الدولة الترابية في قبضة أم الوزارات
شكلت مصادقة المجلس الوزاري الأخير على “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة” محطة مفصلية في مسار تطور السياسات العمومية بالمغرب، ليس فقط من حيث حجم الاستثمار المرصود أو امتداد البرنامج الزمني (2026-2034)، بل أساسا من حيث التحول في فلسفة التدخل العمومي.
فبعد سنوات من الاعتماد على مقاربات قطاعية ومجزأة، يبرز هذا البرنامج كتعبير عن توجه جديد يجعل المجال الترابي إطارا مرجعيا لإنتاج السياسات، ويضع العدالة المجالية في قلب الأولويات الاستراتيجية للدولة.
ورش جديد لا شك أنه يندرج في سياق أوسع يتقاطع مع مسلسل تنزيل الجهوية المتقدمة، وتفعيل توصيات النموذج التنموي الجديد، والتحولات المرتبطة بإعادة تعريف دور الدولة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
في ضوء ذلك، يبدو أننا إزاء برامج للتنمية الترابية لا تمثل مجرد سياسة تنموية جديدة ترتكز على المجال الترابي فقط، بل تعكس تحولا أعمق في نمط اشتغال الدولة نحو ما يمكن تسميته بـ”الدولة الترابية”، والتي تعيد تموقعها وتُعيد إنتاج مركزيتها عبر أدوات تنموية ومقاربات ترابية.
ما يضع المخطط لهذه البرامج في مواجهة الإشكال التالي: هل نحن أمام برامج تنموية تسعى فعلا للعدالة المجالية والاجتماعية أم أننا إزاء محاولة أخرى لإعادة تشكيل الدولة المركزية في صيغة جديدة مؤطرة ترابيا فقط؟
صعود الدولة الترابية
ارتبط صعود الدولة الترابية في السياق المغربي بثلاث تحولات أساسية: الأول، تبني خيار الجهوية، خصوصا بعد 1997، ويمكن تحليله كمسار عرف تقدما بطيئا ومتعرجا، لكنه يتقدم خصوصا على المستوى القانوني والمؤسساتي. تفترض الجهوية أن المجال قد أصبح وحدة للتحليل والسياسات، وهو ما يقتضي إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة والمجال. وفق هذا المنظور، يُفترض أن يعكس هذا التحول ذاته تغيرا في فلسفة الحكم، بأن تقتنع الدولة المركزية بأنها لم تعد الفاعل الوحيد الذي يقرر وينفذ وحده، بل عليها أن تعترف بالتنوع المجالي، وأن تدخل في شبكة من العلاقات مع فاعلين ترابيين (جهات، جماعات، فاعلون اقتصاديون ومدنيون)، حيث يفترض إنتاج السياسات بشكل تشاركي وتفاوضي، واعتماد حكامة متعددة المستويات، وبالتالي تقاسم السلطة بين المركز والمستويات الترابية، مع بقاء الدولة في موقع التوجيه الاستراتيجي والتنسيق. فالدولة لا تنسحب، بل تعيد تموقعها من فاعل مباشر إلى منسق ومؤطر.
غير أن هذا التصور يفترض فهم المجال ليس كمعطى جغرافي محايد، بل كبناء اجتماعي وسياسي. فالمجالات الترابية تُنتج عبر السياسات العمومية، والاستثمارات، وتبعا لموازين القوي بين الفاعلين على الصعيد المحلي أيضا. لذلك، فإن التحول من نموذج الدولة المركزية إلى نموذج الدولة الترابية يقتضي ليس فقط نقل الصلاحيات، بل أيضا إعادة إنتاج المجال بشكل أكثر عدالة، عبر سياسات تستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، أي القطع مع “مغرب السرعتين”.
