story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

بركة يشدد على النهوض بقطاع الصحة النفسية ويدعو للاستثمار في الإنسان قبل البنيان

ص ص

قال الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، إن “الاستثمار في الإنسان يجب أن يسبق الاستثمار في الحجر”، مشيراً إلى أن النهوض بقطاع الصحة النفسية يقتضي معالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها، سواء على مستوى الموارد البشرية أو البنيات أو الإطار القانوني.

وأوضح بركة، في كلمة له خلال ندوة وطنية حول الصحة النفسية بالمغرب، نظمها الأطباء والصيادلة الاستقلاليون الثلاثاء 28 أبريل 2026، (أوضح) أنه “لا يمكن الحديث عن الصحة النفسية في ظل خصاص مهول في الأطباء والأطر”، مشيراً إلى أن عدد الأطباء النفسيين لا يتجاوز 445 طبيباً مقابل ساكنة تفوق 37 مليون نسمة، مضيفاً أن ست جهات من أصل اثنتي عشرة “تكاد تخلو من المتخصصين”.

وعلى مستوى البنيات الصحية، سجل المسؤول الحزبي ووزير التجهيز والماء في الحكومة الحالية، أن عدد الأسرة لا يتجاوز 3000 سرير على الصعيد الوطني، مع نسبة إشغال تفوق 197 في المائة، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، “ضغطاً كبيراً واختلالاً واضحاً في العرض الصحي”، لافتاً إلى أن العديد من الأسر تواجه صعوبات في إيجاد سرير لمرضاها، خصوصاً في الحالات المستعجلة.

وفي هذا السياق، دعا المتحدث إلى مضاعفة عدد المناصب المخصصة لتكوين الأطباء النفسيين، وفتح تخصصات جديدة تواكب تطور الأمراض النفسية، مع تحفيز تقديم الخدمات في العالم القروي والمناطق النائية، “تحقيقاً للعدالة الصحية التي تضمن وصول العلاج إلى كل مغربي أينما كان”.

كما اقترح إحداث فرق متنقلة للتدخل في المناطق القروية، وتطوير خدمات الطب النفسي عن بُعد، استثماراً للتجارب التي وصفها بالناجحة في هذا المجال.

وبخصوص الإطار القانوني، أشار بركة إلى وجود غموض يطبع عدداً من المهن المرتبطة بالصحة النفسية، معتبراً أنه “لا يمكن القبول باستمرار وضع تبقى فيه مهن كعلم النفس خارج إطار قانوني واضح”، محذراً من ترك المرضى بين ما وصفه بـ”الخرافة والتأويلات غير العلمية”.

كما تطرق إلى وضعية بعض المصابين بأمراض عقلية الذين يُصرح بعدم مسؤوليتهم الجنائية، والذين يتم، بحسب قوله، احتجازهم داخل السجون “بسبب نقص المرافق العلاجية البديلة”، معتبراً أن هذا الوضع يشكل “انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية”.

ودعا في هذا الإطار إلى إصلاح القانون رقم 13-17، باعتباره الإطار التشريعي الحالي المنظم للصحة النفسية، مؤكداً ضرورة أن يتم هذا الإصلاح بشراكة مع الممارسين والأساتذة والأطباء، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية، من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بهدف ضمان حقوق المرضى وتوفير إطار قانوني واضح للطب النفسي المجتمعي.

كما دعا إلى اعتماد إطار قانوني منظم لمهن علماء النفس وأخصائيي النطق وباقي المهن الموازية، مع العمل على ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية.

وتظهر الأرقام أن 48% من المغاربة البالغين 15 سنة فما فوق، عانوا من اضطراب نفسي واحد على الأقل خلال حياتهم، وأكثر من واحد من كل أربعة يعاني من الاكتئاب. بحسب معطيات البحث الوطني لسنة 2006. ونبه المسؤول الحزبي إلى أنه “ترجع إلىما يقارب 20 سنة دون تحيين”.

وشدد نزار بركة على أنه “لا يمكن لأي سياسة جدية أن تُبنى على هذا الأساس”، في إشارة إلى محدودية المعطيات المتوفرة، مبرزاً صعوبة قياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية أو فهم الواقع الحالي بدقة، خصوصاً في ظل التداعيات النفسية التي خلّفتها جائحة كوفيد-19.

