story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

لقجع رئيسا لحكومة المونديال؟.. التكنوقراطي أمام امتحان السياسة

ص ص

يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة (البام) بصدد إقناع فوزي لقجع، رجل الميزانية وكرة القدم في الدولة، من أجل الالتحاق بصفوفه، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026.

وإذا تحقق هذا السيناريو، فلن يكون مجرد حدث انتخابي عابر. لأن الأمر- إن تحقق- لا يقتصر على إضافة اسم جديد إلى اللوائح الانتخابية لـ”البام” أو البحث عن مقعد مؤكد ينضاف إلى فريقه في مجلس النواب، عبر استقطاب شخصية ذات رمزية شعبية، بل نحن إزاء خطوة تحمل دلالة سياسية أعمق؛ فهي توحي بأن حزب الأصالة والمعاصرة لا يستعد فقط لخوض غمار منافسة انتخابية، بل يحاول التموضع كفاعل يطمح إلى قيادة المرحلة الحكومية المقبلة.

شخصية بمسار لقجع، بما راكمته من رأسمال إداري داخل الدولة، ورصيد إنجازي في تدبير ملفات كبرى، ورمزية مرتبطة بكرة القدم، لا تُستقطب عادة من أجل لعب دور برلماني محدود، بل من أجل تقديم صورة قيادة تنفيذية قادرة على تحويل الفوز الانتخابي المحتمل، إلى قدرة على الحكم.

غير أن هذا الاختيار من طرف “البام” يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة عميقة: فهو يعبر من جهة عن قدرة هذا الحزب على استقطاب كفاءات نوعية، لكنه يطرح من جهة أخرى تساؤلات حول قدرة الأحزاب على إنتاج زعاماتها ونخبها من داخلها، وهي وظيفة أصيلة لها، لأن استدعاء شخصية تكنوقراطية بحجم لقجع، قد يكون عنوانا لتجديد العرض السياسي وربط السياسة بمنطق الإنجاز، وبالمقابل قد يكون مؤشرا على أزمة السياسية الحزبية، إذا أصبح تعويض ضعف المشروع السياسي يتم عبر البحث عن رأسمال فردي جاهز للاستعمال.

لهذا، فإن الإشكال لا يقتصر في العمق على أزمة حزب أو عدة أحزاب، لأن استقطاب لقجع على مقربة من الانتخابات التشريعية المقبلة، يطرح سؤالا أعمق؛ إذ ماذا يعني أن يظهر فاعل من خارج المسار الحزبي في اللحظة الأخيرة باعتباره مرشحا محتملا لقيادة الحكومة المقبلة؟ علما أن الأمر لا يتعلق بشخص لقجع أو بكفاءته، بل بالرسالة السياسية التي يحملها هذا السيناريو: هل الانتخابات هي المجال الذي يفرز القيادات والاختيارات، أم أنها تأتي لتزكية ترتيبات سياسية تشكلت قبل لحظة التصويت؟ وهنا تظهر خطورة الانطباع أكثر من الوقائع نفسها؛ لأن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى احترام قواعد شكلية، بل تحتاج أيضا إلى اقتناع عميق لدى المواطنين بأن المنافسة السياسية مفتوحة، وأن النتائج غير محددة مسبقا.

لذلك قد يتحول استقطاب شخصية قوية من خارج المجال الحزبي إلى عامل يعمق أزمة الثقة، بدل أن يكون خطوة عملية لتجديد النخب داخل الأحزاب، خصوصا إذا بدا للبعض أن الأحزاب لا تتنافس من أجل إنتاج القيادات والنخب، بل تبحث عن شخصيات جاهزة من خارجها تحمل مسبقا مؤشرات القيادة. علما أن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لن يكون فقط من يفوز فيها، بل هل سيشعر المواطن بأن الفوز نتج عن تنافس سياسي مفتوح أم عن مسار جرت هندسة مدخلاته ومخرجاته سلفا.

