عندما تصبح الكرة جرارا
لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد لعبة أو فضاء للفرجة والترفيه، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر مهم للرأسمال الرمزي، وإلى مجال تتقاطع فيه الرياضة مع الاقتصاد والدبلوماسية والسياسة. فكلما حقق المنتخب الوطني إنجازا، أو نجح المغرب في تنظيم تظاهرة رياضية كبرى، لم تعد الأصداء تتوقف عند حدود الملاعب، بل امتدت إلى تعزيز صورة الدولة ومؤسساتها، وإلى منح القائمين على تدبير القطاع الرياضي مكانة خاصة داخل الرأي العام.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن التحاق فوزي، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة والاحتفالية التي حظي بها، دلالة تتجاوز شخصه. فالقضية لا تتعلق بانتقال مسؤول رياضي إلى حزب سياسي فحسب، وإنما بإمكانية انتقال الرصيد الذي راكمته كرة القدم خلال السنوات الأخيرة إلى المجال الحزبي، وكأن الكرة أصبحت هي الأخرى “جرارا” يجر وراءه الشعبية والأصوات والرهانات الانتخابية. بمعنى آخر، فإن النقاش الحقيقي لن يكون حول أهلية لقجع وحده، وإنما حول الطريقة التي أصبحت بها بعض الأحزاب السياسية تبحث عن قياداتها، وحول طبيعة الحياة الحزبية المغربية نفسها.
نعم ليس جديدا في المغرب أن يصبح حزب سياسي جسرا للعبور نحو رئاسة الحكومة. فقد سبق أن عرف المغرب تجربة عزيز أخنوش، الذي انتقل من وزارة الفلاحة إلى قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، ثم إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2021. غير أن المقارنة بين الحالتين تكشف اختلافا جوهريا. فأخنوش راكم تجربة انتخابية وحكومية طويلة، وقاد حزبه لسنوات، وخاض معارك سياسية وانتخابية متتالية، وتعرض للنقد والمحاسبة قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة. كما أن صعوده كان جزءا من “مشروع” جرى الإعداد له سياسيا وإعلاميا وتنظيميا، بصرف النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة له.
أما فوزي لقجع، فقد ارتبط اسمه أساسا بإدارة كرة القدم، وبـ”قطاع الميزانية” التي يتولى الإشراف عليها، كما ارتبط في المخيال الجماعي ببعض الإنجازات التي حققتها الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة. ومن الطبيعي أن تمنح هذه الإنجازات المسؤول عن تسيير القطاع المعني بها رصيدا من الاعتراف، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان النجاح في تدبير قطاع رياضي، مهما بلغت أهميته، يكفي وحده للانتقال إلى قيادة العمل الحكومي.
فالرياضة والسياسة مجالان مختلفان في منطق الاشتغال وفي طبيعة المسؤولية. في الرياضة تصنع النتائج صورة المسؤول، وتمنحه الانتصارات شرعية رمزية واسعة، بينما تقوم السياسة على إدارة المصالح المتعارضة، واتخاذ قرارات تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتبقى خاضعة باستمرار للمساءلة والمحاسبة. وما يمنح الشعبية في الملعب لا يمنح بالضرورة الشرعية في تدبير الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو التشغيل.
لقد راكم لقجع صورة إيجابية لدى جزء مهم من الرأي العام بفضل الأداء المتميز للمنتخب الوطني في بعض المسابقات الكروية، والمكانة التي أصبحت تحتلها المملكة في تنظيم واستضافة التظاهرات الرياضية القارية والدولية. غير أن تقييم هذه التجربة يقتضي أيضا قدرا من الموضوعية. فالنجاحات الرياضية، مهما كانت قيمتها الرمزية، لا تعفي من مناقشة كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، ولا تمنع من طرح أسئلة حول أولويات الإنفاق العمومي، ومدى انعكاس الاستثمارات الرياضية على التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
كما لا تمنع من أن يظل سؤال الحكامة والمحاسبة قائما، ليس بالضرورة باعتباره تشكيكا في الإنجازات المحققة، وإنما لأنه شرط ملازم لكل تدبير للشأن العام، يقتضي الوقوف على طرق اتخاذ القرار، وشفافية تدبير الموارد العمومية، وآليات تقييم النتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن ألا تتحول النجاحات الرياضية إلى مجال يمنح حصانة سياسية أو يعفي المسؤولين من الخضوع لقواعد الرقابة والمساءلة التي ينبغي أن تسري على جميع القطاعات دون استثناء.
أضف إلى ذلك، أن الإنجاز الكروي المغربي لم يكن ثمرة منظومة محلية خالصة، بل اعتمد بدرجة كبيرة على لاعبين من أبناء الجالية المغربية الذين تلقوا تكوينهم داخل مراكز وأندية أوروبية. وهذه الحقيقة لا تنتقص من قيمة ما تحقق، لكنها تفرض مقاربة أكثر واقعية عند الحديث عن نجاح منظومة التكوين الوطنية. فالمنتخب الذي حقق أفضل النتائج في تاريخ الكرة المغربية ضم بالأساس لاعبين تكونوا خارج المغرب، وهو ما يجعل نسبة الفضل إلى منظومة التكوين المحلية وحدها أمرا يحتاج إلى كثير من التحفظ.