التحول الثاني: تمثل في بروز مطلب العدالة المجالية في الخطاب السياسي المغربي، وخصوصا بعد اعتماد دستور 2011، بحيث لم يعد النقاش محصورا في التوزيع الاجتماعي للموارد أو الفرص بين الأفراد، بل امتد ليشمل توزيع الموارد والخدمات عبر المجال الترابي. لأن العدالة لا تتحقق فقط عبر سياسات اجتماعية تقليدية تستهدف على نحو مجزأ هذا القطاع أو ذاك (الصحة، التعليم،..)، بل تقتضي إعادة النظر في الكيفية التي تُوزع بها البنيات التحتية، والاستثمارات، والخدمات العمومية بين مختلف مناطق المغرب. فالمجال ليس مجرد خلفية محايدة، بل عنصر حاسم في إنتاج اللامساواة أو الحد منها، بحيث يمكن أن يؤدي التركيز على المدن الكبرى إلى تهميش الأطراف والمناطق القروية، وأحيانا إنتاج التهميش داخل الجهة نفسها بين المدن والبوادي. إن الربط في التحليل بين الجغرافيا والسياسات العمومية يكشف كيف أن اختيارات الدولة في توطين المشاريع، أو توزيع الموارد، أو بناء البنيات التحتية، قد أدى طيلة سنوات مضت إلى خلق بضع مراكز جذب تنموي مقابل مجالات مهمشة، واسعة وعريضة. وهذه الاختلالات المجالية ليست نتيجة طبيعية للفوارق الجغرافية مثلا، بل هي نتاج تراكمات من السياسات والقرارات الفوقية. لقد بروز العدالة المجالية يعيد طرح السؤال المزعج باستمرار: من يستفيد من التنمية وأين؟
أما التحول الثالث فقد تجلى في صعود الدولة الترابية، وهو معطى ساهم في إعادة تموضع الدولة ضمن سياقات العولمة وتعقيد السياسات العمومية. وخلافا للأطروحات التي روّجت لانسحاب الدولة أو تراجعها، يُلاحظ أنها تحاول أن تعيد صياغة طرق تدخلها، بحيث تتحول من منفذ مباشر إلى فاعل استراتيجي يحدد الأولويات ويؤطر الفعل العمومي، عبر أدوات جديدة مثل الشراكات، والتعاقد، والحكامة متعددة المستويات، إضافة إلى السياسات الترابية التي تُمكن من توجيه التنمية وفق خصوصيات المجال. في هذا الإطار، تعد السياسات الترابية أحد أهم أدوات الدولة بوصفها فاعلا استراتيجيا، لأنها تسمح لها بالتدخل بطريقة غير مباشرة ولكن فعالة. فمن خلال الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، مثلا، يمكن للدولة أن تعيد توزيع الموارد، وتحدد أولويات الاستثمار، وتؤثر في تموقع الفاعلين الاقتصاديين، دون أن تتخلى عن دورها القيادي.
سياقات النزول
لا يمكن قراءة التحولات السابقة بمعزل عن السياقات التي حكمت اعتماد الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية. فعلى الصعيد الدولي، نشهد تصاعدا متزامنا لعدة أزمات بنيوية، أبرزها أزمات الطاقة والغذاء والمناخ. وهي أزمات تعيد تشكيل أولويات الدول بشكل عميق.
فقد أدت الاضطرابات الجيوسياسية في مناطق مختلفة حول العالم (عودة الحروب التقليدية في أوكرانيا، إيران…)، والتقلبات في أسواق الطاقة، وتداعيات التغيرات المناخية، إلى إضعاف نماذج الاعتماد المفرط على الخارج.
كما كشفت هذه الأزمات هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خصوصا فيما يتعلق بالمواد الأساسية، مما جعل الأمن الطاقي والغذائي في صلب الأجندات الوطنية، بعد أن كان يُنظر إليهما سابقا كقضايا تقنية أو قطاعية.
في هذا الإطار، عاد مفهوم السيادة بقوة إلى الخطاب السياسي للدول كاستجابة فكرية وسياسية لهذه التحولات. وللتعبير عن الحاجة إلى تعزيز قدرات الدول على ضمان استقلالية قراراتها الحيوية، خصوصا في القطاعات الحساسة، عبر تقليص التبعية للخارج وتعزيز القدرات الذاتية.
