سمير شوقي.. من دهاليز المال والصحافة إلى قبة البرلمان
لم تبدأ علاقة سمير شوقي بالشأن العام من بوابة السياسة الحزبية أو من الترشح باسم حزب العدالة والتنمية، بل تعود إلى أواخر القرن الماضي، حينما كان إطارا في القطاع البنكي، وبدأ، بالتوازي مع عمله المهني، يقترب تدريجيا من عالم الصحافة والكتابة.
ومنذ بداية التسعينيات، اختار صاحب التكوين المالي أن يجرب قلمه في “مهنة المتاعب”، قبل أن يتحول هذا الاهتمام مع مرور السنوات إلى مسار مهني كامل في الإعلام والاقتصاد والبحث والتأليف، وصولا، في 2026، إلى خوض أول تجربة انتخابية والفوز بمقعد في مجلس النواب عن دائرة الحي الحسني بالدار البيضاء باسم حزب العدالة والتنمية.
الانطلاقة من البيضاء
رأى سمير شوقي النور بمدينة الدار البيضاء سنة 1962، ثم تلقى بها تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي التأهيلي، وحصل على شهادة البكالوريا سنة 1981، قبل أن يواصل تكوينه الأكاديمي ويحصل على شهادة الدراسات العليا في المالية والبنوك من المعهد الوطني للفنون والمهن بباريس، ثم على ماستر تنفيذي في اقتصاد إفريقيا من المدرسة العليا للتجارة بباريس (HEC Paris).
وبدأ شوقي مساره المهني كإطار في القطاع البنكي سنة 1985، لكنه لم يحصر اهتمامه في عالم المال والأرقام؛ إذ بدأ، إلى جانب عمله الأصلي، الكتابة بشكل حر (freelance) مع جريدة “المنتخب” منذ سنة 1992، وهو ما فتح أمامه الباب لتوسيع تجربته والانتقال فيما بعد إلى عالم الصحافة.
وفي سنة 1996، انتقل إلى الكتابة في الصحافة الاقتصادية والمالية باللغتين العربية والفرنسية، من خلال جريدتي “مغرب اليوم” و”La Gazette”، في وقت كان لا يزال يمارس عمله في القطاع البنكي.
وهكذا ظل المساران، البنكي والصحافي، متجاورين لسنوات في مسار سمير شوقي، قبل أن يحسم الأمر لاحقا لصالح المهنة التي يصفها البعض بالسلطة الرابعة وصاحبة الجلالة، أو مهنة المتاعب كما يصفها آخرون.
وفي أواخر التسعينيات، خاض تجربة أخرى في الكتابة، ويتعلق الأمر بالحقل السياسي؛ إذ كتب مقال رأي في جريدة “الصحيفة”، انتقد فيه وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، الذي كان يوصف في عهد الحسن الثاني بالرجل القوي ومهندس “أم الوزارات”.
الرحلة نحو الصحافة
وعلى خلفية المقال أعلاه، استُدعي سمير شوقي من طرف عبد العزيز العلمي، رئيس البنك الذي كان يشتغل فيه. وعلى عكس المتوقع، استمع العلمي، ذي الشخصية القوية كما يوصف، إلى مبررات شوقي، وناقشه في الموضوع، قبل أن يشجعه على مواصلة التعبير والكتابة.
ومع بداية الألفية الثالثة، وبالضبط في سنة 2001، خطا سمير شوقي خطوة مهمة في رحلته الصحافية؛ إذ شارك في تأسيس يومية “الأيام”، قبل أن يواصل تجربته مع انطلاق يومية “المساء” سنة 2006، بانضمامه إلى فريقها المؤسس.
وفي هذه السنة، قرر شوقي مغادرة العمل البنكي، والتفرغ كليا لتعقيدات ومتاعب “السلطة الرابعة”؛ إذ تولى، آنذاك، الإدارة العامة والتطوير الإداري في جريدة “المساء”، مستفيدا من خبرته في المجال المالي والتعامل مع الأرقام.
وبعد نحو ثلاث سنوات، أي في سنة 2009، غادر مجموعة “المساء” ليتفرغ لتأسيس مجموعة “Horizon Press” الإعلامية، التي بدأت كشركة ناشرة لصحيفة “Les Inspirations ÉCO” الاقتصادية.
واستمر في هذا المسار إلى أواخر سنة 2019، حيث أعلن شوقي اعتزاله التسيير والتحرير اليومي، مع احتفاظه، وفق معطيات حصلت عليها صحيفة “صوت المغرب”، بكامل حصصه وأسهمه في مجموعة “Horizon Press” الناشرة لجريدة “Les Inspirations Éco” وموقع “LesEco.ma”.
وبذلك، يكون شوقي قد بدأ إطارا بنكيا، ثم إطارا بنكيا وصحافيا، ثم ولج عالم تأسيس وإدارة مؤسسات إعلامية، قبل أن تتوسع اهتماماته نحو التحليل والاستشارة والبحث.