ويزداد الفرق بين المجالين وضوحا عندما يتعلق الأمر بطبيعة الاختبار الذي يواجهه المسؤول. ففي الرياضة قد يكفي الفوز في مباراة أو بطولة لصناعة “بطل شعبي”، وقد يتحول هدف في الدقائق الأخيرة إلى لحظة وطنية جامعة. أما في السياسة، فلا توجد انتصارات نهائية، ولا مباريات تنتهي بصفارة حكم. إنها عملية يومية معقدة، تتداخل فيها رهانات الاقتصاد والاجتماع والسياسة، ويصبح فيها كل قرار موضع نقاش، وكل إصلاح محل جدل، وكل وعد معيارًا للمحاسبة.
ولهذا، فإن الانتقال من تدبير الشأن الرياضي إلى تدبير الشأن الحكومي ليس مجرد انتقال من مؤسسة إلى أخرى، بل هو انتقال من فضاء تحكمه رمزية الإنجاز إلى فضاء تحكمه صعوبة الاختيار. فالحكومة لا تقاس بشعبيتها، وإنما بقدرتها على معالجة البطالة، والحد من غلاء المعيشة، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح والاستقرار الاجتماعي.
غير أن جوهر النقاش لا يتعلق، في نهاية المطاف، بفوزي لقجع كشخص، بل بما تكشف عنه هذه الحالة من أزمة أعمق داخل الحياة الحزبية المغربية. فإذا كانت بعض الأحزاب السياسية تلجأ إلى استقطاب شخصيات ناجحة في الإدارة أو الاقتصاد أو الرياضة، أملا في تحويل نجاحها المهني إلى رصيد انتخابي، فإن ذلك يثير سؤالا مشروعا حول قدرتها على إنتاج قياداتها من داخل مؤسساتها، وعلى تكوين نخب سياسية تتدرج في المسؤولية عبر العمل الحزبي والتأطير والممارسة الديمقراطية.
لقد أصبحت بعض الأحزاب السياسية، في كثير من الأحيان، تبحث عن “المنقذ” أكثر مما تبحث عن المشروع، وعن الشخصية أكثر مما تبحث عن البرنامج، وعن الرصيد الرمزي أكثر مما تستثمر في بناء التنظيم. وبدل أن تكون المدرسة الطبيعية لإنتاج القيادات، تتحول إلى فضاء لاستقطاب شخصيات صنعت حضورها في مجالات أخرى، على أمل أن يتحول ذلك الحضور إلى أصوات انتخابية.
إن الديمقراطيات المستقرة لا تبنى على الزعامات المفاجئة، بل على أحزاب سياسية قوية قادرة على إنتاج قياداتها من داخلها، وعلى إخضاعها للتدرج والتجربة والنقد والمحاسبة قبل أن تدفع بها إلى قيادة الدولة. أما الحزب السياسي الذي يبحث، في كل مرحلة، عن شخصية تحظى بالشعبية أو النفوذ أو الحضور الإعلامي، فإنه يقدم، من حيث لا يدري، اعترافا ضمنيا بضعف بنيته التنظيمية، وبعجزه عن أداء إحدى أهم وظائفه الدستورية، وهي تأطير المواطنين وإعداد النخب القادرة على تحمل المسؤولية.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل النقاش العمومي ليس فقط ما إذا كان فوزي لقجع قادرا على قيادة الحكومة أو غير قادر، هذا إن تحقق، بل ما إذا كانت الأحزاب المغربية لا تزال قادرة على إنتاج قياداتها وبرامجها ورؤاها من داخلها، أم أنها أصبحت تراهن على استيراد الوجوه من خارج المجال السياسي كلما اقترب موعد الانتخابات.
فإذا كانت الكرة قد نجحت في توحيد المغاربة خلف منتخبهم الوطني، فإن السياسة لا يمكن أن تدار بمنطق مدرجات الملاعب ولا بمنطق الانتصارات الرمزية. إنها مجال لتدبير المصالح العامة، وميدان للمساءلة اليومية، واختبار دائم لقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وهكذا، فإن القضية تتجاوز اسم فوزي لقجع، وتتجاوز حتى حزب الأصالة والمعاصرة، لتطرح سؤالا أكبر يتعلق بمستقبل العمل الحزبي في المغرب: هل ستظل الأحزاب السياسية تنتظر في كل مرحلة “بطلا” يأتي من خارجها ليقودها نحو السلطة، أم ستعود إلى وظيفتها الأصلية باعتبارها فضاء لإنتاج الأفكار والبرامج والقيادات؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق النقاش، لأن مستقبل الديمقراطية لا يصنعه بطل فرد، هذا إن وجد، وإنما تصنعه مؤسسات سياسية قادرة على تجديد نفسها، وإقناع المواطنين ببرامجها قبل أسماء مرشحيها.