لم يعد الهدف هو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل بناء قدرات تسمح بالتكيف مع الأزمات، من خلال تنويع الشركاء، أو توطين بعض الأنشطة والصناعات الحيوية، أو تطوير البنيات التحتية المرتبطة بالطاقة والماء والغذاء.
ويبدو أن المغرب منخرط في هذا الاتجاه خصوصا بعد أزمة كوفيد19، كما تدل على ذلك السياسات الجديدة في مجالات الماء والطاقة والفلاحة، وهي السياسات التي تتقاطع فيها بوضوح التطلعات نحو السيادة الاستراتيجية مع توجهات السياسات الترابية، لأن تحقيقها يمر عبر توزيع متوازن للموارد والبنيات التحتية على المستوى الوطني.
وبالتالي، فإن برامج التنمية الترابية لا تُفهم فقط كآليات للتنمية، بل أيضا كأدوات لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للدولة، في مواجهة بيئة دولية متقلبة وغير يقينية.
على مستوى السياق الوطني، تشكل الفوارق المجالية منغصا لصانعي القرار، كما تدل على ذلك خلاصات عدة تقارير رسمية، منها تقارير المندوبية السامية للتخطيط التي ما فتئت تؤكد أن الفوارق الاجتماعية تشهد تقلبات، خصوصا مع عودة المؤشرات إلى الارتفاع بين 2019 و2022 بعد فترة من التراجع النسبي.
كما ظل التفاوت في مستوى المعيشة كبيرا، إذ بلغ الفارق بين 10% من الأسر الأكثر غنى و10% الأكثر فقرا نحو 12 مرة. من جهة أخرى، تُبرز معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في وثيقة “النموذج التنموي الجديد” لسنة 2019 أن مجالات مثل التعليم (حوالي 26% والدخل أكثر من 23%) ) تُعد أبرز مجالات تجلي الفوارق بين الجهات. بل إن التقرير يؤكد بوضوح شديد أن: الفوارق المجالية والاجتماعية ما تزال من أبرز التحديات البنيوية”.
ولا يقتصر الأمر على التعليم، لأن التغيرات المناخية أفضت إلى بروز أزمة الإجهاد المائي، التي أصبحت معطى هيكليا. ويشير تقرير للبنك الدولي حول “الاقتصاد المغربي في أفق 2040” إلى أن المغرب يُعد من بين أكثر دول منطقة الشرق الأوسط تعرضا للإجهاد المائي.
كما أدت توالي سنوات الجفاف إلى تراجع الموارد المائية بشكل ملحوظ، مما يهدد الأمن الغذائي ويضغط على التوازنات المجالية، خاصة في المناطق القروية. وهو ما يعني أن الماء لم يعد مجرد مورد، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل أولويات التنمية الترابية.
في المقابل، يعكس اختلال توزيع الاستثمارات أحد أبرز محددات هذه الفوارق، حيث تشير تقارير حول التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي إلى استمرار تمركزه في جهات محدودة، خاصة المحاور الحضرية الكبرى، مقابل ضعف جاذبية باقي الجهات.
وقد أكدت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي في تقريرها أن:”الرأسمال اللامادي للمغرب لن يُستثمر بفعالية دون تقليص الفوارق المجالية وضمان تكافؤ الفرص”. كما أكدت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي “من أجل تنمية متجانسة ومندمجة للمجالات الترابية” لسنة 2023، ضعف توجيه الاستثمار نحو المناطق الأقل حظا، ومحدودية الأثر للاستثمارات العمومية في الجهات مقارنة بدون أخرى مثل كوريا الجنوبية وتركيا، وهو ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من التهميش. لأن ضعف الاستثمار يعني ضعف التنمية. ومن ثم، يصبح التدخل العمومي الترابي ضرورة استراتيجية لإعادة التوازن بين الجهات، وليس مجرد خيار تنموي.