لقجع جوابا على أزمة “البام”

لفهم دلالة احتمال استقطاب فوزي لقجع إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، ينبغي أولا تفكيك طبيعة الرأسمال الذي يحمله كشخص. فقوة الرجل لا تأتي من مسار حزبي طويل، أو من تراكم داخل العمل السياسي التقليدي، بل من امتلاكه لأنواع أخرى من الموارد السياسية التي أصبحت ذات قيمة معتبرة في المجال العمومي المغربي.

أول هذه الموارد هو رأسمال الدولة؛ فقد تشكل لقجع داخل الإدارة المالية، وخصوصا من خلال موقعه في مديرية الميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية، وهو موقع يمنح صاحبه معرفة دقيقة بكيفية اشتغال الدولة: كيف تصاغ الأولويات، وكيف توزع الموارد، وكيف تتحول الاختيارات الكبرى إلى سياسات قابلة للتنفيذ. لذلك فهو لا يقدم نفسه كفاعل يبحث عن تعلم آليات الحكم، بل كشخص قادم من داخل آلة القرار العمومي، بل ويمتلك خبرات دقيقة في تدبير تعقيداتها.

أما المورد الثاني فهو رأسمال الإنجاز، فمساره في حقل كرة القدم، من نهضة بركان إلى الجامعة الملكية لكرة القدم، ساهم في بناء صورة المسؤول الرياضي الذي يحقق إنجازات تلوى أخرى. وقد منحه ذلك موقعا مختلفا عن السياسي التقليدي؛ إذ لم تتشكل صورته عبر الوعود الانتخابية أو المواجهات الإيديولوجية، أو في مسارات الاستقطاب السياسي والحزبي، بل عبر إدارة ملفات كبرى حقق من خلالها نجاحات، ثم بات الرأي العام ينظر إليها كقصص نجاح وطنية.

يضاف إلى ذلك، ثالثا، الرأسمال الرمزي والشعبي الذي تحقق للرجل من عالم كرة القدم أيضا. فهذه الأخيرة ليست قطاعا رياضيا عاديا في المجتمع المغربي، بل مجالا لإنتاج وتجديد الروح الوطنية والعاطفة الجماعية وحتى الفخر الوطني، ما جعل اسم لقجع يتجاوز دائرة النخب الإدارية، نحو التفاعل مع جمهور أوسع.
لكن هذه العناصر التي تمثل مصدر قوة لقجع، هي نفسها التي تجعل فرضية انتقاله من موقع رجل الدولة إلى الفاعل السياسي مثيرة للأسئلة. لأن فوزي لقجع يمثل نموذجا لشرعية مختلفة تماما عن الشرعية الحزبية: شرعية تقوم على الخبرة والإنجاز والقرب من مراكز القرار السياسي والاقتصادي والرياضي، أكثر مما تقوم على التمثيل والتنظيم والتعبئة المجتمعية التي يتقنها رجل السياسة مثلا، والتي تتطلب كفاءات مختلفة تماما عما تكوّن عليه فوزي لقجع في مساره المذكور.

من هنا تأتي المفارقة: استقطابه قد يبدو جوابا عن أزمة حزب هو الأصالة والمعاصرة، ويمكن أن نعمم جزئيا ونقول أزمة فعالية السياسة الحزبية التقليدية، لكن استقطابه قد يعمق، في الوقت نفسه، سؤال أزمة السياسة والديمقراطية التمثيلية في المغرب.

فإذا كان حزب “البام” يحتاج إلى شخصية ناجحة من خارج بنياته لكي يقدم عن نفسه صورة الحزب المؤهل لقيادة الحكومة المقبلة، فإن السؤال يصبح: هل نحن أمام حزب يجدد نفسه باستقطاب الكفاءات، أم أمام اعتراف ضمني بأن الأحزاب لم تعد قادرة على إنتاج النخب والقيادات التي تستطيع تعبئة المجتمع سياسيا وتحقيق الإنجازات تنفيذيا؟

