story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

خرجة الوزير برادة تعيد فتح نقاش الكفاءة والخبرة في قيادة قطاع التعليم

ص ص

أعاد الأداء البرلماني لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأخيرة بمجلس النواب، فتح النقاش حول طبيعة البروفايلات التي تُسند إليها واحدة من أكثر القطاعات حساسية داخل المنظومة الحكومية بالمغرب، في ظل تزايد الجدل بشأن مدى ارتباط المسؤولين عن تدبير التعليم بخبرة مباشرة في المجال التربوي والتعليمي.

وبرز اسم برادة، القادم من عالم المال والأعمال، في هذا النقاش باعتباره لا يتوفر على مسار أكاديمي أو مهني مباشر داخل الحقل التربوي، ما أعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الخبرة القطاعية ومتطلبات تدبير قطاع التعليم، مقارنة مع تجارب سابقة لوزراء أكفاء ارتبطت أسماؤهم بخلفيات أكاديمية وبيداغوجية أو بمسارات فكرية داخل المجال.

ويُعرف برادة بترؤسه لمجموعة “ميشوك” المتخصصة في صناعة الحلويات، إضافة إلى أنشطته الاستثمارية عبر شركته “BMPAR” التي تنشط في مجالات متعددة، من بينها الصناعة الغذائية وتطوير العقار، فضلا عن استحواذه على شركة “Pharmaprom” المتخصصة في تصنيع واستيراد وتوزيع المنتجات الصيدلانية بالمغرب.

وفي خضم هذا الجدل بشأن المعايير التي ينبغي اعتمادها في اختيار المسؤولين عن قطاع التعليم، يرى عدد من المتابعين أن المعرفة الدقيقة بالمنظومة التربوية شرط أساسي لنجاح أي إصلاح، فيما يقول آخرون إن الكفاءة في تدبير السياسات العمومية والحكامة تبقى العامل الحاسم بغض النظر عن الخلفية المهنية للوزير.

في هذا السياق، أكد الأكاديمي وكاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي خالد الصمدي أن المعايير التي ينبغي أن يعتمدها رئيس الحكومة عند اقتراح مسؤول لتولي قطاع حساس كقطاع التربية والتعليم، يفترض أن تكون دقيقة ومبنية على مجموعة من الشروط الأساسية.

وأوضح الصمدي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن أول هذه الشروط يتمثل في الصلة المباشرة بالقطاع والمعرفة العميقة بتفاصيله، باعتبار أن أي مسؤول يتولى وزارة التربية الوطنية يجد نفسه أمام قطاع شديد التعقيد، في مقابل زمن حكومي محدود لا يسمح بفترات طويلة للتأقلم وفهم الملفات.

وأشار المتحدث إلى أن الوزير السابق شكيب بنموسى قضى فترة محدودة في تدبير قطاع حساس يفترض فيه ضمان الاستمرارية، معتبرا أن المسؤول المنتمي إلى القطاع والقادر على الإحاطة بتفاصيله يمكنه الانتقال مباشرة إلى الإصلاحات الجوهرية دون إضاعة الوقت في فهم البنية العامة للملفات.

وأضاف أن من بين الشروط الأساسية أيضا القدرة على التواصل مع الرأي العام، لأن قطاع التربية والتكوين “شديد الحساسية”، ويحتاج إلى مسؤول يمتلك المعطيات الدقيقة، وقادر على التواصل بلغة البلاد، أي اللغة العربية، خاصة وأن الأمر يتعلق بقطاع يضم نحو تسعة ملايين تلميذ، ما يعني أن مخاطبة الرأي العام فيه تعني مخاطبة مختلف الأسر المغربية.

وشدد الصمدي على أن الأمر يتعلق بقطاع يحتاج إلى تواصل عميق مع المواطنين وباللغة التي يفهمونها، خصوصا أن التصريحات الصادرة بشأنه تتم داخل البرلمان وتنقل إلى الرأي العام الوطني والدولي.

وأضاف المتحدث أن المسؤول عن هذا القطاع يفترض أن يكون في مستوى معين من الثقافة والوعي، ومدركا للفوارق بين الملفات الوطنية والدولية، بما يساهم في تقديم صورة تليق بالمملكة المغربية.

وتابع أن المعرفة بالقطاع، والقدرة على التواصل، واستيعاب المعطيات الوطنية والدولية، كلها شروط أساسية لتولي حقيبة التربية والتكوين، “حتى لا نقع في مثل هذه الاختلالات”، داعيا إلى تقديم كفاءات حقيقية قادرة على الرفع من منسوب الوعي ومنح البلاد صورة وطنية ودولية محترمة.

واستحضر المتحدث بعض الأسماء التي تولت قطاعات مرتبطة بالتعليم وكانت مرتبطة فعليا بالمجال، سواء من زاوية التخصص أو الخبرة الأكاديمية، مثل الراحل وزير التعليم السابق محمد الوفا، معتبرا أنه كان يمتلك تجربة وخبرة في تدبير الملفات المرتبطة بالتربية الوطنية والحكامة ،بالإضافة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر السابق لحسن الداودي .

وفي سياق متصل، أشار الصمدي إلى أن الدستور أحدث مؤسسة دستورية كبرى هي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي وضعت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، والتي تحولت إلى قانون إطار ملزم بتوجيه من الملك محمد السادس، بهدف القطع مع منطق “ البدء من الصفر مع كل مسؤول جديد”، وضمان استمرارية السياسات التعليمية .

وخلص الصمدي إلى التشديد على أن من يتولى هذا القطاع يفترض أن يكون واعيا بمسار الإصلاح ومدركا لأولويات الدولة في مجال التعليم مضيفا أنه لا يعتقد أن برادة استوعب بشكل دقيق الرؤية الاستراتيجية أو القانون الإطار، ولا ما أُنجز في الحكومات السابقة وما ينبغي استكماله لاحقا.

من جهته، اعتبر أستاذ التعليم العالي والخبير في السياسات التربوية العمومية الحسين الزاهيدي أن نجاح أي إصلاح تعليمي يرتبط أساسا بالرؤية والاستمرارية وجودة الحكامة، أكثر مما يرتبط بالخلفية المهنية للوزير أو بكونه قادما من داخل قطاع التعليم.

وأوضح الزاهيدي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أنه لا توجد قاعدة مطلقة تجعل الوزير القادم من قطاع التعليم أفضل بالضرورة، كما أن الانتماء إلى القطاع “ليس أمرا ثانويا تماما”، مشددا على أن الأهم في تدبير التعليم هو الجمع بين المعرفة الدقيقة بالمنظومة التربوية والكفاءة في قيادة السياسات العمومية وبناء التوافقات.

وأضاف أن الوزير القادم من القطاع قد “يغرق أحيانا في التدبير التقني”، بما قد يجعله يفقد الرؤية الاستراتيجية الضرورية لتدبير ملف بحجم التربية والتكوين، مؤكدا أن العنصر الحاسم يتمثل في امتلاك الكفايات اللازمة لإدارة السياسات العمومية، والقدرة على قيادة فريق عمل يضم خبراء، إلى جانب حسن الإنصات لمختلف الفاعلين والمتدخلين في المنظومة التعليمية.

وأشار المتحدث إلى أن القادم من القطاع يمتلك عادة تصورا وفهما للثقافة التنظيمية للقطاع ووعيا بمشكلاته، معتبرا أن ذلك “يبقى عاملا إيجابيا”، لكنه “غير كاف لوحده” لضمان نجاح الإصلاحات المنشودة.