ملحمة الرجاء الرياضي
ومن بين المحطات الأكثر إثارة للاهتمام في مسار الصحافي والنائب البرلماني سمير شوقي، خوضه تجربة التسيير الرياضي؛ إذ كان عضوا في المكتب المسير ورئيس لجنة التواصل والناطق الرسمي لنادي الرجاء الرياضي سنة 2013، وعاش الملحمة الشهيرة للنسور الخضر في كأس العالم للأندية، آنذاك، التي بلغ فيها الرجاء المباراة النهائية ضد بايرن ميونخ الألماني.
ولم تتوقف علاقته بالفريق الأخضر عند التسيير والتواصل، إذ ألف سنة 2015 كتاب “الرجاء البيضاوي: الأسطورة.. وصيف بطل العالم”، الذي وثق ملاحم الفريق في كأس العالم للأندية، وصدر بثلاث لغات، العربية والإنجليزية والفرنسية.
ومن المحطات الأخرى المهمة في مسار الرجل، انتقاله إلى مجال الاستشارة؛ إذ عمل مستشارا لدى الرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، مصطفى التراب، ما بين سنتي 2020 و2023، بالتوازي مع استمرار حضوره في النقاش الاقتصادي من خلال الكتابة والتحليل.
وفي هذا السياق، أصدر كتاب “محمد السادس ملك إفريقي، 20 سنة من الدبلوماسية الملكية بأفريقيا” باللغة الفرنسية سنة 2022، قبل أن يترجمه سنة 2023 إلى العربية والإنجليزية.
وواصل شوقي بعد ذلك توسيع اشتغاله في المجال الاقتصادي والجيوسياسي، فأطلق سنة 2023 مركز التفكير “أوميغا” للأبحاث الاقتصادية والجيوسياسية، وهو مركز غير ربحي يشتغل، وفق تعريفه، على القضايا الاقتصادية والجيوسياسية الوطنية والدولية، بهدف المساهمة في إغناء النقاش العمومي.
وخاض شوقي تجربة أخرى بتأليف كتاب معنون بـ”ترامب في مواجهة العالم” سنة 2025، متناولا القرارات الكبرى والمثيرة للجدل للرئيس الأمريكي خلال ولايته الثانية.
وهكذا، اتسع المسار الذي بدأ من دهاليز المال والأرقام، ثم إلى تعقيدات الصحافة والتسيير، إلى التحليل الاستراتيجي والتأليف، وهي كلها مجالات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشأن العام.
ولوج قبة البرلمان
بعد أكثر من أربعة عقود على بداية مساره المهني، انتقل سمير شوقي في 2026 إلى محطة مختلفة؛ إذ دخل غمار السياسة بشكل مباشر، بعدما اختاره حزب العدالة والتنمية وكيلا للائحته في دائرة الحي الحسني بالدار البيضاء.
وانضم شوقي إلى عضوية “المصباح” بشكل رسمي يوم 12 شتنبر 2026، خلال المهرجان الوطني لإطلاق الحملة الانتخابية الذي أقيم بالرباط؛ إذ تسلم بطاقة انخراطه مباشرة من يد الأمين العام للحزب عبد الإله ابن كيران.
وإثر ذلك، أبرز شوقي أن دافعه الأساسي للالتحاق بإخوان ابن كيران هو القناعة بالمبادئ والقيم المشتركة التي يتقاسمها مع “البيجيدي”، مؤكدا في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أنه يلتزم، في المحطات القادمة، بالحفاظ على المال العام وحسن تدبيره والتعامل معه بـ”المعقول“.
ولم يسبق لسمير شوقي أن مارس الفعل السياسي الحزبي المنظم؛ إذ كانت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، التي حملته إلى عضوية الغرفة الأولى بالبرلمان، أول تجربة انتخابية بالنسبة له، بعد سنوات من الحضور في النقاش العمومي من بوابة الصحافة والتحليل الاقتصادي.
وفي هذه الدائرة، التي خصصت لها ثلاثة مقاعد، وتنافست فيها 15 لائحة انتخابية على الظفر بالتمثيلية البرلمانية، تمكن شوقي من الفوز، ليكون ممثلا لساكنة الحي الحسني، إلى جانب محمد الركاني عن حزب الاستقلال، وصلاح الدين شنكيط عن حزب الأصالة والمعاصرة.
وهكذا ينتقل شوقي من موقع المتابع والمحلل للقضايا المطروحة في الشأن العام، إلى موقع المشارك في صناعة القرار العمومي، من خلال المساهمة في صياغة القواعد القانونية المرتبطة بتفاصيل حياة المواطنين المغاربة، وتتبع العمل الحكومي خلال الولاية التشريعية 2027-2031.