story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حصيلة حكومية «Brut»

ص ص

قيل الكثير عن دوافع هذا الاستعراض المبكر للحصيلة الحكومية، وعن السر الذي جعل رئيس الحكومة يسبق نهاية الولاية ويصعد إلى البرلمان بعدّته الدعائية، قبل أن يطرق الناخبون أبواب موسم الحساب الانتخابي.

هل هو إعلان مبكر عن نهاية سياسية للحكومة؟ أم هو تمهيد لخروج مكونات الأغلبية إلى سباق “كل حزب يضرب على عرّامو”؟ أم مجرد محاولة للاستفادة من منابر البرلمان والإعلام العمومي في حملة سابقة لأوانها؟

أيا تكن النية، فقد أسدى صاحب هذا القرار خدمة ثمينة للمغاربة، حين أعاد إلى السياسة شيئا من فرجتها النبيلة، وأعاد إلى البرلمان شيئا من معناه الضائع، ثم قدّم، من حيث يدري أو لا يدري، رئيس الحكومة إلى “تصبينة” علنية “سانك سانك” على يد المعارضة، كشفت أن كثيرا من الحصيلة التي قُدِّمت الأسبوع الماضي كانت بحاجة إلى حصيلة مضادة.

الجلسة التي عقدها مجلس النواب يوم الثلاثاء 21 أبريل كانت، في فقراتها الأقوى، لحظة انفجار سياسي صغير داخل مؤسسة كبرى. عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، لم يكتف بالمعارضة من باب العادة، بل فتح السجل الحكومي كما يفتح محاسب قديم دفتر تاجر مرتبك، وبدأ من المكان الأكثر حساسية: الأرقام.

الرجل اتهم رئيس الحكومة صراحة بـ”التدليس” في نسب النمو والتشغيل، مستشهدا بآية “ويل للمطففين”، وقال إن احتساب معدل نمو بـ4.5 في المائة استدعى إضافة سنة 2021، التي تندرج ضمن ولاية حكومة سعد الدين العثماني، ذات النمو المرتفع، إلى متوسط سنوات الحكومة الحالية.

ثم انتقل بوانو إلى الرقم الأثقل في الخطاب الحكومي، أي 850 ألف منصب شغل، ليقول إن ما تقوله معطيات المندوبية السامية للتخطيط مختلف تماما، وإن الحصيلة الصافية لا تتجاوز 94 ألف منصب شغل.

ثم جاء تعقيب أخنوش نفسه ليقول، من حيث أراد الدفاع، ما كانت المعارضة تحاول انتزاعه منه. ففي رده على الفرق النيابية، لم يعد الرقم 850 ألف يقدَّم كما لو أنه صاف وحاسم ومغلق، بل جرى تفصيله إلى 684 ألف منصب شغل أُحدثت بين 2022 و2025 في القطاعات غير الفلاحية، مع توقع 233 ألفا إضافية في 2026، بينما كانت رئاسة الحكومة قد تحدثت، قبل أيام، عن إمكانية تجاوز مليون منصب شغل.

ولم يكن الاعتراف بحاجة إلى كلمة “خام” منطوقة بالفرنسية من رئيس الحكومة (brut)، أي أمام مناصب أُحدثت هنا وفُقدت هناك، وأمام تشغيل يُعرض مفصولا عن نزيف الفلاحة، ثم يقدم للمغاربة كما لو أنه رصيد صاف لا تشوبه خسارة. علما أن هذه الحكومة لم تحقق شيئا صافيا تقريبا؛ لا في التشغيل، ولا في السوق، ولا في الثقة، ولا حتى في روايتها عن نفسها.

الجلسة لم تعرِّ الحكومة بالأرقام فقط، بل عرّتها أيضا بما يشبه الخرائط الصغيرة لشبكات “التغماس” التي التصقت بأوراشها الكبرى. بووانو فجّر، من داخل القاعة، لغما ثقيلا حين أعاد فتح ملف دعم استيراد الأبقار، متحدثا عن 15 مليار موجهة للاستيراد، و500 درهم دعما مباشرا للرأس الواحد، مع 370 مستفيدا فقط، “بينهم 10 برلمانيين من الأغلبية”، مضيفا أن برلمانيا كان حاضرا في الجلسة نفسها حصل على “بون” لاستيراد 15 ألف رأس وباعه في حينه.

