story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

تصعيد المحامين لم يمنع تمريره.. ماذا وراء إصرار الحكومة على قانون المهنة؟

ص ص

رغم أشهر من الاحتجاجات المتواصلة، والتوقفات الشاملة عن العمل، والوقفات الوطنية، وصولاً إلى الاعتصام المفتوح أمام البرلمان، نجحت الأغلبية الحكومية في تمرير مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، في خطوة تفتح نقاشاً واسعاً حول دلالات هذا المسار التشريعي، وحدود المقاربة التشاركية في إعداد القوانين المنظمة للمهن، وطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات المهنية المستقلة.

ولم يقتصر النقاش على مضمون القانون الجديد، بل امتد إلى الكيفية التي جرى بها اعتماده، بعدما اتهمت جمعية هيئات المحامين بالمغرب الحكومة بـ”فرض منطق الأغلبية وتجاهل الملاحظات التي قدمها المحامون خلال مختلف مراحل إعداد المشروع”، معتبرة أن ما جرى يمثل “اغتيالاً تشريعياً” لمكتسبات المهنة واستقلاليتها.

وجاءت المصادقة على القانون في وقت كانت فيه الساحة المقابلة لمبنى البرلمان تحتضن اعتصاماً مفتوحاً غير مسبوق، شارك فيه نقباء ممارسون وسابقون وأعضاء مجالس الهيئات، إلى جانب استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، في محاولة للضغط من أجل سحب المشروع أو تعديله.

غير أن هذه الخطوات الاحتجاجية لم تمنع البرلمان من استكمال المسطرة التشريعية، ما يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن مفهوم المقاربة التشاركية، التي ينص عليها الدستور في إعداد السياسات العمومية والقوانين، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص تمس مهناً منظمة ذاتياً، مثل مهنة المحاماة، التي تعتبر استقلاليتها جزءاً من ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.

توجه تشريعي نحو التضييق

في هذا الصدد، يرى المحامي بهيئة الدار البيضاء، محمد أغناج، عضو الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة، أن الإصرار على تمرير مشروع القانون “يندرج ضمن التوجه العام الذي طبع الولاية التشريعية الحالية، والمتمثل في إقرار عدد كبير من القوانين التي تحمل طابع السلطوية والتحكم، وتضييق هوامش الحرية”. وأضاف أن هذا التوجه شمل “معظم القوانين المؤطرة للمهن المنظمة، ولا سيما المهن الحرة”.

ويعتبر أغناج، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن ما ميز مسار التشريع الخاص بمهنة المحاماة عن غيره من النصوص هو “المقاومة المنظمة والمؤسساتية التي أبان عنها المحامون”، موضحاً أنهم “رفضوا وما زالوا يرفضون أي تشريع يمس المبادئ الكونية المميزة لمهنة المحاماة”.

وأشار إلى أن السلطة الحكومية “لجأت إلى عدة أساليب من الضغط والالتفاف، من بينها ترويج إشاعات مغلوطة لتبرير مقتضيات غير منسجمة”، مضيفاً أن مسار المشروع “عرف تقطيعات وترقيعات وتعديلات وإضافات وحذفاً في مختلف مراحله التشريعية”.

ويرجح المتحدث أن الجدل لن ينتهي مع المصادقة على القانون، معتبراً أن الملف “سيعرف جولات أخرى من النضال والممانعة إلى حين إيجاد حلول لأهم الإشكالات التي يتضمنها هذا النص”.

وشدد على أن القضية “ليست صراع قوة بين المحامين والمؤسسات الحكومية والتشريعية”، بل هي، بحسب تعبيره، “بحث عن تشريع أفضل يضمن حق المتقاضين في محاكمة عادلة، وولوج مستنير ومتبصر إلى العدالة، ودفاع مهني قوي وفعال يساهم في تحقيق العدالة”، مؤكداً أن هذا الهدف “ينبغي أن يكون محور اهتمام الجميع، من محامين ومؤسسات، وكذلك المتقاضين والمجتمع المدني”.

إصرار بهدف تطويع المحاماة

من جانبه، يصف المحامي بهيئة الرباط محمد اشماعو الوضع الراهن بأنه “مسألة انتقام أو تطويع” تهدف إلى إخضاع مهنة المحاماة لما سمّاه “دار الطاعة الإدارية”. كما حذر من أنه في حال ضرب الإطار المؤسساتي للمحامين، فلن يتمكنوا مستقبلاً من الاستمرار في طليعة المدافعين عن حقوق الإنسان وحريات المواطنين ومصالحهم.

ورأى اشماعو، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن المحاماة “يجب أن يديرها ويؤطرها تنظيم ذاتي يتماشى مع خصوصيتها، بما يضمن استقلالها عن كافة أجهزة الدولة”. وأوضح أن ما دفع المحامين إلى هذا “التصعيد غير المسبوق” هو المساس بهذه الاستقلالية، مشيراً إلى أن التصعيد سيستمر إلى حين الاستجابة لمطالبهم، وإلا فإنه “ستليه أشكال أخرى أكثر تصعيداً لأن الأذى الذي لحق مهنة المحاماة غير مسبوق”، بحسب تعبيره.

ومن أبرز معالم ذلك، “التدخل السافر في التنظيم الذاتي من خلال محاولة إلغاء فئة النقباء من التمثيلية”، إلى جانب اضطراب المسار التشريعي، والذي تمثل في “ظهور نسخ متعددة للمشروع”؛ إذ بعد توافق مبدئي على مسودة معينة، “خرج وزير العدل (عبد اللطيف وهبي) بمشروع يضرب استقلالية المهنة ويجعلها تابعة لوزارة العدل في بعض الإجراءات”.