من جهة أخرى، لا يمكن قراءة احتمال التحاق فوزي لقجع بالحزب المذكور بعيدا عن التجربة التاريخية لهذا الحزب مع قادته، والتي تتميز بعدم الاستقرار والتقلبات السريعة، إلى حد أنه الحزب الوحيد اليوم الذي تترأسه قيادة جماعية. لذلك يفتح التحاق لقجع به الباب أمام طرح سؤال آخر يرتبط بتاريخ الحزب نفسه: هل نحن أمام محاولة لإنتاج “فؤاد عالي الهمة جديد” يعيد للحزب مركز الثقل الذي افتقده منذ مرحلة التأسيس؟

تبدو مثل هذه المقارنة ممكنة؛ من زاوية أولى، فكلا الرجلين جاء من خارج المسار الحزبي التقليدي، وكلاهما امتلك رأسمالا مصدره الأساسي الدولة أكثر مما مصدره التنظيم الحزبي. فقد دخل الهمة المجال الحزبي حاملا رأسمال القرب من مركز القرار والخبرة في تدبير الشأن السياسي، بوصفه “صديق الملك”، بينما يأتي لقجع ـ في هذا السيناريو ـ برأسمال مختلف: الخبرة المالية، ثقافة الإنجاز، والنجاح الرمزي المرتبط بعالم كرة القدم.

غير أن الاختلاف بين التجربتين لا يقل أهمية عن التشابه. فالهمة ظهر في سياق كان السؤال المركزي فيه هو إعادة هيكلة المجال الحزبي وبناء توازنات سياسية جديدة، في سياق تميز بصعود حزب العدالة والتنمية، والتيار الإسلامي عموما. لذلك كان رأسماله الأساسي سياسيا وتنظيميا: القدرة على تجميع بعض الأحزاب والنخب في حزب كبير، ومن تم التحكم في لعبة التحالفات، وضبط المشهدين الحزبي والمدني.

أما لقجع فيظهر في سياق مختلف تماما، حيث لم يعد السؤال الأول هو هندسة الخريطة الحزبية والتحكم في التوازنات، بل استعادة الثقة في قدرة السياسة على تحقيق أشياء ملموسة للمواطنين. لذلك لا يقدم لقجع نفسه كرجل تنظيم سياسي، بقدر ما يقدم، من خلال مساره، نموذجا لـ”رجل التنفيذ” القادر على تحويل الاختيارات والقرارات السياسية إلى نتائج ملموسة.

بهذا المعنى، إذا كان الهمة قد مثل لحظة “تأسيس” حزب “البام”، ولو اعتماد على بقايا أحزاب وكتل وتيارات مختلفة بل متناقضة، فإن لقجع ـ إن تحقق هذا السيناريوـ قد يمثل محاولة الانتقال إلى لحظة “حزب التدبير والإنجاز”، أي قيادة الحكومة المقبلة.

بعبارة أخرى، كان الهمة جوابا على أزمة التوازن السياسي، أما لقجع فقد يكون جواب “البام” على أزمته في الأداء والثقة. لكن الحالتين تلتقيان في سؤال واحد رافق الحزب منذ نشأته: علاقة مشروع “البام” بمصادر القوة من خارجه، أي بالدولة.

كاشف لأزمة السياسة أم تحولها

علاوة على ما سبق، يمكن القيام بتمرين ثان، ينطلق من فرضية أن استقطاب لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة يمثل حالة كاشفة عن تحولات الحقل السياسي المغربي. وعليه، فالنقاش الذي تثيره فرضية استقطاب فوزي لقجع من لدن “البام” يتجاوز سؤال الأشخاص والحسابات الانتخابية، ليضعنا أمام سؤال أعمق: هل نحن أمام أزمة للسياسة في المغرب، أم أمام تحول في طبيعة السياسة ذاتها؟

تذهب القراءة الأولى إلى اعتبار هذا السيناريو مؤشرا على أزمة السياسة، وبشكل خاص أزمة الأحزاب التقليدية باعتبارها مؤسسات للوساطة وإبداع الأفكار والبرامج وتكوين النخب وتمثيل مصالح اجتماعية محددة.

