story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الموقف من الحرب على إيران: حين تختطف المصالح البوصلة الأخلاقية

ص ص

في خضم العدوان الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت في المشهد المغربي أصوات تتمنى هزيمة إيران وتنحاز انحيازاً كاملاً للمعتدي، لا لأن الحق معه، بل لأنهم يعتبرون المعتدي حليفا والمعتدى عليه خصما لنا ولحلفاءنا في الخليج. ويبررون موقفهم هذا بأن اعتبار المصالح الوطنية هو المحدد الأول والأخير الذي يجب أن يشكل بوصلة مواقفنا. هذا الموقف، وإن كان هذا الاختيار مفهوماً في سياق اعتبار حسابات المصلحة الضيقة حسب ما يقدرها هؤلاء، رغم اختلافنا معهم في هذا التقدير، فإنه، أي اختيارهم هذا، يستحق وقفة نقدية جادة، لأنه ينطوي على أخطاء تحليلية جسيمة وتناقضات أخلاقية صارخة.

أولاً: المرجعية يجب أن تكون القانون الدولي ومنطق العدالة لا المصالح فقط

أي موقف رصين من نزاع مسلح ينبغي أن تكون مرجعيته الأولى هي القانون الدولي ومنطق العدالة. وبالنظر إلى هذه المرجعية، فإن الحرب على إيران تنتهك جملة من المبادئ الراسخة: فالضربات الاستباقية المتكررة على أراضٍ دولة إيران تُخل بشكل واضح وصريح بمبدأ حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، والاغتيالات الممنهجة للعلماء والمسؤولين على الأراضي الإيرانية تمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية، فضلاً عن أن الحصار الاقتصادي الخانق الذي يطال المواطن الإيراني قبل أن يطال النظام يُشكّل وسيلة ضغط عقابية تطال المدنيين بشكل غير مشروع.

صحيح أن العلاقات الدولية تُحرّكها المصالح، ولا أحد ينبغي أن يغفل عن مصالح بلده عند اتخاذ الموقف. لكن المصالح وحدها إذا تخلّت عن القانون والمبادئ، تحوّلت إلى شريعة الغاب. ولعلنا في المغرب من أولى الناس بالانتباه إلى ذلك، حيث نطالب العالم باحترام القانون الدولي ومنطق التاريخ في قضية الصحراء، فكيف يستقيم أن نتنكر لهذا القانون وهذه المبادئ حين يتعلق الأمر بغيرنا؟

ثانياً: حين تمنع المصلحة الإدانة، فلا يجب أن تُوجب الاتهام

ثمة فرق جوهري بين الصمت والانحياز. يمكن للمغرب، نظراً للثقل الاستراتيجي الهائل للدعم الأمريكي في ملف الصحراء ودور إسرائيل في ذلك، ألا يجاهر بإدانة واشنطن أو تل أبيب، وهذا أمر يمكن تفهمه في منطق الدبلوماسية. لكن أن يوازي هذا الصمت الهجوم والتنديد بإيران وتحميلها المسؤولية عن الحرب المشتعلة على أراضيها، فذلك تجاوز للحد ولمنطق العدل. إن المصلحة قد تُبرر الامتناع عن الإدانة، لكنها لا تُبرر أبداً تحويل الضحية جلاداً.

ثالثاً: الاعتراف بحق الدفاع ليس تزكية للنظام

يخلط كثير من المنتقدين خلطاً متعمداً أو غير متعمد بين قضيتين منفصلتين: طبيعة النظام الإيراني من جهة، وحق الدولة الإيرانية في الدفاع عن نفسها من جهة أخرى. والحق أن الاعتراف لإيران بحقها المشروع في صد العدوان لا يعني تزكية لكل ما يقوم به نظامها أو تبرئة له من قمع المعارضين أو كبت الحريات… هذان ملفان مستقلان ينبغي ألا يُستخدم أحدهما ذريعةً للتهرب من الموقف الواجب في الآخر.