علاوة على ذلك، يتحدد السياق المؤسساتي لبرنامج التنمية الترابية من خلال دينامية إصلاحية انطلقت مع دستور 2011، الذي شكل نقطة تحول في بنية الدولة ووظائفها. فقد نص الدستور على إعادة تنظيم السلطة الترابية على أساس الجهوية المتقدمة، وعلى تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والعدالة المجالية. كما أقر مكانة الجهة كفاعل أساسي في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، من خلال التنصيص على مبدأ التدبير الحر (الفصل 136 وما يليه).
غير أن التقارير التقييمية، بما فيها تقارير المؤسسات الدستورية، تشير إلى أن تنزيل هذه المقتضيات ظل محدودا وجزئيا، حيث استمرت هيمنة المركز على القرار الاستراتيجي، مما أفرز فجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية.
في هذا الإطار، جاء ورش الجهوية المتقدمة كآلية مؤسساتية لتفعيل هذه المقتضيات، خصوصا بعد صدور القوانين التنظيمية لسنة 2015 المتعلقة بالجماعات الترابية، والتي تضمنت نقل بعض الاختصاصات إلى الجهات، وتعزيز دورها في التخطيط التنموي عبر برامج التنمية الجهوية.
مع ذلك، تؤكد تقارير المجلس الأعلى للحسابات أن هذا التفعيل لا يزال يواجه عدة إكراهات، من بينها ضعف الموارد المالية الذاتية للجهات، ومحدودية الكفاءات الإدارية، واستمرار التداخل بين اختصاصات الدولة والجهات. كما يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن الجهوية لم تحقق بعد مستوى الالتقائية المطلوبة بين الفاعلين، مما يحد من فعاليتها كرافعة للتنمية.
أما اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، فقد قدمت في تقريرها سنة 2021 تشخيصا نقديا لهذا الوضع، معتبرة أن أحد أبرز اختلالات النموذج التنموي السابق يتمثل في ضعف البعد الترابي للسياسات العمومية.
وأوصت اللجنة بضرورة جعل المجال الترابي محورا مركزيا للتنمية، عبر تقوية اللاتمركز الإداري، وتعزيز التعاقد بين الدولة والجهات، وتحقيق العدالة المجالية. وقد أكدت في هذا الصدد أن:”نجاعة السياسات العمومية تظل رهينة بقدرتها على التكيف مع الخصوصيات الترابية”. وعليه، يمكن اعتبار برنامج التنمية الترابية الحالي امتدادا عمليا لهذه التوصيات، ومحاولة لإعادة هيكلة الفعل العمومي في اتجاه مزيد من الالتقائية والفعالية على المستوى الترابي.
في ضوء تلك السياقات، يمكن تتبّع ميلاد برامج التنمية الترابية، من خلال ثلاث لحظات مؤسساتية متكاملة، تعكس انتقاله من مستوى التوجيه الاستراتيجي إلى مستوى البرمجة التنفيذية.
اللحظة الأولى، تمثلت في خطاب العرش لسنة 2025 الذي ألقاه الملك محمد السادس، وأكد فيه ضرورة تجاوز الفوارق المجالية والاجتماعية، مشددا على أنه “حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية، في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية”، ودعا إلى “الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة”. مؤكدا أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”.
وتتمثل اللحظة الثانية في بلاغ المجلس الوزاري المنعقد في أكتوبر 2025، وهو المجلس الذي قرّر تحويل التوجه الملكي المعلن عنه في خطاب العرش إلى أحد أولويات مشروع القانون المالي لسنة 2026، حيث تم الإعلان عن إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، من خلال الشروع في إعداد تلك البرامج بناء على تشاور موسع مع مختلف الفاعلين المعنيين على المستوى الترابي بقيادة الولاة والعمال، في أفق تعزيز البنيات التحتية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، مع التركيز على العالم القروي والمناطق الجبلية. كما شدد على مبدأ الالتقائية بين السياسات العمومية، بحيث يتم تجميع تدخلات القطاعات المختلفة ضمن رؤية ترابية موحدة، بدل استمرار تشتت البرامج.
