story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

محمد جليد يكتب: فلسطين… كأنها الحلم!

ص ص

يستهل الكاتب والشاعر المغربي محمد بنيس كتابه “فلسطين.. ذاكرة المقاومات” بهذه الجملة الموجزة، لكن القاسية: “بودي لو أخط كلمة واحدة: فلسطين.” فعلا، تلخص فلسطين كل شيء اليوم: توجز الأسئلة كلها، وتكثف معاني الكينونة والوجود، وتختصر المنظورات الفلسفية والفكرية والشعرية والفنية وغيرها. باختصار، فلسطين هي “مبتدأ الكلام، وهي منتهاه، في آن”، كما قال بنيس في الكتاب ذاته. ما من موضوع آخر قد يضاهي هذه التغريبة الموجعة الشاهدة على موت الضمير الإنساني، وعلى فداحة الإبادة التي يمارسها الكيان الصهيوني بوحشية وهمجية لا توصفان، بشراكة الإمبريالية الغربية الجامحة.
فلسطين إذا.. كأنها الحلم! هكذا كانت منذ انطلقت ملحمتها قبل قرن، مع الكولونيالية البريطانية. وما تزال كذلك بعد قرن من النضال المستميت ضد كيان متوحش تعاونه كل قوى الأرض الشريرة. وستبقى كذلك إلى أن تتحرر كليا من قبضة المحتل الآبق. قبل بضع سنوات، ظن الجميع- والمقصود هنا بالجميع قوى الإمبريالية الغربية وشركاؤها من الرسماليين المنتشرين عبر كوكب الأرض كله- أن الوقت حان لتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، والانتقال إلى المرحلة اللاحقة ضمن ما أسمته الإدارة الأمريكية، أيام صقور الجمهوريين في حكومة جورج بوش الابن، بمخطط الشرق الأوسط الجديد. وكانت خطوته الأولى ‘صفقة القرن’ البئيسة، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، والاعتراف بهذه الأخيرة عاصمة أبدية للكيان الصهيوني.
تحول المشروع كله اليوم إلى كابوس عند الإدارة الأمريكية التي لم يبارح وزير خارجيتها المشؤوم ‘أنتوني بلينكن’ مسار واشنطن-تل أبيب منذ السابع من أكتوبر 2023. في حين، استعادت فلسطين مكانها الرئيس بوصفها قضية إنسانية نبيلة، وحلما جميلا طاغيا. تعود المقاومة لتذكر العالم بأنها وحدها القادرة على مواصلة كتابة فصول التاريخ الجديد وإعادة صياغة هوية العالم، وليس فلسطين فحسب، مهما حاولت آلة الصهيونية الإيديولوجية والإعلامية والمالية أن تطمس جوهرها الحقيقي العادل، وأن تخلق ببغاوات هنا وهناك يكررون أسطوانتها المشروخة.
غير أن ما يثير القلق بالفعل هو هذا النأي بالذات عن هذه القضية، ذاك الذي نلاحظه عندالنخب عامة، والمثقفين بصفة خاصة. وهنا لا بد من القول إن الشاعر محمد بنيس فعلا بجرأة لا مثيل لها، وهو يخصص كتابا ضخما، قوامه أكثر من أربعمائة صفحة، للقضية الفلسطينية. لا تنبع أهمية هذا الكتاب فحسب من استعادة ذاكرة فلسطين في زمن التراجع والانكفاء، بل والعمل ضد حق الإنسان الفلسطيني في أمل الانعتاق من الكولونيالية إلى الأبد، وإنما من اشتغاله كذلك على تيمات مختلفة برصانة وهدوء بالغين، كأنه يذكرنا ضمنيا بأن كل مهتم بمثل هذه القضية ينبغي أن ينأى بنفسه عن التسرع والانفعال، حتى لا يسيء إليها أو يلحق بها أذى غير مقصود.
والواقع أنني أعرف أن غيرة بنيس الراسخة على فلسطين وانخراطه المتواصل في معالجة قضيتها النازفة ينبعان من تصور خاص عنده بأن الكتابة لا تكتسب أي معنى إلا إذا كانت مقاومة، وأن الكاتب لا يكون كذلك إلا إذا انتصر للإنسان المقهور في كل مكان، وناصره في حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه ضد القهر والتسلط والقتل، ودافع عن حقه في الوجوجد والعيش الكريم… ومع أن كثيرين يشاطرون هذا الموقف- وإن لم يعبر عنه اليوم إلا قليلون-، إلا أن ما يميز بنيس في هذا الباب هو منظوره المتعدد إلى مفهوم المقاومة، إذ لا تشمل المقاومة بالجسد والسلاح فحسب، بل أيضا بالكلمة والرأي والتعبير. ورغم الآلة الهمجية التي تحصد آلاف الأرواح، إلا أن المقاومة أنعشت اليوم حلم فلسطين الحرة، وأحيت أمل التحرر والانعتاق من ربقة الصهيونية الفاشية، واستبعدت ما تنبأ الدعاة المتنافسون على خيانة الفلسطينين، كما قال بنيس في خاتمة كتابه.