story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حكومة السوق الفاسد!

ص ص

تخبرنا أنباء السوق من الآن أن زيادات جديدة في الأسعار تنتظرنا في محطات الوقود نهاية الأسبوع الحالي، قد تكون أكبر من الزيادة السابقة التي ناهزت درهمين في اللتر الواحد.

والزيادة في أسعار هذه المواد لا تعتبر خبرا اقتصاديا محضا، بل هي فضيحة سياسية تتكرر كل مرة، بنفس السيناريو، وبنفس الفاعلين، وبنفس النتيجة التي تجعل المواطن يدفع، والشركات تربح، والدولة تشرح.

تشير أصابع المسؤولية عن هذه الزيادات نحو السياق الدولي، ومعه “قانون السوق”. لكن أي سوق هذه؟

السوق التي تتذرع بها الحكومة ليست سوى ناد مغلق. حفنة من الفاعلين الكبار، يملكون شبكات التوزيع، والقدرة على تحديد التوقيت المناسب للزيادات ومقدارها، ويملكون، قبل ذلك كله، القدرة على أن يتحركوا معا دون أن يقولوا إنهم يتحركون معا.

نفس الأسعار تحدّد بشكل مسبق، وتفس الزيادات تطبّق، ونفس الإيقاع يفرض على الجميع. وكأن المنافسة مجرد فكرة نظرية تُدرّس في المدارس والجامعات، بدل أن تكون واقعا يُفترض أن يحكم السوق.

مجلس المنافسة الذي يفترض أن يكون حارسا لهذا التوازن، وجد نفسه يكتفي بتتبع شهري بدل تتبع فصلي. خطوة تقنية تبدو مهمة، لكنها، في الجوهر، مجانبة للمشكل الحقيقي. لأن السؤال ليس كم مرة نراقب الأسعار، بل ماذا نفعل حين نكتشف أن السوق مختلة. وماذا نفعل حين تستمر نفس المؤشرات التي كشفت سابقا عن تفاهمات غير معلنة، وأنتجت تقارب الأسعار، وتبادل المعلومات، وهوامش ربح مضمونة لا تهتز حتى حين تهتز التكلفة.

هل انتهت تلك التفاهمات أم أنها مستمرة؟ سؤال بسيط. مباشر. وجوابه ألا شيء تغيّر، “ولّفنا” فقط، هذا كل شيء.

في المقابل، يبدو الواقع أكثر وضوحا من أي تقرير. الأسعار ترتفع بسرعة الصاروخ حين ترتفع التكلفة، وتنخفض ببطء السلحفاة حين تنخفض. والفارق بين ما يُشترى به وما يُباع به يتضخم، ليس بفعل الكفاءة، بل بفعل السيطرة والاحتكار والتواطؤ.

ثم نأتي إلى أصل الداء. قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، الذي قُدم حينها كخطوة نحو المنافسة، تحول إلى تفويض مفتوح للسوق، دون شروط ولا قواعد، ولا منافسة حقيقية، ولا فاعلين جدد، ولا شفافية كاملة، ولا قدرة للدولة على التدخل حين تختل التوازنات. والنتيجة سوق حرة في الشكل، محتكرة في الجوهر.

الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لم تقل شيئا جديدا حين وصفت في رسالتها الأخيرة لرئيس الحكومة، الوضع بـ”اختلالات بنيوية عميقة”. لكنها وضعت الأصبع على الجرح حين ربطت هذه الاختلالات بمسار طويل بدأ بالخوصصة والتحرير، ثم استقر على انسحاب الدولة، وترك السوق لفاعلين أقوياء دون أدوات ضبط فعالة.

لكن المشكل في الحقيقة لم يعد فقط في قرار قديم. بل هو في من يدبر اليوم. وحين يكون رئيس الحكومة هو نفسه أحد أبرز الفاعلين في القطاع، فإن النقاش يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة. بل إلى الديمقراطية نفسها. لأن السؤال يصبح بسيطا وخطيرا في آن واحد: من يحكم؟ الدولة أم السوق؟ ومن يمثل من؟ الحكومة أم الفاعلون الاقتصاديون؟

هذا ليس اتهاما أخلاقيا. بل واقع سياسي. حين تتداخل المصالح إلى هذا الحد الذي يجعل أكبر تاجر محروقات وأكبر مستفير من هامش الربح الفاحش هو رئيس الحكومة، يصبح من الصعب الفصل بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة. ويصبح من الصعب أن نطلب من الحكومة أن تكون حكما صارما في مباراة هي طرف فيها.