فمن حيث المبدأ، يفترض أن تكون الأحزاب فضاءات تتشكل داخلها القيادات عبر النقاش والتنظيم والتنافس الداخلي، قبل أن تعرض نفسها على المواطنين. غير أن الحاجة إلى استقطاب شخصية تكنوقراطية ذات رصيد جاهز من خارج المسار الحزبي قد توحي، سواء في حالة حزب الأصالة والمعاصرة أو غيره، بأن الحزب لم يعد قادرا على إنتاج القيادات السياسية القادرة على حمل مشروعه والدفاع عنه. وهي حالة تؤكد ما ذهب إليه عالم السياسة الإيرلندي، بيتر ماين، كون الأحزاب التي تقترب أكثر من الدولة تبتعد أكثر عن المجتمع، وحينها يصبح الحزب أقل إنتاجا للقيادات وأكثر منصة لإدارة المنافسة الانتخابية فقط.

وفق هذه القراءة، لا تصبح المشكلة في لقجع كشخص أو في كفاءته، بل في ما يكشفه صعوده المحتمل إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة: انتقال مركز إنتاج القيادة من المجتمع والحزب إلى فضاءات أخرى؛ حيث تصبح الخبرة الإدارية والقرب من دوائر القرار في الدولة ورصيد الإنجاز أكثر قدرة على صناعة الزعامة الحزبية من العمل الحزبي السياسي التقليدي المعهود. وهنا تظهر أزمة الوساطة: فالحزب لا يصنع قائده/أمينه العام، بقدر ما يبحث عن قائد جاهز يمنحه القدرة على المنافسة، وبالتالي على الاستمرارية والبقاء.

بل إن الأمر يصبح أكثر حساسية،- إن نحن واصلنا هذا التحليل إلى نهايته-، إذا ارتبط استقطاب شخصية من هذا النوع باحتمال أن تقود الحكومة المقبلة بعد انتخابات شتنبر 2026؛ فإن هذا الاحتمال من شأنه أن يخلق الانطباع لدى المواطنين بأن نتائج الانتخابات المقبلة سيكون دورها أن تشرعن اتجاها سياسيا مرسوم مسبقا أكثر من أن تكون فرصة لاختيار الاتجاه السياسي الأكثر مصداقية وإقناعا بين بدائل حزبية متنافسة.

في السياسة، لا تكمن الأزمة فقط في طبيعة الوقائع التي تحدث فعلا، بل أيضا في التصورات التي يحملها المواطنون أو تتشكل لديهم بفعل الممارسة حول معنى الانتخابات والتصويت وجدواهما.

لكن هناك قراءة ثانية ترى أن الأمر لا يعكس موت السياسة الحزبية التقليدية، بقدر ما يعبر عن تحولها. فالسياسة الحديثة لم تعد تقوم على الانتماءات الإيديولوجية والهويات الحزبية الصلبة أو المغلقة فقط، بل أصبحت أكثر ارتباطا بسؤال الأداء والفعالية والقدرة على حل مشكلات الاقتصاد والمجتمع في عالم يزداد تعقيدا يوما بعد آخر. ومع تعقد تدبير الدولة وتراجع ثقة المواطنين في الخطاب السياسي، أصبح الطلب الاجتماعي يتجه نحو فاعلين يقدمون أنفسهم للناس من خلال الكفاءة والنتائج والقدرة على تدبير الأزمات.

من هذه الزاوية، فإن صعود شخصية مثل لقجع يعبر عن انتقال لافت من “سياسة الانتماء” إلى “سياسة الأداء”، حيث لم يعد السؤال فقط: من تمثل؟ بل أيضا: ماذا تستطيع أن تنجز؟ وفي عالم السياسة الحديث، ثمة صعود نماذج لما بات يسمى “القائد المدير”، وهي نماذج موجودة في عدة دول، مثل إيمانويل ماكرون في فرنسا، تقدم نفسها باعتبارها قادرة على نقل منطق الإدارة والنتائج إلى الدولة.

