“الأضاحي” في زمن الانتخابات.. الأحزاب والمسألة الزراعية
أحزاب سياسية تريد الركوب على غلاء أسعار الأضاحي، ترى فيه ورقة انتخابية صالحة للاستعمال، لكنها لا تطرح سؤال المسألة الزراعية بوضوح، وكما ينبغي أن يُطرَح.. تقدم الخطاب قبل البرنامج، المعارضة قبل الوعي بالأسباب العميقة لما تعارضه.. لا حديث إلا عن “الفراقشية” وكأن هؤلاء نتاج أنفسهم، وكأننا إزاء مسألة أخلاقية كل ما تحتاجه هو إصلاح الأنفس فقط. في خضم هذا “النقاش الانتخابي” الساخن، نفضل طرح هذا الموضوع بكيفية أخرى تحاول الإجابة على سؤال: ما سبب مشكلتنا الفلاحية؟
عندما يفتح المرء كتابا عن تاريخ الزراعة الرومانية بشمال إفريقيا، زراعة الأهالي خاضعين لبطش الرومان (عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ص 64)، لا يكاد يجد فرقا بين ماضٍ وخاضر، لولا الأساليب الحديثة التي أدخِلت على الزراعة المغربية، ولولا التوسع في أنواع المزروعات، والانتقال من نموذج البطش الروماني إلى نموذج التصدير الذاتي.. لكن: هل أدخلنا على هذه الأساليب المنطق الحديث؟ هل استطعنا دمج الزراعة في منظومة موحّدة تشمل كافة مكونات السلسلة الاقتصادية المغربية، بما يعنيه ذلك من تحديث وتنظيم وفق استراتيجية محكمة؟
هذا نقاش “قديم”، عرفه المغرب منذ ستينيات القرن الماضي، لكنه ما زال يتجدد إلى اليوم بعيدا عن جلبة الأحزاب السياسية، وعلى هامش النماذج الزراعية المجرَّبة.. يتناول هذا النقاش مجموعة مسائل هي: المِلكية الزراعية، والنموذج الزراعي، وربط الزراعة بالصناعة، ثم إعداد استراتيجية تجارية تسويقية داخليا وخارجيا.. ما حظنا من هذا النسق في الإصلاح الزراعي؟ هذا ما ينبغي أن تطرحه الأحزاب السياسية استراتيجيا قبل أن تنتقل إلى التكتيك، لكنها على ما يبدو تفضل التصعيد في التعقيب على السياسات الحكومية كلما اقتربت الانتخابات، بحق وبغير حق.. وهذا ديدنها مع كافة التجارب الحكومية.
هذا قدر لا تريد الأحزاب الخروج منه، أو لعلها ترى فيه مفرا من نقاش أكبر من قدرتها على الوعي والاقتراح، على العمل والممارسة.. لعلها ترى وظيفتها الأساسية في التعقيب على السياسات العمومية، دون اهتمام بالإطار العام الذي تُقرَّر وتمارَس فيه.. ولكن: هل يحقق المطلوبَ تعقيبٌ يتكرر ولا يفتأ يعيد إنتاج نقيض النتائج النهائية فحسب، إنتاجا سياسيا وإعلاميا لا واقعيا، لا اقتصاديا ولا اجتماعيا؟! هل ينفع المغاربة اعتراض لا يطرح أسئلة التحديث الزراعي، ومواكبة التحولات والمستجدات المناخية والطبيعية، وتدبير “التقسيم الدولي للزراعة”، وربط الزراعة بالصناعة؟!
قد يقول قائل: وما علاقة القطيع بالزراعة؟ والجواب أن مسألة القطيع مسألة زراعية بالأساس، مرتبطة بإنتاج الأعلاف، وتدبير المياه والموارد الطبيعية، كذا بدورة الاستثمار الزراعي لدى عدد كبير من المستثمرين في القطاع. وكلما عرفت الزراعة أزمة إلا وانعكست هذه الأزمة على قطاع تربية المواشي، على جودتها وكميتها وأسعارها الخ. وبالتالي، فإن الكبش الذي يعرضه صاحبه في السوق، أو ذلك الذي يعرضه في فضاءات خاصة، مرتبط ارتباطا وثيقا بأول سؤال في المسألة الزراعية وهو: بأي كيفية يتم توزيع مِلكية الأرض الزراعية، وهذه مرتبطة بالمِلكية العقارية عموما؟
هو إذن نموذج عام للتفكير في المسألة الزراعية، بحيث لا يتحقق أي إصلاح زراعي إلا بمساءلة الواقع الزراعي وما يتعلق به. فإذا اكتفى الفاعل السياسي بما دون ذلك، فإما ممارس للبوليميك السياسي، وإما مكتفٍ بإصلاحات مؤقتة قد ترفع بعض الضرر دون أن تناقش أسبابه الأعمق، فضلا عن وضع برامج للخروج من واقعها الاقتصادي-الاجتماعي. ربما هناك واقع أكثر أمنا من آخر، أقل ضررا منه. لعل الدولة تكون في حاجة -في بعض فتراتها- إلى كبح لجماح العملية الرأسمالية، فيكون خطاب بعض الأحزاب المعارضة بمثابة انعكاس لهذا الغرض. هذا نقاش معتبر، لكنه لا يغني عن نقاش المسألة في جوهرها الاستراتيجي، ذلك المتعلق أساسا بمبلغنا من التحديث الاقتصادي.
يبدو أننا لسنا مؤهلين بعدُ لخوض غمار هذا النقاش، فكما يختلط في السوق “البورجوازي الزراعي” مع الفلاح الصغير، يختلط في الذهنية الاقتصادية منطق الرأسمال مع منطق المقايضة و”الاقتصاد العضوي الطبيعي”، وفي الوعي الثقافي إقبالٌ على المبادرة الاقتصادية مع تهيبٍ لما تفرضه من نظام واجتهاد مستمر.. رموزنا تحيل على حقيقتنا الاقتصادية-الاجتماعية، تكاد تكشف عن الموقع الذي نحتله في مسار التحديث الاقتصادي، من الزراعة وحتى الوسائل المبتكرة للتداول الرقمي.