بيد أن ثمة تناقضاً فاضحاً في توظيف هذه الحجة: فالذين يرفضون إيران بسبب ما يزعمون من تجاوزات نظامها ودكتاتوريته وقمعه لا يُطبّقون المعيار ذاته على من يعتبرون حلفاء للمغرب في المنطقة. والحاصل أن سجل حقوق الإنسان والحريات في عدد من دول المنطقة المتحالفة مع واشنطن لا يقل سوءاً عن السجل الإيراني، بل قد يفوقه في أحيان كثيرة. وهذا ما يكشف إلى أي حد كيف أن الحجة الحقوقية ليست مبدأً، بل أداة انتقائية لتبرير المواقف.

رابعاً: هزيمة إيران لن تُفضي إلى الديمقراطية

من أبرز الاعتبارات التي تقدمها أمريكا ومعها جزء كبير من دول الغرب لتبرير العداء لإيران وتبرير العمل على إسقاط نظامها، ويتم ترويجها من طرف أصحاب هذا الموقف، أن ذلك هدفه تخليص الشعب الإيراني من نظام يقهره وفتح الطريق نحو بناء نظام ديموقراطي حقيقي (أي متشبع بالقيم الغربية) في إيران. وهو ما يدخل في عداد التبريرات المضللة. فمتى كانت أمريكا وإسرائيل والغرب داعمين للديموقراطية في الدول العربية والإسلامية؟

فالثابت تاريخياً أن هذه القوى لم ولا تُريد في المنطقة العربية والإسلامية أنظمة ديمقراطية حقيقية، لأن الأنظمة الديمقراطية بطبيعتها تعبر عن الإرادة الشعبية وتراعيها، وهو ما لا ترغب فيه هذه القوى، فما تريده فعلاً هو أنظمة سلطوية موالية وخاضعة لها تضبط شعوبها وتُدير بلدانها بما يخدم مصالح هذه القوى ويوفر الحماية لإسرائيل.

كما أن ما تؤكده تجارب العقود الأخيرة في المنطقة هو أن تغيير الأنظمة بالقوة، خصوصا عبر التدخلات الأجنبية، لا يُنتج ديمقراطية، بل يُنتج فراغاً تملأه الفوضى والحروب الأهلية والمليشيات. والأرجح أن تفتيت إيران سيُفضي إلى إنشاء دويلات هشة عميلة تُدار بالوكالة، مهمتها الأولى ضمان المصالح الأمريكية الإسرائيلية، لا رعاية مواطنيها.

خامساً: تدمير وتفتيت إيران خطوة في مسار تفتيت أو إضعاف كل دول المنطقة

المسؤولون الإسرائليون والأمريكيون لا يخفون أهدافهم ولا خططهم، فقد تواترت التصريحات من أعلى مسؤوليهم بأن إيران ليست سوى محطة في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإعادة رسم خرائط سايكس بيكو. وأساسا عبر عن مراجعة الحدود الإسرائيلية الحالية وتوسيعها على حساب جيرانها في إطار مشروع “إسرائيل الكبرى، واستهداف دول ما سماه بنيامين نتنياهو “التحالف السني”، والذي يقصد به تركيا والسعودية ومصر وباكستان وقطر، بعد الانتهاء من تدمير وتفتيت إيران. وهي مشاريع إن تحققت فإنها تتهدد وجود دول عربية وتفتيت أخرى.

ومن نافلة القول أن من نتائج هزيمة إيرا، إن حدثت لا قدر الله، زيادة علو إسرائيل وزيادة ضغوطها هي وأمريكا وابتزازها لعموم الدول العربية والإسلامية بما فيها المغرب. وقد قدمت أمريكا في المدة الأخيرة ما يكفي من الدلائل على أنها لا تهتم إلا بمصالحها، ولا تراعي حلفاءها ولا أصدقاءها، بل إنها بسهولة تتنكر لمصالح هؤلاء الحلفاء متى تعارضت مع ما تعتبره مصالحها الاستراتيجية. أما إسرائيل فذلك يشكل جزء من جيناتها.