لكن التحدي الحقيقي في هذا السياق يكمن في القدرة على المصالحة بين منطقين أصبحا يبدوان متباعدين داخل السياسة المعاصرة: منطق التمثيل، ومنطق الإنجاز. فالسياسة التي تحتفظ فقط بخطابها وهوياتها التنظيمية دون قدرة على إنتاج نتائج ملموسة تخاطر بأن تتحول إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر، وتعمّق شعور المواطنين بأن الانتخابات لا تغير واقعهم.

في المقابل، فإن الإنجاز حين ينفصل عن السياسة، أي عن النقاش العمومي والاختيارات السياسية والمشروع المجتمعي، يتحول إلى مجرد تدبير تقني جاف لقضايا الشأن العام، حيث يصبح المواطن مجرد موضوع للسياسات أكثر منه مشاركا في تحديد اتجاهها العام على الأقل.

من هذه الزاوية، لا تقدم حالة فوزي لقجع جوابا تقليديا حول ما إذا كنا أمام أزمة للسياسة أو بداية تحولها، بل تكشف في الجوهر عن طبيعة المعضلة التي تواجه المجال السياسي المغربي اليوم وهي: كيف يمكن إدماج كفاءة الدولة وثقافة النتائج داخل العملية السياسية دون تحويل الأحزاب إلى مجرد أدوات انتخابية للتكنوقراط (لقجع) أو حتى لرجال المال والأعمال كما هو الحال مع نموذج عزيز أخنوش؟ وكيف يمكن في المقابل الحفاظ على معنى التمثيل الديمقراطي دون السقوط في سياسة عاجزة عن الإنجاز؟

لذلك فإن الرهان ليس في الاختيار بين السياسي والتكنوقراطي، أو بين السياسي ورجل المال والأعمال، بل في إنتاج نموذج قادر على الجمع بين الاثنين: سياسة تملك القدرة على الفعل والتعبئة والتمثيل الحر، وإنجاز يستمد شرعيته من مشروع سياسي حقيقي ومن المنافسة المفتوحة. ولعل التحدي الرئيسي الذي يواجه المغرب اليوم يكمن في ابتداع صيغة فعالة للمزاوجة بين المنطقين، من خلال إيجاد صيغة توازن بينهما، لأن لقجع وإن كان مشهودا له بالكفاءة والفعالية بوصفه تكنوقراطيا، فإن التكنوقراطي لا ينجح دائما حين يقتحم عالم السياسة.

خبرة التكنوقراطي لا تكفي

في ضوء التحليل السابق، يظل السؤال الأساسي هو: إذا كان فوزي لقجع قد نجح في بناء صورة التكنوقراطي الفعال والكفء، فهل يستطيع النجاح بالمنطق نفسه داخل عالم السياسة ومكرها؟ هنا تكمن لحظة الاختبار؛ لأن الانتقال من الإدارة إلى السياسة ليس مجرد تغيير في الموقع، بل تغيير لطبيعة الشرعية نفسها.

فالتكنوقراطي يستمد قوته من المعرفة الدقيقة ومن النتائج التي يحققها، أي من خبراته وقدرته على فهم الملفات، وتعبئة الموارد، والفعالية في التنفيذ. لذلك كانت قوة لقجع مرتبطة بصورة الرجل المنتج للحلول، والذي يتحرك داخل الدولة بمنطق الأهداف المقترنة بالنجاعة.