هكذا يسقط الخطاب الذي يحاول الفصل بين التنمية والديمقراطية. الذي يقول إن المهم هو “الخبز”، لا السياسة. وأن الاقتصاد يمكن أن يسير بمعزل عن قواعد الشفافية والمحاسبة.

ملف المحروقات يقول العكس تماما. ويخبرنا أن غياب التوازنات السياسية ينعكس مباشرة على جيوب الناس. وأن السوق، حين تُترك دون رقابة حقيقية، لا تنتج تنمية، بل تنتج تركيزا للثروة.

نعم هناك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهناك إغلاق معبر هرمز، وهناك ارتفاع أسعار النفط من 73 دولارا إلى أكثر من 114 دولارا في أسابيع قليلة. وارتفاع سعر الغازوال عالميا بأكثر من 90%. هذه أرقام كبيرة نعم. لكن الصدمة الحقيقية ليست في الخارج. بل في الداخل. في كوننا بلد لا يملك مصفاة، ولا يملك مخزونا كافيا، ولا يملك سياسة طاقية مستقلة. بلد يستورد بأغلى الأسعار، ويبيع للمواطن بأعلى كلفة.

الفارق بين سعر النفط الخام وسعر الغازوال يصل إلى أكثر من أربعة دراهم للتر. أربعة دراهم تضيع في التكرير والنقل والهوامش. ومع استهلاك سنوي يقارب سبعة مليارات لتر، نحن نتحدث عن عشرات المليارات من الدراهم التي تخرج من الاقتصاد الوطني. فقط لأننا تخلينا عن التكرير. وفقط لأن “سامير” توقفت، والدولة اختارت أن تتفرج.

ثم نكتشف أن المخزون الاستراتيجي، الذي يفترض أن يحمي البلد من الصدمات، لا يغطي سوى ثلاثين يوما في أفضل الحالات. القانون يقول ستين يوما. والواقع يقول النصف. والحكومة تطمئن وتنام. والشركات ترفع الأسعار وتفرح. والنتيجة واحدة بالنسبة للمواطن: لا حماية، ولا سيادة طاقية، ولا قدرة على امتصاص الصدمة.

الأزمة ليست أزمة محروقات فقط. بل هي أزمة نموذج. وأزمة نموذج يعتبر أن السوق يمكن أن يعوض الدولة، وأن الفاعلين الكبار يمكن أن يضمنوا التوازن، وأن المواطن يمكن أن يتحمل كل التقلبات. نموذج سقط، لكنه لم يُراجع.

يُطلب من المغاربة اليوم أن يدفعوا ثمن حرب لم يختاروها، وثمن سوق لم يستفيدوا منها، وثمن سياسات لم يشاركوا في صنعها.

يُطلب منهم أن يتحملوا التضخم، وارتفاع النقل، وغلاء الغذاء، وتآكل الطبقة الوسطى، ثم أن يقتنعوا أن هذا “قدر اقتصادي”، و”تضخّم مستورد”، و”تداعيات جيوسياسية”.

لا، إنه ليس قدرا. هذا اختيار سياسي، قبل أن يكون اقتصاديا. اختيار يجعل من السوق سلطة فوق الدولة، ومن الربح معيارا فوق العدالة، ومن المواطن متغيرا ثانويا في معادلة النمو.

لهذا، فإن النقاش الحقيقي لم يعد حول سعر لتر الغازوال. بل حول من يحدد هذا السعر، ومن يملك القرار، من يحاسب من، وهل ما زال هناك فرق بين من يحكم ومن يربح.

إذا كان الجواب غير واضح، فالأرقام واضحة وضوح سعر المازوت في السوق الفاسد.