تنمية “الما فالرملة”
بعد تقرير البنك الدولي الذي وضع أصبعه على عطب غياب التنافسية، وهيمنة الريع، وضعف خلق الشغل في الاقتصاد المغربي؛ يأتي صندوق النقد الدولي ليكمل الصورة من زاوية أخرى تخبرنا أننا نصرف كثيرا، ونبني كثيرا، ونوسّع البنيات، ونصبّ الكثير من الخرسانة، ونشق الطرق، ونمد السكك، ونجهز المطارات والملاعب… لكن العائد النهائي يبقى أقل بكثير من حجم ما نستهلكه من مال عمومي وما نتحمّله من ديون.
منذ بداية الألفية، قامت الفلسفة التنموية على بناء البنيات الأساسية الكبرى، وافتراض أن النمو سيتبع من تلقاء نفسه. الفلسفة التي رعاها المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه، تعتبر أن الطرق ستجلب الاستثمار، والموانئ ستجلب التصدير، والسكك ستجلب الاندماج الوطني، والمطارات ستجلب السياح، ثم ستتكفل بقية عناصر الاقتصاد بإكمال السلسلة.
شيء من هذا وقع فعلا، ولا أحد يمكنه إنكار ما راكمه المغرب في البنيات الحديثة، لاسيما ميناء طنجة المتوسط الذي يقدمه التقرير كقصة نجاح واضحة. لكن المشكلة أن هذا النجاح الجزئي تحول، مع الوقت، إلى عقيدة راسخة.
كلما ظهر تباطؤ أو عجز أو اختناق، كان الجواب هو المزيد من الأوراش، كما لو أن الاقتصاد المغربي لا يعالج اختلالاته إلا بحقن متتالية من الاستثمار العمومي المكلّف.
والحال أن صندوق النقد يقول إن البنية التحتية ساهمت فعلا في رفع الإنتاجية خلال العقدين الماضيين، بما يقارب خُمس نمو الإنتاجية منذ 2005، وإن الاتصالات ثم الموانئ كانتا أكثر القطاعات عطاء. لكنه سرعان ما يذكّر بأن هذا التقدم لم يكن متوازنا، وأن المغرب ما زال يعاني نقصا واضحا في جودة الكهرباء وشبكة نقلها وتوزيعها، وفي كثافة الطرق، وفي جودة الإنترنت وسرعته… وهو ما يعني أن سياسة الأوراش الكبرى، رغم ضخامتها، لم تنتج شبكة متماسكة ومتوازنة من المقومات الاقتصادية، بل أنتجت جزر نجاح محاصرة ببحر من الأعطاب.
أخطر ما تضمّنه التقرير يرتبط بالمستقبل، لا بالماضي. فقد أنجر محاكاة بخصوص البرنامج الاستثماري الجاري بين 2024 و2030، الذي يناهز 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام لسنة 2024، أي ما يقارب 190 مليار درهم، موزعة بين السكك الحديدية والمطارات والطرق والملاعب والبنيات الحضرية والسياحية.
والنتيجة التي خلص إليها التقرير أن هذا الإنفاق الكبير يمكن أن يرفع الناتج الداخلي الخام بحوالي 2 في المائة فقط بحلول 2030، وحوالي 3 في المائة على المدى الطويل، مقارنة بسيناريو لا يتضمّن كل هذه الاستثمارات. أي أننا أمام عائد اقتصادي محدود نسبيا، بالنظر إلى وزن الموارد التي تُعبأ من أجله.
