story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

حظر المكالمات التسويقية بفرنسا.. قطاع مراكز الاتصال بالمغرب يواجه شبح الإفلاس وتشريد آلاف العمال

ص ص

تواجه مراكز الاتصال في المغرب قلقا إثر اعتماد فرنسا تشريعاً قانونيا جديدا يهدف إلى كبح جماح المكالمات الهاتفية التسويقية غير المرغوب فيها، والتي تثير استياء واسعا بين المواطنين الفرنسيين.

ومن المقرر أن يدخل هذا القانون، الذي جرى اعتماده في 30 يونيو 2025، حيز التنفيذ الفعلي في 11 شتنبر المقبل، ويفرض التشريع الفرنسي الجديد قاعدة صارمة ومباشرة تُحظر بموجبها جميع مكالمات الاستكشاف التجاري والتسويق الهاتفي، ما لم يحصل المتصل مسبقا على موافقة صريحة وموثقة من العميل المستهدف.

وأثار هذا التعديل التشريعي، بحسب الصحيفة الفرنسية لوموند، مخاوف هائلة داخل الأوساط الاقتصادية والنقابية في المغرب، وسط تحذيرات جادة من تداعيات اجتماعية كبرى قد تعصف بآلاف العاملين في هذا القطاع الحيوي.

من جانله، كشف يونس سكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، عن رقم يشير إلى أن ما بين 40,000 و50,000 منصب شغل في مراكز الاتصال في المغرب.

وأوضح المسؤول الحكومي في تصريحات للصحيفة نفسها، أن السوق الفرنسية تمثل العصب الحيوي للقطاع، إذ تستحوذ وحده على أكثر من 80% من إيرادات مراكز العلاقات مع الزبناء “العابرة للحدود” (offshore).

ورغم هذه التبعية الهيكلية الكبيرة للسوق الفرنسية، يرى مراقبون أنه يصعب قياس الحجم الدقيق للخسائر المرتقبة، نظرا لكون حدود هذا القطاع تظل غامضة وغير مضبوطة في كثير من الأحيان.

ومن جانبه، استنكر أيوب سعود، الأمين العام للفدرالية الوطنية لمراكز الاتصال ومهن ترحيل الخدمات، ما وصفه بـ “الغياب المحير” للبيانات الإحصائية الحكومية الرسمية التي توثق واقع القطاع بدقة.

وأعرب سعود لصحيفة لوموند عن اعتقاده بأن الأرقام التي أعلنتها الوزارة قد تكون أقل بكثير من الواقع المرير، مشيرا إلى أن المندوبية السامية للتخطيط والمرصد الوطني للتشغيل يعجزان عن توفير أرقام دقيقة وشاملة.

وكشف المسؤول النقابي عن معطيات صادمة تفيد بأنه على الرغم من وجود أكثر من 600 مركز اتصال مرخص له رسميا بالعمل في البلاد، فإن هناك العديد من المراكز الأخرى التي تشتغل عشوائيا ودون ترخيص قانوني.

وبنا على هذه المعطيات، يتوقع الخبراء أن تكون الشركات والمراكز الصغيرة هي الضحية الأولى للقانون الجديد، حيث تبدو الأكثر عرضة لخطر “التوقف التام عن النشاط” والإفلاس السريع.

وفي المقابل، يبدو المشهد مغايرا بالنسبة للمجموعات الكبرى؛ حيث يرى مستشار في تطوير الأعمال بالدار البيضاء أن هذه الشركات استبقت الأزمة منذ عام 2019 عبر تنويع أنشطتها لتشمل خدمات الدعم التقني، وخدمات ما بعد البيع، واستقبال المكالمات (Inbound).

أما مراكز الاتصال الصغيرة المتكاثرة في مختلف المدن المغربية، فتجد نفسها اليوم غير مستعدة تماما للمواجهة، بسبب اعتمادها الشبه حصري على سوق التسويق الهاتفي الموجه مباشرة نحو المستهلك الفرنسي.

وفي شهادة ميدانية، يرى أنس بنبراهيم، وهو وكيل هاتف متقاعد قضى 22 عاما في القطاع، أن القانون الفرنسي الجديد ليس سوى مسرع لنهاية حتمية بدأت منذ سنوات بسبب تذمر الفرنسيين من إزعاج المكالمات.

وتوقع بنبراهيم حدوث “صدمة قوية” للقطاع في الأشهر المقبلة، مرجحا أن تتكيف الشركات المتبقية في النهاية عبر الهجرة نحو أسواق دولية أقل قيودا أو التحول نحو تخصصات مهنية ورقمية أخرى.

وأشارت الصحيفة إلى المخاوف النقابية من موجة تسريحات قاسية للعمال الذين يمثلون “الحلقة الأضعف”، مستحضرين واقعة إغلاق شركة “بول وجوزيه” (Paul & José) في ماي 2025، والتي تركت 60 موظفا في الشارع دون أجور أو تعويضات.

ورغم أن القانون المغربي يضمن تعويضات الفصل، إلا أن فرضه على الشركات الأجنبية يظل أمرا معقدا، مما يضاعف هشاشة الموظفين، ولا سيما العمال المهاجرين غير النظاميين المنحدرين من دول جنوب الصحراء.

وتحمل النقابات أرباب العمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذه الأزمة، بسبب جشعهم الاقتصادي واكتفائهم بالاستفادة من الامتيازات الضريبية وانخفاض تكلفة اليد العاملة، دون استشراف تحولات السوق أو الاستثمار في تكوين وتطوير مهارات أجرائهم.

كما لا تسلم الحكومة من حبل الانتقادات، حيث يواجه المسؤولون اتهامات بضعف الرقابة على قطاع حيوي يساهم رسميا بما بين 10 و12 مليار درهم سنويا في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ودون وضع خطط استباقية لحمايته من التبعية الخارجية.

ورغم إعلان وزارة الشغل عن استراتيجية جديدة لإنقاذ القطاع عبر الانفتاح على أسواق في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وإدماج الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذه الإعلانات لم تقنع الفاعلين على أرض الميدان؛ إذ يعلق سعود قائلً: “لا أرى أي إجراءات ملموسة لفائدة العمال”.

ويرى سعود أن هذه المبادرات “لا ترقى إلى مستوى حجم الأزمة”، داعيا إلى وضع ضمانات لتنظيم المستثمرين الأجانب: “لا يمكننا الاستمرار مع شركات أجنبية تأتي إلى المغرب للاستفادة من الامتيازات والحوافز، ثم تغلق أبوابها بين عشية وضحاها تاركة الموظفين بلا شيء”.

كما أثار في الختام قضية أوسع تتعلق بالسيادة الاقتصادية، مؤكدا: “نحن بحاجة إلى أن نكون أقل تبعية للقرارات التي تُتخذ في الخارج”.