المنصوري ولقجع.. طريقان نحو القمة
لم يقل أي منهما إنه ينافس الآخر حول رئاسة الحكومة المقبل، لكنهما في أذهان الجميع في سباق ضمني نحو ظهير التعيين الملكي.
ينفي فوزي لقجع أنه فكر في رئاسة الحكومة، وينفي وجود توتر أو تنافس بينه وبين فاطمة الزهراء المنصوري، التي يصفها بأنها “صديقة” كبيرة و”أخت”. ومن جهتها تحرص المنصوري، على إعادة النقاش إلى صناديق الاقتراع وإلى الاختصاص الدستوري في تعيين رئيس الحكومة.
لكن خلف هذا الانضباط العلني، يقبع سؤال يصعب إبعاده عن المشهد: من سيحظى بالتعيين الملكي إذا تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر؟
خرج هذا التنافس الصامت خلال الأيام الأخيرة، جزئيا، إلى الواجهة، مع تداول اسم لقجع بوصفه أحد الوجوه الممكنة للمرحلة المقبلة، مقابل تحركات إعلامية داخل محيط الحزب للدفع بالمنصوري باعتبارها وجها محتملا لرئاسة الحكومة، قبل أن يخرج رجل “اللوبيينغ” المقرّب من إسرائيل، أحمد الشرعي، لتفجير المسكوت عنه بإعلانه دعم المنصوري رئيسة للحكومة المقبلة.
ينص الفصل 47 على أن يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب و”على أساس نتائجها”، لكنه لا يلزم باختيار رئيس الحزب أو صاحب موقع تنظيمي بعينه. لذلك، إذا حملت صناديق 23 شتنبر ال”بام” إلى المرتبة الأولى، فقد يجد الحزب نفسه أمام سؤال لم يكن مطروحا بهذه الحدة منذ تأسيسه: أي نوع من القيادة يريد أن يقدم إلى الدولة والمجتمع؟
دخلت فاطمة الزهراء المنصوري الحزب من بابه الأول تقريبا، وعاشت جميع أعطابه وتحولاته وصراعاته. أما فوزي لقجع، فقضى معظم حياته المهنية بعيدا عن التنظيمات الحزبية، رغم قربه من أحد العقول التنظيمية للحزب (إلياس العماري)، وبنى رأسماله في الإدارة والمالية وكرة القدم، قبل أن يركب “الجرار” صيف 2026 ويلتحق مباشرة بمكتبه السياسي.
أعلنت المنصوري نفسها انضمامه في 25 يوليوز أثناء انعقاد المجلس الوطني للحزب، وقدمت الخطوة ضمن سياسة الحزب في الانفتاح على “الكفاءات”، بعدما كان اسم الرجل، لسنوات، يدور حول السياسة من خارجها.
ابن الشعب وبنت “الباشا”
بينهما ست سنوات في العمر، وتفصل بين بدايتيهما الاجتماعيتين مسافة أكبر بكثير. فقد ولدت المنصوري في مراكش سنة 1976 داخل أسرة راكمت المال والمهن الحرة والمكانة الاجتماعية قبل أن تقترب أكثر من مربع السلطة. مارس والدها عبد الرحمان المنصوري المحاماة، وتولى نقابة هيئة المحامين بمراكش، ثم أصبح باشا للمدينة وسفيرا للمغرب في الإمارات. كما تجر عائلتها وراءها تاريخا أقدم، يمتد إلى التجارة والأملاك وعلاقات أعيان مراكش خلال الحماية وما تلا الاستقلال، بما في ذلك روايات أسرية عن مصادرة جزء من ممتلكاتها في سياق صراعات تلك المرحلة، بين “ورثة” الوطنيين، وأبناء “المتعاونين” مع الاستعمار.
أما لقجع، فبدأ من بيت أكثر تواضعا في حي “بايون” بمدينة بركان. درّس والده في المدرسة العمومية، وتفرغت والدته للبيت، فيما تحول التعليم داخل الأسرة إلى أداة صعود اجتماعي. سبق إخوته إلى جامعات عليا في المغرب وفرنسا، ثم حصل هو على الباكالوريا في العلوم التجريبية سنة 1988 وغادر الشرق نحو الرباط.
ورثت المنصوري عن الأب المهنة أيضا. درست في مدارس البعثة الفرنسية، وحصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس، وواصلت تكوينها في فرنسا والولايات المتحدة، ثم أدت قسم المحاماة سنة 2000. تدربت في مكتبي محمد الناصري والكتاني، قبل أن تعود إلى مراكش وتنضم إلى مكتب والدها. حملت معها إلى السياسة رأسمالا قانونيا واجتماعيا وعائليا جاهزا، لكنه لم يكن كافيا وحده لصناعة مسار استمر قرابة عقدين.
في المقابل، سلك لقجع الطريق المعاكس. التحق بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وأصبح مهندسا، ثم دخل الإدارة. مر من المفتشية العامة للمالية ومديرية الميزانية، وترأس شُعبا وملفات قبل أن يصل إلى إدارة ميزانية الدولة.
لم تمنحه هذه الوظيفة خبرة في الحسابات فقط؛ بل أدخلته إلى قلب ماكينة الدولة، حيث تتوزع الاعتمادات، وتتصارع القطاعات على الموارد، ويكتشف المسؤول من يطلب ماذا، ومن يستطيع أن ينفق، ومن يملك قدرة التفاوض. ثم جاء تعيينه سنة 2021 وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية امتدادا طبيعيا لمسار سبق الوزارة بسنوات طويلة.
هذا المقال جزء من العدد #124 من مجلة “لسان المغرب”، يمكنك اقتناء العدد كاملا على هذا الرابط