فلماذا تعجز استثماراتنا عن خلق النمو والقيمة المضافة؟
يجيبنا التقرير بمعطيات صادمة: جزء كبير من هذا الإنفاق يتسرب إلى الخارج. فحوالي 60 في المائة من نفقات هذه المشاريع هي واردات لا ينتجها الاقتصاد المحلي، من معدات وتجهيزات وخبرات…
يعني ذلك أن المال الذي نخصصه للاستثمار العمومي يُقتطع من الميزانية، أي من ضرائبنا، أو من القروض، ثم ينتهي في جيوب “البرّاني” في صورة طلب على سلع وخدمات مستوردة. لهذا لا ينعش الاستثمار العمومي الدورة الاقتصادية الداخلية إلا جزئيا، ولا يتحول إلى طلب قوي على الصناعة الوطنية أو على نسيج إنتاجي محلي.
المعطى الثاني الذي يقدّمه التقرير هو مزاحمة الاستثمار العمومي للقطاع الخاص. الدولة، ومؤسساتها، وجماعاتها الترابية، ومقاولاتها العمومية، تدخل السوق بوزن ثقيل كي تمول الأوراش، فترتفع كلفة التمويل، ويزداد الضغط على الموارد، وبالتالي يتراجع الاستثمار الخاص.
هذا ما يسميه التقرير ” crowding-out”، أي أن الاستثمار العمومي، بدل أن يفتح الطريق أمام الاستثمار الخاص، يزيحه أو يضغط عليه كي يخرج من السوق. والمشكل هنا أن الاقتصاد المغربي يعاني أصلا هشاشة في الاستثمار الخاص المنتج، وضعفا في المبادرة، وعطبا في التنافسية، وشكوى مزمنة من هيمنة الفاعل العمومي، ومن تشوهات السوق.
يقول الصندوق بوضوح إن ما يهمّ ليس بالضرورة “كم ننفق؟”، بل “كيف ننفق؟”. إذا تحسنت نجاعة الإنفاق العمومي بـ20 في المائة، فإن أثر النمو سيصبح أكبر بوضوح ودون زيادة إضافية في النفقات والديون.
والفضيحة التي يلمح إليها التقرير بلغة مؤدبة هي أننا لا نحتاج إلى مزيد من الاستثمار، بل نحتاج فقط إلى دولة تحوّل كل درهم عمومي يُصرف إلى قيمة مضافة.
لا يدعو التقرير إلى الكفّ عن الاستثمار، ولا إلى الانكماش، لكنه يشدّ أذن الدولة المغربية بلطف، ويهمس قائلا إن المطلوب هو التنفيذ الجيّد للمشاريع، وضبط الكلفة، وأخذ نفقات الصيانة بالحسبان مسبقا، والتحكم في ديون المؤسسات العمومية، وتصميم أشكال استغلال البنيات الأساسية بعد 2030 بالشكل الذي يضمن استدامتها ومردوديتها…
أي أن صندوق النقد الدولي يدعونا بوضوح إلى الخروج من منطق الاستعراض والبهرجة إلى منطق المردودية.
هنا تلتقي ورقة صندوق النقد مع تقرير البنك الدولي، رغم اختلاف الزاوية. البنك قال إن الاقتصاد المغربي معطوب في المنافسة، ومخنوق بالريع، وعاجز عن إنتاج ما يكفي من فرص الشغل… والصندوق يقول إن سياسة البنيات الكبرى، التي قُدمت طويلا كجواب سحري، لا تكفي، بل قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا لم تستند على نسيج اقتصادي منتج وتدبير عمومي عالي النجاعة.
لهذا تبدو تنميتنا، في كثير من لحظاتها، كمن يصبّ “الما فالرملة”. جهد كبير، وكلفة باهظة، لكن الأثر يتبدد بسرعة، لأن التربة لا تحتفظ بما يُسكب فيها.
نبني كثيرا ونحن ننظر نحو الأعلى، بينما يظل ما تحت أقدامنا هشّا، من مدرسة لا تخرّج ما يحتاجه الاقتصاد، وسوق لا تكافئ الجودة بقدر ما تكافئ القرب والامتياز، وإدارة لا تحرس القيمة العمومية، ونسيج خاص لا يجد ما يكفي من الثقة والإنصاف، ليتوسع ويستثمر ويخاطر.