أما اللحظة الثالثة فقد عبّر عنها بلاغ المجلس الوزاري في أبريل 2026، فقد مثل لحظة الحسم والتنزيل العملي، حيث تمت المصادقة الرسمية على الجيل الجديد للبرنامج وتحديد آليات تنفيذه، مع التأكيد على توزيع الغلاف المالي (أكثر من 210 مليار درهم) على مدى 8 سنوات (2026-2034)، وتوجيهه نحو أولويات استراتيجية تشمل الأمن المائي، وفك العزلة، وتعزيز العدالة المجالية.
وأكد البلاغ في هذا السياق أن: “هذا البرنامج يشكل رافعة أساسية لتنزيل الجهوية المتقدمة وتحقيق التنمية الترابية المندمجة”، كما أبرز ضرورة اعتماد حكامة قائمة على التتبع والتقييم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن نجاعة التنفيذ وتحقيق الأثر الترابي المنشود.
عودة “أم الوزارات”
تعكس التحولات والسياقات السابقة مدى الحاجة فعلا إلى جيل جديد من البرامج وفق منطق التنمية المجالية الترابية بدل منطق التنمية الاجتماعية. ويبدو أن مضامين البرامج المعلن عنها تعكس تقنيا وتدبيريا هذا التوجه، غير أنها قد لا تعالج الإشكالات السياسية الجوهرية، وخصوصا ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فمن خلال عناصر العرض الذي قدّمه وزير الداخلية في المجلس الوزاري الأخير حول مضامين تلك البرامج، كما أشار إليها بلاغ المجلس، يمكن قراءة تلك العناصر وفق ثلاث مستويات،
المستوى الزول يتعلّق بالقراءة التقنية، التي تؤكد أن برامج الجيل الجديد تقوم على مواصفات غير مسبوقة من حيث الحجم والمنهجية، إذ يناهز غلافها المالي210 مليارات درهم موزعة على مدى ثماني سنوات (2026–2034)، ما يجعلها من أكبر البرامج المندمجة في تاريخ السياسات العمومية بالمغرب.
وقد اعتمدت الوزارة في إعداد تلك البرامج، بحسب الوزير، على مقاربة صاعدة من الأسفل، انطلقت من المستوى المحلي حيث تم تنظيم مشاورات واسعة وجلسات إنصات شملت مجموع العمالات والأقاليم (حوالي 75 وحدة ترابية)، مرفقة بتشخيص دقيق لكل مجال اعتمادا على مؤشرات سوسيو-اقتصادية (التشغيل، التعليم، الصحة، الماء، التأهيل الترابي). ويعكس هذا التوجه انتقالا من منطق التخطيط المركزي إلى تخطيط مبني على الحاجيات الفعلية للساكنة.
أما من حيث الأهداف؛ تسعى برامج الجيل الجديد إلى تحسين جودة الحياة وصون الكرامة الإنسانية للمواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، خاصة في المناطق القروية والجبلية والنائية. كما تهدف إلى تعزيز جاذبية المجالات الترابية وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، من خلال تثمين المؤهلات المحلية وربطها بالديناميات الاقتصادية الوطنية. ويقوم المنطق التنفيذي على إنجاز مشاريع محلية ملموسة وموجهة بدل برامج عامة موحدة، مع الحرص على تحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين العموميين، بما يضمن أثرا تنمويا مستداما وقابلا للقياس.
