story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

مشروع قانون المالية لسنة 2027 بدون التمويلات المبتكرة.. كيف ولماذا الآن؟ (1/2)

ص ص

حدد منشور رئيس الحكومة الصادر بتاريخ 05 غشت 2026 في موضوع: “إعداد مشروع قانون المالية للسنة المالية 2027” أربع أولويات لهذا المشروع وهي: توطيد المكتسبات الاقتصادية من أجل تعزيز مكانة بلادنا ضمن الدول الصاعدة؛ والتأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية وفق مقاربة للتنمية المجالية المندمجة؛ ومواصلة توطيد ركائز الدولة الاجتماعية؛ ومواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية.

ومع التنبيه إلى أن هذه الأولويات والمقترحات المرتبطة بها تبقى خاضعة لإعادة الترتيب والتصويب من طرف الحكومة الجديدة التي ستفرزها بحول الله، ثم بإرادة المواطنين والمواطنات، الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، إلا أن الذي يثير الانتباه والاستغراب حقا هو أن رئيس الحكومة أكد بخصوص الأولية الرابعة المرتبطة بالحفاظ على توازنات المالية العمومية، أنه “سيتم مواصلة التحكم التدريجي في عجز الميزانية في%3 من الناتج الداخلي الخام، وضبط حجم المديونية في65% من الناتج الداخلي الخام، دون الاعتماد على المداخيل الخاصة بآليات التمويل المبتكرة”.

ويثير إقحام عبارة “دون الاعتماد على المداخيل الخاصة بآليات التمويل المبتكرة” الانتباه والاستغراب لا سيما إذا ما استحضرنا أن كل قوانين المالية السابقة في عهد الحكومة الحالية اعتمدت بشكل كبير ومستمر على هذه التمويلات، وأن هذه الحكومة ضربت الرقم القياسي في بيع عقارات الدولة وإعادة كرائها، لتحصل وتنفق مبلغ 125,6 مليار درهم بين 2022 و2025، ومن المتوقع أن يبلغ هذا الرقم 160 مليار درهم، إذا ما أضفنا المبلغ المرصود لسنة 2026، أي بمتوسط سنوي يبلغ 32 مليار درهم من الموارد الاستثنائية وما يقابلها من نفقات لم تكن دائما موجهة للاستثمار، وهو ما يزيد عن%2 من الناتج الداخلي الخام سنويا.

ويطرح هذا الإعلان المفاجئ وهذا التخلي في نهاية الولاية الحكومية عن السياسة المالية الحكومية المعتمدة بشكل كبير على التمويلات المبتكرة، وادعاء التحكم في عجز الميزانية وفي نسبة المديونية بدونها، عدة أسئلة لم يجب عليها منشور رئيس الحكومة، الذي تعده للتذكير الوزارة المكلفة بالميزانية، كما يؤكد خلاصات جوهرية بخصوص الطريقة المعيبة التي دبرت بها الحكومة الحالية ووزارتها المكلفة بالميزانية المالية العمومية وما ستخلفه من تحديات كبيرة وتبعات سلبية سبق التنبيه إليها في حينه.

أولا- لماذا أعلن رئيس الحكومة وبشكل مفاجئ وفي نهاية عهدته التخلي عن التمويلات المبتكرة في الوقت الذي سبق وأكدت الحكومة لصندوق النقد الدولي خلال مشاورات المادة الرابعة السنوية بكونها ستعتمد بمعدل سنوي يبلغ ما بين 25 و35 مليار درهم من هذه التمويلات إلى حدود سنة 2030، قبل أن تراجع هذا الرقم وتتوقف عند 15 مليار درهم سنة 2027 خلال مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026؟

ثانيا- ما الذي فعله رئيس الحكومة ووزيره في الميزانية ليعوضوا التخلي عن ما بين 25 و35 مليار درهم سنويا من التمويلات المبتكرة، في مقابل نفقات التسيير والاستثمار الكبيرة التي حملوها الميزانية العامة خلال السنوات الأخيرة، وهي حقوق ناشئة في عهد هذه الحكومة ونفقات مستمرة وغير قابلة للمراجعة أو التقليص؟

