبها تصويت بمجلس النواب.

ولا تعتبر الحكومة منصبة، وفق أسمى تشريع قانوني في المغرب، إلا بعد حصولها على ثقة المجلس، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.

صلاحيات محدودة..

وقبل نيل الحكومة ثقة مجلس النواب وتنصيبها، تكون في حكم “حكومة تصريف الأعمال الجارية”، وقد حددت المادة 38 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغالها حدود صلاحياتها.

ووفق هذه المادة، فإن الحكومة التي لم يتم تنصيبها بعد تقوم بإعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية الدولة، إضافة إلى اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها، وضمان انتظام سير المرافق العمومية.

وتمنع المادة 37 من القانون التنظيمي المذكور “حكومة تصريف الأعمال الجارية” من المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية، وكذا التعيين في المناصب العليا.

وبناء على مقتضيات الفصل 88 من الدستور، ثم المادتين 37 و38 من القانون التنظيمي، يعتبر البعض أن الحكومة التي لم تنل الثقة البرلمانية لا يحق لها المصادقة على مشروع قانون المالية وإحالته على مكتب مجلس النواب.

نقاش دستوري..

في هذا الإطار، قال رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن “اتهام رئيسة الحكومة بخرق الدستور بسبب تقديم مشروع قانون المالية قبل حصول حكومتها على ثقة البرلمان يقوم على قراءة ضيقة للنصوص الدستورية، دون مراعاة العلاقة بين مختلف أحكامها”.

واعتبر لزرق، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “الفصل 88 من الدستور يشترط نيل الثقة البرلمانية لتنصيب الحكومة، لكنه لا يلغي وجودها القانوني الذي يبدأ بالتعيين الملكي وفق الفصل 47”.

وأضاف الأستاذ الباحث أن “القانون يحدد آجالا ملزمة لتقديم مشروع قانون المالية، ولا يمكن تجاهل هذه الآجال لما لها من أهمية في ضمان السير العادي لمؤسسات الدولة واستمرار تدبير شؤونها المالية”.

ومن جانبه، اعتبر رشيد كديرة، أستاذ القانون العام بجامعة ابن زهر بأكادير، أن الفصل 88 من الدستور يجعل حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب شرطا لاعتبارها “منصبة”، لكنه لا يحدد ما يجوز للحكومة المعينة وما لا يجوز لها قبل ذلك.

وأضاف كديرة، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “الفصل الدستوري يضع الشرط، أما القيود الفعلية على الحكومة قبل التنصيب فمصدرها القانون التنظيمي 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة”.

وأوضح الأستاذ الباحث في القانون الدستوري أن الفقرة الأخيرة من المادة 37 تُخرج من “الأمور الجارية” التدابير التي من شأنها أن تلزم الحكومة بصفة دائمة ومستمرة، ومن أمثلتها المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا.

وأبرز في هذا الصدد أنه، وفق القراءة الحرفية للنص، فإن “المصادقة على مشروع قانون المالية ليست من الأمور الجارية، وتحتاج إلى مسوغ آخر”.

المجلس الدستوري..

وانتقل الأستاذ الباحث رشيد كديرة إلى استحضار قرار سابق للمجلس الدستوري (المحكمة الدستورية حاليا)، موضحا أن “المجلس صرح بأن الفقرة الثانية من المادة 37 لا تخالف الدستور، مع مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها”.

وأضاف كديرة أن “هناك ملاحظتين؛ الأولى هي أن التحفظ يذكر «التدابير التشريعية» صراحة، ومشروع قانون المالية تدبير تشريعي بطبيعته. والثانية أن التحفظ ورد على المادة 37، التي تخص الحكومة المنتهية مهامها، ولم يرد على المادة 38 الخاصة بالحكومة المعينة قبل تنصيبها، والمجلس لم يبد بشأنها أي ملاحظة”.

وفي هذا الصدد، قال الأستاذ الباحث إن “قراءتي هي أن المصادقة تجد سندها في حالة الضرورة، لأن الأجل المالي يمس استمرارية الدولة، ولأن تحفظ المجلس الدستوري يذكر التدابير التشريعية صراحة”، مردفا: “لذلك لا أرى فيما جرى خرقا، وإنما منطقة رمادية بين نصين لم يصمما ليلتقيا: قانون تنظيمي للمالية يحسب زمنه بالسنة المالية، وفصل دستوري يحسب زمن الحكومة بالثقة البرلمانية”.

التصحيح اللاحق..

وفي السياق ذاته، أبرز كديرة أنه “في كل الأحوال، فإن الوضع يصحح لاحقا بالتنصيب”، موضحا أنه “حينما نالت الحكومة الثقة، تدافع عن المشروع أمام البرلمان، وبهذا تكون قد تبنته تبنيا كاملا، وصارت مسؤولة عنه مسؤولية تامة”.

ولفت الانتباه إلى أن الدرس الذي يجب استخلاصه هنا يرتبط بتزاحم المواعيد، قائلا: “لا يُعقل أن يتكرر هذا النقاش بعد كل انتخابات تشريعية”.

واقترح الباحث الأكاديمي أن هذا الإشكال يمكن حله بإحدى صيغتين؛ الأولى تتمثل في “تعديل القانون التنظيمي لقانون المالية، بحيث يُؤجل أجل الإيداع في السنة الانتخابية إلى ما بعد التنصيب، مع آلية مؤقتة تضمن استمرار المرافق إن تأخر التصويت”.

أما الثانية، حسب المتحدث، فتتمثل في “التنصيص صراحة، في القانون التنظيمي المتعلق بالحكومة، على أن مشروع قانون المالية يدخل ضمن التدابير التشريعية التي تستلزمها الضرورة”، معتبرا أن بهذا “سيتحول ما هو اليوم اجتهاد في التأويل إلى قاعدة واضحة”.

استنتاج متسرع..

وفي السياق ذاته، أشار رشيد لزرق إلى أن “تقديم مشروع قانون المالية لا يعني المصادقة النهائية عليه، لأن البرلمان يحتفظ بكامل صلاحياته في مناقشته وتعديله والتصويت عليه”، موردا أن “اعتبار مجرد تقديم المشروع اعتداء على الدستور هو استنتاج متسرع لا يقوم على أساس قانوني حاسم”.

وبخصوص الاستناد إلى مقتضيات المادة 38 المذكورة أعلاه، قال لزرق إن “الأمر يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق”، مبرزا أن “هذه المادة تحدد بالفعل صلاحيات الحكومة قبل تنصيبها، لكنها لا تعفي من ضرورة النظر في طبيعة الإجراء والظروف التي فرضته، خاصة عندما يتعلق الأمر باحترام الآجال القانونية وضمان استمرارية المؤسسات”.

وأكد الأستاذ المتخصص في القانون الدستوري ضرورة “التمييز بين تقديم مشروع قانون المالية إلى البرلمان وبين مصادقة المجلس الحكومي عليه قبل التنصيب، لأن لكل إجراء أحكامه القانونية الخاصة”.

وختم بالقول: “لا يصح الجزم بوجود اعتداء على الدستور دون دراسة جميع النصوص ذات الصلة، لأن التفسير السليم للدستور يقوم على التوفيق بين أحكامه، لا على قراءة كل فصل بمعزل عن غيره”.