story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

سبتة.. مغرب أوروبا حين نفتخر، ومغرب إفريقيا حين نحاسب

ص ص

“ليس من العيب أن يكون المغرب أفضل من كثير من دول إفريقيا، وليس من العيب أن يكون أقل من بعض الدول الأوروبية؛ العيب أن نستخدم إفريقيا معيارا لتبرير التأخر، وأوروبا معيارا للاحتفال بالتقدم”.

ربما كانت أحداث سبتة الأخيرة، بكل ما أثارته من نقاش حول الهجرة والشباب والحدود، مناسبة لإعادة طرح سؤال يتجاوز لحظة العبور نفسها: “كيف ينظر المغربي إلى بلده، وبأي معيار يقيس المسافة بين واقعه وبين ما يطمح إليه؟” فخلف صور الشباب الذين حاولوا الوصول إلى الضفة الأخرى، لا يوجد فقط سؤال عن الهجرة أو عن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعضهم إلى المخاطرة، وإنما يوجد أيضا سؤال عن صورة المغرب في وعي مواطنيه، وعن التناقض الذي يطبع أحيانا الطريقة التي نقدم بها بلدنا لأنفسنا وللآخرين.

ذلك أن المغرب يبدو، في الخطاب العام، وكأنه ينتقل بين معيارين مختلفين للمقارنة. فعندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية والمشاريع الكبرى، يجري الحديث بفخر عن بلد قطع أشواطا كبيرة، وأصبح يمتلك موانئ وطرقا ومطارات وقطارا فائق السرعة ومناطق صناعية وقدرات لوجستية وصناعية تجعله، في بعض المجالات، قريبا من المعايير الأوروبية، بل قادرا على منافسة عدد من الدول المتقدمة. وعندما ينتقل الحديث إلى الفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية، يتغير الخطاب، ويقال للمواطن إن المقارنة العادلة تقتضي أن ينظر إلى محيطه الإفريقي، وأن المغرب لا يمكن أن يقارن نفسه بدول أوروبا التي قطعت مسارا تاريخيا مختلفا.

في ظاهر الأمر قد يبدو ذلك منطقيا؛ فلكل مقارنة سياقها، ولكل دولة نقطة انطلاق مختلفة. لكن المشكلة لا تكمن في المقارنة بأوروبا أو بإفريقيا في حد ذاتها، وإنما في “انتقائية المعيار”. فحين تصبح أوروبا مرآة نستخدمها لإظهار النجاح، وإفريقيا مرآة نستخدمها لتفسير التعثر، فإن المواطن لا يعود أمام مقارنة تنموية واضحة، وإنما أمام خطاب يتغير بحسب السؤال المطروح.

والمفارقة هنا أن المغرب ليس في حاجة أصلا إلى هذا التناقض. فقد حقق خلال العقود الأخيرة تحولات حقيقية لا يمكن إنكارها. البنية التحتية تغيرت بصورة عميقة، وتطورت الموانئ والطرق والمطارات، وبرزت قطاعات صناعية جديدة، وأصبح المغرب فاعلا اقتصاديا مهما في القارة الإفريقية، كما نجح في جذب استثمارات وشركات عالمية وجعل من موقعه الجغرافي ورأسماله البشري وأوراشه الكبرى عناصر قوة حقيقية. ولذلك فإن الاعتراف بهذه المنجزات ليس مجاملة، كما أن مقارنتها بتجارب أوروبية في بعض المجالات ليست مبالغة بالضرورة.

لكن الدولة لا تُقاس بما تبنيه فقط، وإنما بما يشعر به المواطن وهو يعيش داخل هذا البناء. فالطريق الحديثة لا تلغي مشكلة البطالة، والميناء المتطور لا يعالج وحده اختلالات التعليم، والمنطقة الصناعية الناجحة لا تكفي وحدها إذا ظل جزء من الشباب يشعر بأن الانتقال من الدراسة إلى العمل أشبه بعبور منطقة مجهولة، كما أن ارتفاع مؤشرات الاستثمار لا يعني تلقائيا أن ثمار النمو توزع بالطريقة التي تجعل المواطن يشعر بأن موقعه في المجتمع يتحسن بالسرعة نفسها.

وهنا تحديدا تكمن صعوبة اللحظة المغربية الحالية: “هناك مغرب يتقدم بسرعة في بعض المؤشرات، ومغرب آخر لا يشعر مواطنوه بأن هذه السرعة وصلت إلى تفاصيل حياتهم اليومية بالقدر نفسه”. وليس في ذلك تناقض بالضرورة، فالتنمية بطبيعتها غير متساوية، لكن المشكلة تبدأ عندما نرفض الاعتراف بالفجوة أو نحاول معالجة السؤال الاجتماعي بمجرد تغيير معيار المقارنة.

