story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

“البام تجاهلها رغم قيادته للقطاع”.. دراسة ترصد ضعف حضور الثقافة بالبرامج الانتخابية

ص ص

رصدت دراسة حديثة أصدرتها جمعية نظرة للثقافة والإعلام، ضعفا في حضور الشأن الثقافي في البرامج الحزبية برسم استحقاقات 23 شتنبر 2026، مؤكدة أنه يظل متفاوتا ولا يرقى غالبا إلى مستوى السياسة العمومية المندمجة، ما يجعل الثقافة تبدو أقرب إلى “القطاع اليتيم”.

وأوضحت هذه الدراسة التي صدرت تحت عنوان “الثقافة في البرامج الانتخابية لتشريعيات 2026 بالمغرب: دراسة تحليلية في التخطيط والسياسات العمومية” للباحث عبداللطيف الحاجي، أن الثقافة حاضرة في معظم البرامج الاتتخابية، غير أنها بدرجات وأنماط متفاوتة، خصوصا في ظل افتقار برامج الأغلبية لأي رؤية واضحة أو التزامات فعلية تجاه الثقافة والمثقفين.

وفسرت الوثيقة ذلك بالقول إن “الخطاب الثقافي يظل في كثير من الأحيان خطاب نوايا يفتقر إلى التحديد والقياس والجدولة”، مما يجعل “الثقافة أقرب إلى القطاع اليتيم في البرامج الحزبية”.

مفارقة الأصالة والمعاصرة

وتتجلى أبرز المفارقات التي رصدتها الدراسة، في وضع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تولى قيادة قطاع وزارة الشباب والثقافة والتواصل خلال الولاية الحكومية الحالية؛ ومع ذلك، خلت أولوياته الخمس المعلنة من أية إشارة للثقافة، بل ولم يخصص لها أي منصب شغل ضمن وعوده الطموحة بتوفير مليون منصب عمل.

وشددت الدراسة على أن هذه المفارقة تفضح خللا هيكليا عميقا في تقاطع المسؤولية الحكومية مع الالتزام الانتخابي، وتؤكد استمرار نظرة دونية للقطاع الثقافي تكتفي بالشعارات دون ترجمتها إلى أرقام وإجراءات ميدانية قابلة للقياس.

إلى جانب ذلك، أكدت هذه الدراسة أنه عند مقارنة أداء الأحزاب السياسية، تبرز هوة عميقة تفصل بين أحزاب المعارضة اليسارية، مثل حزب التقدم والاشتراكية، وتحالف اليسار، والاتحاد الاشتراكي؛ هذه الأحزاب بحسبها أبدت تفصيلا والتزاما أكبر بالقطاع الثقافي، وبين أحزاب التحالف الحكومي (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) التي غابت الثقافة عن برامجها بشكل شبه كلي.

ودفع هذا “التباين الحاد” الدراسة إلى طرح سؤال جوهرِي ومشروع حول مدى جدية هذه الأحزاب في التعاطي مع قطاع استراتيجي وحيوي كالقطاع الثقافي، خصوصا في ظل “افتقار برامج الأغلبية لأية رؤية واضحة أو التزامات فعلية تجاه الثقافة والمثقفين”.

خارج تشكيل الحكومة

في ذات السياق، يظل التخطيط الميزانياتي أبرز مؤشر على جدية الالتزام؛ إذ أظهرت الدراسة أن معظم الأحزاب لا تقدم أرقاما أو ميزانيات محددة للقطاع الثقافي، باستثناء حزب التقدم والاشتراكية وبدرجة أقل تحالف اليسار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مما يجعل الثقافة في موقع ضعف ضمن أية مفاوضات محتملة لتشكيل الحكومة من بين الأحزاب التي ستشكل التحالف الحكومي المقبل.

وإذا كان وضع الفنانين والمبدعين يعد اختبارا حقيقيا لجدية البرامج في التعاطي مع الثقافة كحق، فإن الدراسة بينت أن معظم الأحزاب لا تذكر الفنانين ووضعهم الاجتماعي.

الهوية قبل الثقافة

ومن الملاحظات اللافتة أيضا، حسب الدراسة، أن الأمازيغية تحضر بقوة في معظم البرامج، بينما تغيب الثقافة كقطاع، مما يعني أن البعد الهوياتي اللغوي يتقدم على البعد الثقافي القطاعي، مما يعكس “نظرة تجزيئية للثقافة”.

إضافة إلى ذلك، توقفت الوثيقة عند غياب آليات الحكامة والتتبع عن معظم البرامج، باستثناء مقترحات حزب التقدم والاشتراكية وتحالف اليسار، مما يجعل من الصعب تقييم ومساءلة السياسات الثقافية المستقبلية.

ورغم أن دستور 2011 نص على إحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، ورغم مرور أكثر من عقد، لا يزال هذا المجلس حبرا على ورق مما يؤكد أن الثقافة تعاني من فجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية.

غياب التشريعات

ومن جانب آخر، سجلت الدراسة التحليلية غيابا شبه تام للترسانة القانونية والتشريعية الموجهة لتأطير هذا القطاع الحيوي في جل برامج الأحزاب السياسية؛ موضحة أن الحضور التشريعي يكاد يكون منعدما باستثناء إشارات محدودة للغاية، أبرزها التزام حزب التقدم والاشتراكية بسن قانون خاص بوضعية الفنان يتأقلم مع رهان الرقميات والذكاء الاصطناعي، مما يعكس اكتفاء باقي الأحزاب بإجراءات إدارية أو مالية ظرفية.

وفي ذات السياق، شددت الورقة التحليلية على أن هذا الفراغ التشريعي لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل تقني عابر، بل هو مؤشر صارخ على ضعف الوعي بضرورة التأطير القانوني للقطاع، لاسيما في مجالات حساسة كحماية حقوق المؤلف، وتنظيم المهن الفنية، وكذا ضبط الصناعات الثقافية.

وخلص الوثيقة إلى أن الثقافة لا تزال في موقع هامشي في الحملات الانتخابية وعاجزة عن تشكيل قضية تعبئة حقيقية، في ظل طغيان الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن افتقار البرامج للأدوات المبتكرة كالرقمنة والصناعات الإبداعية، وغياب التكامل المنشود بين الثقافة وقطاعات التعليم والصحة والاقتصاد.

وتتوج هذه الاختلالات بسؤال جوهري طرحته الدراسة حول مدى إمكانية تحويل الثقافة إلى سياسة عمومية حقيقية وفعالة في المغرب، في ظل استمرار الفجوة الكبيرة بين النصوص والتطبيق، مبرزة أن هذا الرهان التنموي يظل مرهونا بتوفر إرادة سياسية فعلية، وصياغة تصور استراتيجي مندمج، إلى جانب إرساء تشريعات ملائمة وآليات دقيقة للحكامة والتتبع، وهي مقومات لا تزال البرامج الحزبية المدروسة بعيدة عنها في أغلبها.