ورغم “تدخل رئيس الحكومة للوصول إلى صيغة تراعي المواثيق الدولية وصورة المملكة”، بحسب شماعو، إلا أن هذه الصيغة واجهت ما وصفه بـ “المقصلة” داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب.

ويتهم المتحدث وزير العدل عبد اللطيف وهبي بإدخال تعديلات شفهية مفاجئة وغير مسبوقة في تاريخ التشريع. كما ينتقد دور الأحزاب السياسية، معتبراً أن قوى المعارضة والأغلبية داخل البرلمان ساهمت فيما وصفه بـ “ذبح مهنة المحاماة” من خلال المصادقة على تعديلات بمجلس المستشارين “لم تكن أبداً محل نقاش في مراحل إعداد المشروع أو المسودة”، مشيراً إلى أن هذه التعديلات حولت قانون المهنة إلى “قانون هجين” يفقدها استقلاليتها ويضرب المبادئ الدولية في الصميم.

لم تتوقف جمعية هيئات المحامين عند حدود الاحتجاج الداخلي، إذ أعلنت، عقب رفع الاعتصام المفتوح، انتقالها إلى مرحلة جديدة من التصعيد، عبر إطلاق مسار للترافع الدولي قبل 15 يوليوز الجاري، وتنظيم لقاءات مع هيئات حقوقية ومهنية دولية، إلى جانب اقتراح إدراج ملف استقلالية المحاماة بالمغرب ضمن أشغال المؤتمر الدولي للمحامين المرتقب تنظيمه بمدينة مراكش.

في المقابل، تتمسك الحكومة ووزارة العدل بأن مشروع القانون يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة، في حين يرى المحامون أن عدداً من المقتضيات الجديدة تمس جوهر التنظيم الذاتي للمحاماة، وتمنح وزارة العدل صلاحيات يعتبرونها تدخلاً في شؤون المهنة.

بداية مرحلة جديدة من المواجهة

وصادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، يوم الثلاثاء 07 يوليوز 2026، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في إطار قراءة ثانية؛ إذ حظي المشروع بتأييد 6 مستشارين برلمانيين، وامتناع مستشار برلماني واحد عن التصويت، بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي.

وخلال جلسة التصويت، أفاد وهبي بأن الوزارة تنكب على جمع مختلف التدوينات والكتابات الصادرة عن عدد من المحامين بشأن مشروع القانون، مشيراً إلى أنها ستخضع للدراسة، لأنها تتضمن، بحسب قوله، “مخالفات تأديبية وأخلاقية، بل وجنائية أيضاً”.

وقال وزير العدل: “إما أن نحيل هذه التجاوزات على النيابة العامة أو لا نحيلها، وسنستشير في ذلك رئيس الحكومة، فالأمر يتعلق ببعض الألفاظ التي تمس بالاحترام الواجب لمؤسسات الدولة والمؤسسات الدستورية، وفق الفصلين 263 و265 من القانون الجنائي، ولذلك يجب أن تعود الأمور إلى مجراها الصحيح”.

كما اعتبر وهبي أن ما آلمه أيضاً هو “حديث رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن كون المحامين غير معنيين بهذا القانون الذي نصادق عليه”، معتبراً أن ذلك يشكل “عصياناً مدنياً صادراً عن مؤسسة من مؤسسات الدولة”.

وفي تدوينة عنونها بـ”السجن أهون على المحامي الحر من التخلي عن كرامته واستقلاليته”، اعتبر المحامي بهيئة القنيطرة، رشيد أيت بالعربي، أن تصريحات وزير العدل بشأن دراسة إمكانية متابعة عدد من المحامين تأديبياً أو جنائياً بسبب آرائهم “لم تكن محل استغراب” بالنسبة للمحامين، معتبراً أن الوزير “يتوهم أنه انتصر على المحامين في معركتهم من أجل قانون المهنة، وأن الساحة خلت للمرور إلى مرحلة ثانية لترويض المحاماة”.

وقال أيت بالعربي إن المحامين “خاضوا معركة شرسة ضد السلطتين التنفيذية والتشريعية” انتهت بالمصادقة على مشروع القانون، مشيراً إلى أن عدداً من المحامين تناولوا بالمناقشة والتحليل والنقد الحاد مكامن الخلل في المشروع، وانتقدوا بشدة تأثيره على الممارسة المهنية، كما انتقدوا طريقة تمريره داخل البرلمان و”كيفية تواطؤ هاتين السلطتين من أجل تمرير هذا المشروع في وقت قياسي لدرجة أصبح هذا الأخير ككرة التنس يتم تقاذفها بين لجنتي العدل والتشريع داخل البرلمان والجلسة العامة لكل منهما في ظرف وجيز وبسرعة مريبة دون أدنى نقاش حقيقي”.

وأضاف أنه سيكون من سوء التقدير الاعتقاد بأن المحامين “كانوا سيكتفون بمشاهدة معاليه (الوزير) ‘كيتبورد’ عليهم وعلى المحاماة في حلبة فارغة محاولاً نزع استقلاليتهم وحصانتهم، وينتظرونه حتى يشيعها إلى مثواها الأخير”، معتبراً أن “إصرارهم على مواصلة الاحتجاج بعد انتهاء المسطرة التشريعية يؤكد تمسكهم بالدفاع عن استقلالية المهنة”.

وشدد على أن المحامين “جاهزون لهذه المرحلة الجديدة”، مضيفاً أن “السجن أهون على المحامي الحر من التخلي عن كرامته واستقلاليته”، قبل أن يؤكد، في المقابل، أن وزير العدل “عليه أيضاً أن يكون مستعداً للرد أمام القضاء بشأن إهانات متكررة للمحامين ومؤسساتهم، وترويج وقائع كاذبة بقصد التشهير بهم”.