وأوضح المتحدث أن هذه الجائحة كانت لها انعكاسات نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال، الذين عاشوا تجارب نفسية غير مسبوقة، من بينها شعورهم بأنهم قد يكونون سبباً في إلحاق الأذى بذويهم أو كبار السن داخل أسرهم، معتبراً أن هذه التجربة ما تزال آثارها غير محددة بالكامل إلى اليوم.

كما توقف بركة عند تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي قال إنها تسهم في تغذية مشاعر اليأس والاكتئاب لدى فئات واسعة من الشباب، ولا سيما الأطفال، مشيراً إلى أن هذا التحول الرقمي المتسارع ساهم في تعميق تحديات الصحة النفسية.

وفي هذا السياق، دعا إلى ضرورة إنجاز نسخة جديدة من المسح الوطني حول الصحة النفسية في المغرب، مبرزاً أن البلاد في حاجة إلى معطيات محيّنة ودقيقة تسمح بفهم التحولات الجديدة التي تعرفها فئات واسعة من المجتمع.

وأضاف أن هذه التحولات ترتبط أساساً بتنامي القلق، وتأثير التغيرات القيمية والمجتمعية والسلوكية في ظل الرقمنة، فضلاً عن بروز مظاهر العنف الرقمي واتساع دائرة اللايقين، وهي عوامل قال إنها تستدعي قراءة علمية معمقة.

وشدد المسؤول الحزبي على أن “المعرفة العلمية والمعطيات الميدانية وحدها كفيلة ببناء سياسات ناجعة وملائمة لحاجيات المجتمع المغربي”، مؤكداً في السياق ذاته أن الصحة النفسية في المغرب تعيش أزمة حقيقية، تتجلى في أزمة القوانين، ونقص الموارد المالية، وضعف الوعي المجتمعي، إضافة إلى إشكالات مرتبطة بالعدالة المجالية.

واعتبر بركة أن المرحلة الراهنة لا تقتصر على تشخيص الوضع فقط، بل تستدعي إطلاق دينامية إصلاحية جديدة “جريئة وشجاعة”، قادرة على إعادة هيكلة مقاربة الصحة النفسية بما يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.

وفي سياق متصل، شدد نزار بركة على أهمية اعتماد مقاربة وقائية تنطلق من المدرسة والحي، مبرزاً أن التركيز يجب أن يكون على المواكبة المبكرة. وأوضح أن بحثاً ميدانياً شمل نحو 15 ألف شاب، أُنجز في سياق إعداد الميثاق الوطني للشباب لسنة 2026، أظهر أن الإشكالات النفسية تُعد من أبرز انشغالات هذه الفئة.

وأضاف أن نتائج هذا البحث كشفت عن حضور مقلق لأفكار الانتحار ومحاولاته في صفوف الشباب، معتبراً أن ذلك يعكس وجود “مشكلة حقيقية وعميقة” لم تحظَ بالاهتمام الكافي في السابق. كما أشار إلى أن الشباب، سواء المنتمون سياسياً أو غير المنتمين، يعتبرون الصحة النفسية حقاً أساسياً، إلى جانب الحق في التعليم والصحة والكرامة، نظراً لارتباطها بالتوازن الشخصي والاجتماعي.

وفي استحضار لمعطيات دولية، أوضح أن نحو 21 في المائة من المراهقين والشباب فكروا بجدية في الانتحار، وأن نسبة مهمة حاولت ذلك فعلاً، مع تسجيل نسب أعلى لدى الفتيات مقارنة بالفتيان، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، “هشاشة نفسية تستدعي تدخلاً عاجلاً”.

وبناءً على ذلك، دعا بركة إلى ضمان الولوج إلى خدمات الصحة النفسية القريبة وذات الجودة، بما يشمل علاج اضطرابات القلق والاكتئاب والسلوكيات الإدمانية، إلى جانب إدماج خدمات الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير الاستشارة النفسية داخل الوحدات الصحية لفائدة الجميع، مؤكداً أن الشباب “لا يحتاجون فقط إلى التعليم، بل أيضاً إلى التوازن النفسي والأمل ومن يُنصت إليهم”.