في السياق ذاته، تكشف القراءة التدبيرية عن إعادة تشكيل لمنظومة الحكامة والتنظيم، تقوم على هندسة متعددة المستويات تجمع بين المركزية في التنسيق واللامركزية في التنفيذ. إذ سيتم تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات، في خطوة تروم تعزيز النجاعة والمرونة في التدبير. وتتوزع أدوار التنفيذ بين المستوى المحلي (تحت إشراف العامل)، والجهوي (بقيادة الوالي لضمان الانسجام)، والوطني (عبر لجنة يرأسها رئيس الحكومة للمصادقة والتنسيق). كما تم إقرار آليات رقابة تشمل تدقيقا سنويا مزدوجا ستقوم به المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، فضلا عن منصات رقمية للتتبع، إلى جانب تعبئة مالية وطنية وإعادة توزيع الموارد والاختصاصات. ويعكس هذا النموذج صيغة هجينة يمكن وصفها بـ”مركزية تنسيقية قوية في مقابل لامركزية تنفيذية مؤطرة”، حيث يحتفظ المركز بدور القيادة الاستراتيجية، مع منح هوامش تنفيذية على المستوى الترابي.
لكن القراءة السياسية لهذه البرامج تكشف عن وضع آخر لا ينسجم مع الخطاب التقني والتدبيري كثيرا، رغم السعي المتواصل للفاعلين في حقل السلطة إلى إعادة هيكلة السياسة. فالمنهجية المعتمدة في الإعداد والإعلان عن برامج الجيل الجديد تؤكد ارتباطها المباشر بالتوجيهات الملكية، إذ تأتي تنفيذا لما ورد في خطاب العرش لسنة 2025 الذي دعا الحكومة صراحة إلى إعداد “جيل جديد” من برامج التنمية الترابية المندمجة، كما سبقت الإشارة، وهو التوجيه الذي سارعت وزارة الداخلية إلى تفعيله من خلال تكليف الولاة والعمال بتنظيم مشاورات محلية وجلسات للإنصات.
ويعكس هذا المعطى أن البرامج تندرج ضمن رؤية استراتيجية تؤطرها المؤسسة الملكية، بما يمنحها طابعا استمراريا يتجاوز الزمن الانتخابي للحكومة. فامتداد البرامج على مدى ثماني سنوات يعني عمليا أنه يشكل تعاقدا عموميا فوق انتخابي، يلزم الحكومات المتعاقبة بتنفيذه، ويحد نسبيا من هامش التغيير الذي قد تفضي إليه الانتخابات المقبلة أو التي تليها.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الداخلية كفاعل مركزي في بلورة وتنفيذ السياسات الترابية، حيث يعكس البرنامج تعزيزا واضحا لموقعها داخل النسق المؤسساتي، خاصة من خلال الإشراف المباشر للولاة والعمال على مراحل الإعداد والتتبع.
ويُقرأ ذلك باعتباره انتقالا نحو نموذج تقوم فيه الإدارة الترابية بدور القيادة التنفيذية، مقابل تراجع نسبي لدور الفاعل الحزبي وحتى الحكومي في تدبير هذا النوع من البرامج. وهو تموقع يعيد إلى الأذهان عبارة “أم الوزارات”، إذ يطرح تساؤلات حول توازن السلط داخل المنظومة الترابية ذاتها، كما يطرح التساؤل ذاته في العلاقة بالمنتخبين كذلك.
بعبارات أخرى، يثير هذا النموذج الجديد نقاشا حول وجود الرغبة في الهيمنة لدى وزارة الداخلية ومسؤوليها على حساب المؤسسات التمثيلية المنتخبة على المستوى الترابي، أي إعادة ترتيب الأدوار بين الشرعية الانتخابية والشرعية الإدارية.
وإذا كان المنطق الديمقراطي يفترض أن تضطلع الجهات والجماعات بدور محوري في التنمية، في إطار تعميق خيار الجهوية المتقدمة، فإن تعزيز قوة الولاة والعمال قد يُفهم كتعبير عن الرغبة في استعادة بل بسط الهيمنة، وضمنا وجود مقاومة صامتة لكن عميقة لخيار الجهوية المتقدمة كما يمليه المنطق والخيار الديمقراطي. خصوصا وأن هذا التوجه الجديد في تنزيل التوجيهات الملكية، يأتي في سياق وطني خاص يتسم بقرب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.