فالمواطن لا يعيش في مؤشرات منفصلة. إنه يرى الطريق والمستشفى والمدرسة وسوق الشغل في تجربة واحدة. ولا يستطيع، حين يقارن حياته، أن يقول: سأقارن البنية التحتية بأوروبا، لكن سأقارن الدخل بإفريقيا، وسأقارن التعليم بدولة نامية، ثم أعود إلى أوروبا عندما يتعلق الأمر بالاتصال الرقمي. إنه يريد، ببساطة، أن يعرف هل حياته تتجه نحو الأفضل أم لا، وهل الدولة التي تطلب منه أن يثق بها تسير بالفعل في الاتجاه الذي تعده به.

وهذا ما يجعل أحداث سبتة أكثر من مجرد واقعة حدودية. فالشاب الذي ينظر إلى الضفة الأخرى لا يرى موانئها ومطاراتها ولا تهمه سككها الحديدية وبنيتها التحتية بقدر ما تهمه في أحيان كثيرة، صورة مختلفة لما يمكن أن تكون عليه الحياة. قد تكون تلك الصورة مثالية أو مبالغا فيها، وقد لا تعكس حقيقة أوروبا بكل مشاكلها، لكن تأثيرها النفسي لا يرتبط بالدقة الإحصائية. فالأجيال الجديدة تعيش في عالم مفتوح على الصور والمعلومات والمقارنات اليومية، ولم يعد ممكنا أن تطلب منها أن تقيس نفسها فقط بما كان متاحا لأجيال سابقة أو بما يوجد في البلدان المحيطة بها.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: “كلما نجحت الدولة في رفع صورة المغرب، ارتفعت توقعات مواطنيها”. فحين نقول إن لدينا بنية تحتية تضاهي أفضل النماذج، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن لماذا لا تنعكس المعايير نفسها على المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق العمل. وحين نقدم المغرب باعتباره منصة صناعية ولوجستية عالمية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الشاب عن موقعه هو داخل هذه المنظومة، وعن عدد الفرص التي تخلقها هذه المشاريع بالنسبة إليه، وعن سبب شعوره أحيانا بأن الاقتصاد الذي يراه في الأخبار ليس هو الاقتصاد الذي يعيشه في حيه وبيته.

ولهذا فإن المسألة في جوهرها ليست اقتصادية فقط، وإنما تتعلق أيضا بـ”الثقة في المؤسسات”. فالثقة لا تُبنى على الإنجازات وحدها، وإنما على اتساق الخطاب مع التجربة. وهنا تكتسب خلاصة “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “الثقة: الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار” أهميتها؛ إذ يرى أن الثقة والفضائل الاجتماعية ليستا مجرد قيم أخلاقية، بل رصيدا أساسيا في قوة المجتمعات وقدرتها على بناء مؤسسات واقتصاد أكثر فاعلية. ومن تم، فإن الثقة ليست نتيجة ثانوية للتنمية، وإنما إحدى شروط استمرارها، فقد يتقبل المواطن أن يكون بلده أقل تقدما من أوروبا في مجالات كثيرة، بل قد يتقبل ذلك بسهولة إذا شعر أن الدولة تعترف بالفجوة وتعمل بوضوح على تقليصها. لكنه يصبح أقل استعدادا لتقبل خطاب يقول له، بصورة ضمنية: عندما نفتخر نحن نقارن أنفسنا بالأفضل، وعندما تطالب أنت بالأفضل، يطلب منك أن تنظر إلى من هم أسوأ.

والحل ليس أن نتوقف عن المقارنة، بل أن نجعل المقارنة أكثر نضجا. يمكن للمغرب أن يقارن نفسه بالدول الإفريقية لكي يعرف أين يقف داخل قارته، وأن يقارن نفسه بأوروبا لكي يعرف حجم الفجوة التي يريد ردمها، وأن يقارن نفسه بأفضل التجارب العالمية حتى يرفع سقف طموحه. لكن الأهم من ذلك كله أن يقارن نفسه بنفسه: أين كان قبل عشر سنوات؟ ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ وما الذي ينبغي تغييره؟

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نستخلصه من سبتة. ليس السؤال فقط: لماذا أراد هؤلاء الشباب العبور؟ وإنما أيضا: “لماذا لم يجد بعضهم في المستقبل داخل بلده ما يكفي من الإغراء حتى يختار البقاء؟” فالهجرة لا تبدأ دائما عند الحدود؛ أحيانا تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يفقد الإنسان الإحساس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

فالمغرب لا يحتاج إلى أن يختار بين أوروبا وإفريقيا كي يثبت نجاحه. إنه يحتاج فقط إلى معيار واحد لا يتغير بتغير الموضوع: أن يكون كل عام أفضل من العام الذي سبقه، وأن تكون الفجوة بين صورة المغرب التي نقدمها للعالم، وحياة المواطن التي يعيشها في الداخل، تضيق لا تتسع.

وعندما يحدث ذلك، لن تكون سبتة مجرد حدود تفصل بين ضفتين، وإنما ستصبح ذكرى لمرحلة أدرك فيها المغرب أن بناء الطرق والموانئ والمصانع مهم، لكن “بناء الأمل في نفوس مواطنيه هو البنية التحتية الأهم”.