فكيف تكون إذا هزيمة إيران في مصلحة المغرب وهي يُعجّل بتمكين قوى تجاهر باستهداف محيطه الإقليمي، وربما استهدافه هو كذلك أو على الأقل زيادة مستوى ابتزازه؟

سادساً: دول الخليج ليست الرابح الحقيقي

يزعم بعضهم أن هزيمة إيران ستُريح دول الخليج من جار قوي يشكل تهديدا لها وتُعزز أمنها. والحاصل أن ما كشفته هذه الحرب هو أن لكن ما كشفته هذه الحرب هو أن هذه الدول، رغم ترليونات الدولارات التي أنفقتها على التسلح ورغم القواعد العسكرية الأجنبية التي تستضيفها وتنفق عليها، عاجزة بشكل فاضح عن صون أمنها ومواجهة الاعتداءات الخارجية. وكشفت كيف أن القواعد العسكرية الأجنبية لم توفر لها أي حماية، بل تحولت إلى مصدر تهديد وضعف وأدوات ضغط. وعليه فمهما ضعفت إيران فذلك لن يضمن لدول الخليج الأمن.

والحل الاستراتيجي الحقيقي لأمن دول المنطقة يكمن في تسريع ما بدأت به بعضها من تشكيل تحالف إقليمي يضمن استقلالية القرار العسكري ويحقق توازن القوى، لا مع إيران وحدها، بل مع إسرائيل ذاتها. وإيجاد تفاهمات مع إيران مبنية على المصالح المشتركة.

فالأمن والاستقرار لن يتحقق بمنطق الإضعاف المتبادل، لأن ذلك سيكون في مصلحة أعداء الأمة بعربها وفرسها وتركها… وسنيها وشيعيها…

سابعاً: إيران نموذج يستحق التأمل لا الشماتة

ولا أود إنهاء هذا المقال جون الوقوف عند أحد أهم دروس ما يجري: فأياً كان موقفنا من النظام الإيراني، فإن ثمة درساً استراتيجياً بالغ الأهمية تُقدمه إيران لمن أراد أن يتعلم: دولة خضعت لحصار خانق امتد لأكثر من ست وأربعين سنة، وتعرضت لمختلف عمليات التضييق والتخريب والحروب واغتيال علماءها وخبراءها، ومع ذلك بنت قدرة علمية وعسكرية ذاتية جعلتها تصمد في مواجهة أعظم قوتين عسكريتين في المنطقة ولا تنكسر بسهولة.

الدرس هنا ليس الإعجاب بإيران دولةً أو نظاماً، بل الاعتبار بنموذجها في البناء الذاتي واستراتيجية الاكتفاء الصناعي والعلمي. في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوة، فكل دولة تُفرّط في بناء قدراتها الذاتية وتُسلّم مصيرها للخارج ستجد نفسها يوماً فريسة سهلة بغض النظر عن تحالفاتها.

خلاصة: البوصلة الضائعة

وختاما فالمشكلة الحقيقية في موقف من يتمنى هزيمة إيران ليست الاختلاف في تقدير الموقف، فعدد من انتقاداتهم لها مشروعة في ذاتها ونتقاسمها معهم. المشكلة أنهم يبررون خرق مبادئ القانون الدولي ومنطق العدالة رغم أنها الضمانة الوحيدة للدول الصغيرة والمتوسطة ومنها المغرب في عالم القوة، ويساندون القوى التي تعمل على تدمير المنطقة والتحضير لإعلان إسرائيل سيدا مطلقا فيها. ويغلبون مصالح ذاتية بنظرة قصيرة الأمد وقاصرة على حساب المصالح الحقيقية وذات البعد الاستراتيجي.