story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الشرق الأوسط الجديد يتشكل.. لكن على خلاف أوهام نتانياهو

ص ص

أرادت الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال بحربيهما على إيران إسقاط النظام الإيراني وإقامة نظام بديل وحليف لهما في دولة تقع في جغرافيا حساسة ومهمة لمصالح البلدين.

يردد نتانياهو رئيس الحكومة الصهيونية منذ مدة بأن الشرق الأوسط الجديد يتشكل بقيادة وهيمنة دولة الاحتلال؛ كما أن هدف الولايات المتحدة هو إسقاط النظام الإيراني الحليف لروسيا والصين وإقامة نظام موال لهما كما كان الحال في عهد الشاه.

ومن شأن قيام نظام موال للولايات المتحدة في إيران منح الأولى موقعا متقدما في مواجهة الصين -خصم القرن 21- بعد أن خسرت أمريكا أفغانستان وبعد أن تحولت باكستان لحليف مهم للصين في المنطقة بسبب التقارب بين البلدين في الخصومة مع الهند.

فجغرافيا إيران مهمة لأمريكا في خنق الامتداد الصيني نحو الغرب، وفي التواجد في منطقة تضم أهم مصادر الطاقة في العالم، وفي وقف استفادة الصين من النفط الإيراني الرخيص نتيجة العقوبات الأمريكية، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية مع باقي الاقتصادات التي تشتري النفط بثمن السوق.

لكن الحرب على إيران تأتي بنتائج عكسية على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، وعوض أن تتم محاصرة الصين، فهذه الأخيرة توسع من نفوذها في المنطقة، ومن أهم ما تحقق هو التواجد في الأراضي السعودية عبر باكستان.

إن الخبر الذي أعلنت عنه السعودية في 11 من أبريل 2026 والذي كشفت من خلاله وصول آلاف من الجنود الباكستانيين وعدد من الطائرات الحربية للسعودية وتمركزها في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية ليس بالخبر العادي والهين، بل هو إعلان عن تحول استراتيجي غير مسبوق.

كيف ذلك؟

الطائرات التي وصلت للسعودية هي مقاتلات من طراز JF-17 Thunder وطائرات الإنذار المبكر KJ-500، وهي طائرات تتم إما بصناعة مشتركة بين باكستان والصين أو بإنتاج كامل من طرف هذه الأخيرة، وهنا التحول الاستراتيجي الكبير في المنطقة.

فإن تواجد مثل هذه الطائرات الصينية المتقدمة في السعودية هو أمر لم يكن من الممكن أن يقع قبل شهور، وذلك بسبب الرفض الأمريكي لتواجد التكنولوجيا العسكرية بل حتى المدنية الصينية المتطورة في المنطقة.

ولكي نفهم أكثر نضرب مثالين:

المثال الأول، وهو مشروع بناء المقر الجديد للسفارة الصينية في منطقة “رويال منت كورت” في العاصمة لندن، وهو المشروع الذي حظي بضجة كبيرة نتيجة الرفض الأمريكي له (المشروع)، بحيث حذرت الإدارة الأمريكية من سماح لندن ببناء السفارة الجديدة، وقد بلغ الموقف الأمريكي الرافض للمشروع حد التهديد بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية ضمن تحالف “العيون الخمس” (يضم التحالف بالإضافة الى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا.

ويأتي الموقف الأمريكي ومعه موقف عديد من المسؤولين البريطانيين -خصوصا في حكومة حزب المحافظين السابقة- الرافض لمشروع بناء السفارة خوفا من توظيف الصين للسفارة للتجسس على شبكة الاتصالات في العاصمة لندن وذلك لقرب موقع المشروع الضخم -أبر سفارة في أوروبا- من شبكة الاتصالات الحساسة.

المثال الثاني، وهو الرفض الأمريكي لقرار تركيا شراء منظومة الصواريخ الروسية S-400، وهو رفض بلغ حد فرض عقوبات أمريكية على تركيا، بموجبها تم منع جميع تراخيص التصدير إلى إدارة الصناعات الدفاعية التركية، كما تم فرض عقوبات على رئيسها، بالإضافة إلى استبعاد تركيا من مشروع صناعة طائرات F-35، كما رفضت الإدارة الأمريكية تسليم تركيا الطائرات التي تم التعاقد من أجل تسلمها من هذا النوع.

ويأتي الموقف الأمريكي من قرار تركيا شراء منظومة الصواريخ الروسية S-400 بسبب الخوف الأمريكي من توظيف روسيا لتلك المنظومة من الصواريخ لجمع بيانات حساسة حول طائرات F-35، بالإضافة إلى منع تواجد أسلحة روسية متطورة لدى إحدى أعضاء الناتو، لأن من شأنه تعميق العلاقات وتعزيز التواجد الروسي في تركيا ومنه في المنطقة.

وكانت الولايات المتحدة قد ضغطت بقوة على الإمارات العربية المتحدة لوقف مشروع بناء صيني في ميناء خليفة بالقرب من أبو ظبي، وهو ما تم بالفعل. كما ضغطت الولايات المتحدة على الإمارات لوقف استعمال معدات شركة “هواوي” الصينية، وهو ضغط بدأ منذ إدارة ترامب الأولى واستمر مع إدارة الرئيس بايدن؛ والسبب وراء الضغوط الأمريكية هو الخوف من استعمال الصين لشركة “هواوي” ومشروع البناء في ميناء خليفة للتجسس على الأرصدة الأمريكية بالمنطقة ومنها القوات الأمريكية المنتشرة بالإمارات ودول المنطقة.

أما اليوم، فقد منحت السعودية الصين، عبر استقدام طائرات متقدمة من باكستان وبخبرة بشرية باكستانية، قدما تكنولوجية متقدمة بالأراضي السعودية وبالقرب من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتطورة، كما منحتها فرصة تكنولوجية في المنطقة، ومنها توظيف الطائرات المتقدمة للتجسس على التكنولوجيا والمصالح الأمريكية بالمنطقة.

إنه أمر ما كانت لتسمح به أمريكا قبل شهور فقط، لكن ومنذ الهجوم الإسرائيلي على العاصمة الدوحة وما أحدثه من صدمة لدى دول الخليج، خصوصا وأن تلك الدول كانت تعتقد أن استثمارها وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تمنحها حصانة من أي عمل عسكري تقدم عليه إسرائيل؛ سارعت دول الخليج وفي مقدمتها السعودية للبحث عن شراكات وتحالفات عسكرية خارج الشريك الأمريكي التقليدي، وقد كانت باكستان بحكم العلاقات التاريخية مع السعودية، وبحكم قوتها العسكرية وأسلحتها المتقدمة أولى الدول التي اتجهت إليها السعودية.

وقد جاءت الحرب على إيران وتعرض دول الخليج للهجمات الإيرانية الانتقامية لتؤكد لهذه الدول خطورة الرهان الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.

إنه الشرق الأوسط الجديد، لكن ليس كما تمناه وصوره نتانياهو.

*علي فاضلي/ باحث في الدراسات السياسية والدولية