ثالثا- ألا يدل هذا الإعلان عن غياب المسؤولية السياسية والمهنية في تدبير المالية العمومية، إذ وبعد أن استسهل رئيس الحكومة ووزيره في الميزانية اللجوء إلى هذه التمويلات الاستثنائية، وانحرفوا بها عن فكرتها الأصلية كوسيلة لتعبئة السيولة المتوفرة لدى المستثمرين المؤسساتيين العموميين لتمويل استثمارات عمومية جديدة، ومروا إلى السرعة القصوى في تفويت الأصول العقارية العمومية الموجودة -وليس لتمويل أصول جديدة، ودون مراعاة كل التنبيهات التي وجهت لهم بكون هذه التمويلات غير مستدامة لا من حيث توفر أصول الدولة التي يمكن تعبئتها وبيعها من جهة، ولا من حيث توفر السيولة لدى المستثمرين من الجهة الأخرى، وكذا بخصوص النفقات الكبيرة والمستدامة وغير القابلة للمراجعة أو التقليص التي بنيت عليها، والإحساس الكاذب بالوفرة المالية ووهم التحكم في عجز الميزانية وحجم المديونية من خلال المبالغ الكبيرة التي تم تحصيلها أو يتوقع تحصيلها، ليعلن الآن نهاية الاعتماد على هذه التمويلات؟

رابعا- ما هو جديد رئيس الحكومة ووزيره في الميزانية في المنشور المذكور ليعوض تخلي الميزانية العامة عن المداخيل الخاصة بآليات التمويل المبتكرة؟ والجواب قطعا لاشي! إذ وباستثناء إعلان نوايا تحت عنوان جديد وعام ينص على أنه “وإدراكًا لأهمية تعزيز التوازنات المالية واستعادة الهوامش الضرورية لتنزيل الإصلاحات الكبرى والأوراش التنموية، سيجعل مشروع قانون المالية لسنة 2027، من استدامة المالية العمومية وترسيخ السيادة المالية الوطنية أولوية محورية”؛ وأنه “لهذه الغاية، يتعين ترشيد النفقات العمومية وعقلنتها، وترشيد موارد الدولة وفق مقاربة تقوم على التوفيق بين الطموحات المشروعة والإمكانات المالية المتاحة بما يضمن استدامة التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية”، فإن باقي التوجهات الأساسية التي ألزم بها المنشور القطاعات الوزارية عند تقديم مقترحاتها لم تأت بأي جديد يذكر خارج ما جرى به العمل ودأبت على تكراره كل المناشير السابقة برسم إعداد مشاريع قوانين المالية للسنوات المالية من 2022 إلى 2026، من خلال توصيات عامة بضبط نفقات الموظفين؛ وعقلنة نفقات المعدات والنفقات المختلفة؛ وتحسين فعالية نفقات الاستثمار، والتي وبالأكيد لن توفر ما من شأنه أن يعوض التخلي عن المبالغ الكبيرة التي حصلتها الحكومة من هذه التمويلات.

خامسا- لكل ما سبق، وبعد أن اكتشف رئيس الحكومة ووزيره في الميزانية متأخرين أنه ينبغي “التوفيق بين الطموحات المشروعة والإمكانات المالية المتاحة”، كيف لهم أن يحققوا ما أعلنوا عنه من أهداف بخصوص التحكم في عجز الميزانية في%3 من الناتج الداخلي الخام، وضبط حجم المديونية في65% من الناتج الداخلي الخام، دون الاعتماد على المداخيل الخاصة بآليات التمويل المبتكرة، وهي التي فاقت%2 من الناتج الداخلي الخام سنويا، ولولاها لما تراجعت نسبة عجز الميزانية والمديونية إلى النسب الإسمية المعلنة؟

وتفضي هذه الأسئلة إلى خلاصات أساسية لا بد من التذكير بها حول مسؤولية الحكومة الحالية عن التدبير المعيب للمالية العمومية وتسويق أرقام غير دقيقة عن عجز الميزانية وحجم المديونية بفعل احتساب هذه التمويلات الاستثنائية وغيرها من التمويلات، وهو ما سنتطرق له في الجزء الثاني والأخير من هذا المقال.