بيد أن رجل السياسة يحتاج إلى موارد إضافية؛ فهو لا يكتفي بالإجابة عن سؤال “كيف ننجز؟”، بل عليه أن يجيب عن أسئلة أكثر تعقيدا في علاقته بمراكز القوى والمصالح وفي علاقته بالمواطنين كذلك، فهو مطالب بأن يبحث باستمرار عن أجوبة مثل: لماذا هذا الاختيار وليس غيره؟ ومن نمثل؟ وما هي المصالح الأولى؟ وأي مشروع مجتمعي ينبغي الدفاع عنه؟

علما أن السياسة ليست مجرّد إدارة للممكن، كما يُقال، بل باتت في زمن الثورة التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، بناء يوميا للمعنى حول هذا الممكن نفسه. صحيح أن لقجع بوصفه رجل الميزانية يستطيع ترتيب الأولويات وفق الموارد المتاحة لديه، لكن رجل السياسة مطالب بشرح هذه الأولويات والدفاع عنها أمام لوبيات وقوى ومراكز نفوذ وأمام الفئات الهشة التي تنتظر وقد لا تعرف كيف تدافع عن مصالحها، وفي الوقت نفسه تحمل الكلفة السياسية والاجتماعية لأي قرار أو خيار، وبناء التوافقات التي تتطلب الترميم المستمر.

من هنا فإن التحدي أمام لقجع، إذا انتقل إلى المنافسة السياسية الحزبية، لن يكون إثبات القدرة على التدبير، فقد راكم خبرات متنوعة من هذه الصورة، وإنما تحويل لغة التقنية والفعالية الكفاءة إلى لغة مقنعة في التمثيلية والشرعية والوساطة السياسية.

عند هذه النقطة فقط، يمكن للتكنوقراطي أن يتحول من مدير ناجح داخل الدولة، إلى زعيم سياسي داخل المجتمع، لكن هذا التجارب السابقة في السياق المغربي تسمح بتوقع هذا السيناريو؟

في السياق المغربي تحديدا، لا تسمح لنا التجارب السابقة بالتفاؤل بل تجعلنا حذرين في توقع تحول رجل تكنوقراطي أو حتى رجل مال وأعمال ناجح إلى زعيم سياسي. فالقاعدة العامة تقريبا تفيد أن التكنوقراط نجحوا بقدر معتبر في حقل الإدارة والدولة، لكنهم قليلا ما نجحوا في تدبير حقل السياسة.

يمثل إدريس جطو مثالا بارزا على ذلك؛ فقد جسد صورة رجل الإدارة والكفاءة في تدبير الملفات الاقتصادية، واستطاع بهذا القدر أو ذاك قيادة أغلبية حكومية غير متجانسة، لكنه لم يتحول إلى زعيم حزبي أو صاحب تيار سياسي ممتد داخل المجتمع. لقد كانت قوة جطو مرتبطة بالثقة في قدرته على حسن التدبير، لا ببناء علاقة تمثيلية مع قاعدة انتخابية واضحة.

أما تجربة عزيز أخنوش فتقدم نموذجا مختلفا نسبيا؛ إذ لم يكتف بالانتقال من موقع رجل المال والأعمال والوزير إلى حقل السياسة، بل استثمر في حزب التجمع الوطني للأحرار وبناء تنظيم انتخابي واسع. ومع ذلك، فإن وصوله إلى رئاسة الحكومة عقب انتخابات 2021، نقل الاختبار من سؤال الكفاءة في التدبير إلى سؤال الشرعية السياسية، ويبدو أن حصيلته في هذا الاختبار محدودة جدا، والدليل على ذلك نهايته غير السعيدة على رأس الحكومة والحزب معا.

من هنا تبدو حالة لقجع، إذا تحقق انتقاله السياسي، أمام الدرس نفسه: رأسمال الدولة والإنجاز يمكن أن يفتح أبواب السياسة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الفاعل السياسي المقتدر. فالزعيم السياسي لا يُقاس فقط بما أنجز قبل دخوله السياسة، بل بقدرته بعد دخولها على بناء هوية سياسية، وإنتاج خطاب مقنع، وتمثيل مصالح اجتماعية واضحة.

لذلك فإن التاريخ السياسي المغربي يوحي بأن الطريق الأسهل أمام التكنوقراطي هو الوصول إلى السلطة، أما الطريق الأصعب فهو التحول إلى زعيم سياسي، وهو درس يجدر بالسيد لقجع التعلم منه بدل تجاهله.