ولم يكتف بوانو بذلك، بل فتح ملف صفقة الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، متحدثا عن مسطرة تفاوضية بلا إشهار مسبق ولا منافسة، وعن استثناء موقّع من رئيس الحكومة، وعن 5.9 مليارات درهم استفادت منها أربع شركات محظوظة…

وكشف رئيس الفريق الحركي إدريس السنتيسي كيف قبلت الحكومة مقترحا قانونيا لفريقه حول منع السجائر للقاصرين، قبل أن تصوّت ضده فرق الأغلبية، في صورة تختصر حكومة تقول شيئا وتفعل نقيضه، وتطلب من البرلمان أن يصدق أنها تحترم التعددية.

من جانبها نبيلة منيب أخبرت أخنوش أن حكومته ضحية “سيادة التقنوقراط” نفسها، وهاجمت تداخل المال بالسلطة وغياب محاربة الإثراء غير المشروع والتهرب الضريبي وتنازع المصالح، فيما ذهبت فاطمة التامني إلى أن ما يعيشه المغرب ليس أزمة أرقام، بل “أزمة نموذج” تُدار فيه السياسات بمنطق الشركات واللوبيات لا بمنطق الحقوق، متسائلة: إذا كانت الحكومة تقول إنها أنفقت 135 مليار درهم عبر المقاصة، فلماذا ظل الغلاء هو السيد الفعلي للأسواق؟

أما الاتحادي عبد الرحيم شهيد، فقد وضع أصبعه على الجرح السياسي وتساءل: لماذا الآن؟ لماذا هذا الاستعجال في “التخلص” من حصيلة يفترض أنها مستمرة إلى آخر الولاية؟ ثم مضى أبعد من ذلك حين ذكّر بغياب رئيس الحكومة عن عدد مهم من جلسات المساءلة، وباستعمال خطاب يضيق بالرأي الآخر أكثر مما يحتمله منطق بناء ديمقراطي سليم.

مع ذلك، فإن أكثر ما يفضح هذه الحكومة ليس ما قاله خصومها فقط، بل ما قاله حلفاؤها أيضا. وزير “كبير” من داخل الأغلبية نفسها، هو الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، كان قد أقر بين جلستي عرض الحصيلة ومناقشتها، بأن رقم 850 ألف يتعلق بمناصب شغل خام، وبأن القطاع الفلاحي فقد، بسبب الجفاف، نحو 200 ألف فرصة شغل سنويا، وبأن البطالة لم تتراجع إلا بمقدار محدود، وبأن القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة تراجعت، وبأن ثقافة الجشع والمضاربة ظلت حاضرة في المحروقات والمواشي.

كان ممكنا لهذا العرض الحكومي أن يتحول إلى حملة انتخابية مريحة، لكن الذي حدث أن المعارضة، على تفاوت مستوياتها، نجحت في تحويل الجلسة إلى امتحان علني للحصيلة، وإلى لحظة تبين فيها أن ما يسمى “الإنجاز” لا يعيش في اللغة نفسها التي يعيش فيها الناس.

لم تكن الجلسة مجرد لحظة لمحاسبة حكومة، بل لحظة لمحاسبة أسلوب يبدأ بتضخيم الأرقام، ثم تزيينها، ثم تقديمها في البرلمان على أنها برهان نهائي، قبل أن يخرج من بين المقاعد من يجرّها إلى الضوء ويقول: هذه ليست حصيلة صافية، هذه “حصيلة خام”.. خام في التشغيل، وخام في النمو، وخام في الثقة، وخام في مكافحة الفساد، وخام حتى في علاقتها بالمؤسسات. والخام وفي عُرف المغاربة هو الناقص وغير المكتمل، هو ما لم ينضج، هو للي “باقي خضر”.

ويبدو أن شيئا كثيرا في هذه الولاية لم يكن صافيا أصلا. لا النية في استعمال المؤسسات، ولا الصدق في تقديم الأثر، ولا البراءة من “التغماس”، ولا حتى اللغة التي جرى بها تسويق الخيبة على أنها نجاح.