الجامعي: قانون إعدام الأسرى امتداد لمنظومة تستهدف تجريم المقاومة الفلسطينية
اعتبر النقيب عبد الرحيم الجامعي أن ما يُطرح بشأن “قانون إعدام الأسرى” في دولة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن فصله عن المنظومة القانونية والسياسية العامة التي تحكم تعامل الاحتلال مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، مؤكداً أن هذه القوانين ليست نصوصاً محايدة، بل “أدوات سياسية وقانونية لتجريم المقاومة ومحاولة إسكاتها” ضمن سياق احتلال عسكري طويل الأمد.
وجاءت مداخلة الجامعي خلال الندوة التي نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين يوم الأربعاء 13 ماي 2026، تحت عنوان: “قانون إعدام الأسرى.. صفحة بسجل جرائم الحرب لكيان الاحتلال الصهيوني”، حيث تناول فيها الإطار القانوني الناظم لعلاقة الاحتلال بالقانون الدولي الإنساني، وحدود مشروعية التشريعات الصادرة عن قوة احتلال في مواجهة أسرى حرب وشعب واقع تحت السيطرة العسكرية.
وأوضح المتحدث أن الاحتلال القائم منذ سنة 1948 ثم بعد سنة 1967 لا يمكن اعتباره احتلالاً عادياً، بالنظر إلى ارتباطه بالاستيطان والتهجير والتدمير واستخدام القوة العسكرية المفرطة، مشيراً إلى أن القانون الدولي، وخاصة اتفاقية لاهاي لسنة 1907، يعتبر كل إقليم يخضع لسيطرة جيش أجنبي بالقوة أرضاً محتلة تخضع لقواعد الاحتلال الحربي.
وانطلاقاً من هذا التعريف، شدد الجامعي على أن المعتقلين الفلسطينيين هم أسرى حرب، وأن الأراضي الفلسطينية تخضع، من منظور القانون الدولي، لنظام الاحتلال، غير أن الاحتلال الإسرائيلي يرفض الاعتراف بهذه الصفة، كما يرفض الاعتراف بالمقاومة الفلسطينية بوصفها مقاومة مشروعة ضد الاحتلال، ويعمل على تصنيفها ضمن خانة “الإرهاب” أو “التنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون”، بما يسمح بتفريغ الحماية التي تقررها اتفاقيات جنيف.
وأشار النقيب إلى أن أحد أبرز إشكالات القانون الدولي اليوم يتمثل في محاولة الاحتلال نزع الصفة القانونية عن المقاومة الفلسطينية، بما يتيح له تطبيق منظومة قضائية وعسكرية خاصة، تقوم على التمييز بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين، حيث يخضع الفلسطينيون للمحاكم العسكرية، في حين يخضع المستوطنون للقانون المدني الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، اعتبر الجامعي أن منظومة المحاكم العسكرية، إلى جانب الاعتقال الإداري والاحتجاز غير القانوني، تشكل بنية قانونية استثنائية موجهة أساساً ضد الفلسطينيين، موضحاً أن الاعتقال الإداري يتم دون توجيه تهمة أو محاكمة فعلية، بالاعتماد على ملفات سرية لا تُعرض على المعتقل أو دفاعه، وهو ما يشكل، حسب قوله، خرقاً واضحاً لمبادئ المحاكمة العادلة.
وأضاف أن هذه المنظومة لا تقتصر على الاعتقال فقط، بل تشمل أيضاً تمديد الاعتقال بشكل متكرر، في إطار نظام قانوني استثنائي يهدف إلى ضبط السكان الفلسطينيين والتحكم فيهم، معتبراً أن المحاكم العسكرية تُستخدم كأداة سياسية وأمنية أكثر منها كجهاز قضائي مستقل.
وانطلاقاً من هذا السياق، أوضح الجامعي أن إدخال عقوبة الإعدام ضمن هذه المنظومة لا يمكن فهمه كإجراء قانوني معزول، بل كامتداد لتراكم طويل من التشريعات العقابية الموجهة ضد الفلسطينيين، والتي تطورت عبر الزمن لتواكب أشكال المواجهة مع المقاومة الفلسطينية منذ سنة 1948 ثم بعد سنة 1967.
وأكد أن الاحتلال طور، عبر مراحل مختلفة، أدواته القانونية والعسكرية لقمع المقاومة، وأن إضافة عقوبة الإعدام تمثل، في هذا الإطار، تصعيداً جديداً يمنح غطاءً قانونياً إضافياً لممارسات القتل، بدل أن يكون مجرد إجراء قضائي عادي.
وأشار المتحدث إلى أن الاحتلال مارس، على مدى عقود، أنماطاً متعددة من القتل خارج نطاق القضاء، سواء عبر الاغتيالات أو القتل أثناء الاعتقال أو التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون، معتبراً أن القانون الجديد يسعى إلى “تقنين” هذه الممارسات وإضفاء طابع قانوني عليها.
وفي تحليله لطبيعة هذا التشريع، شدد الجامعي على أنه يقوم على منطق استثنائي وانتقامي، ويستهدف فئة محددة من السكان على أساس قومي وسياسي، ما يجعله، من منظور القانون الدولي، أقرب إلى أدوات الاضطهاد، خاصة في سياق احتلال عسكري مستمر.
وأضاف أن هذا التمييز القانوني، المقترن بنظام قضائي مزدوج، يعكس بنية قائمة على الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث تُفرض على الفلسطينيين إجراءات استثنائية وعقوبات مشددة، في حين يتمتع المستوطنون بحماية القانون المدني.
وانتقل النقيب إلى مناقشة موقع هذا التشريع في ضوء القانون الدولي الإنساني، معتبراً أن الاحتلال لا يملك سيادة على الشعب الواقع تحت الاحتلال، وبالتالي لا يحق له فرض منظومة تشريعية تمس جوهر الحقوق الأساسية أو تقوض الضمانات التي تكفلها اتفاقيات جنيف، خاصة تلك المتعلقة بالأسرى والمعتقلين.
وفي هذا الإطار، أكد أن اتفاقيات جنيف الرابعة تضع الأسرى تحت حماية قانونية واضحة، تضمن لهم الحق في المحاكمة العادلة، والكرامة الإنسانية، والحماية من التعذيب والمعاملة القاسية، معتبراً أن أي تشريع يتعارض مع هذه المبادئ يطرح إشكالاً جدياً على مستوى المشروعية الدولية.
كما أشار إلى أن القانون الدولي الإنساني لا يعترف للاحتلال بحق إعادة تشكيل النظام القانوني للشعب المحتل بما يخدم أهدافه السياسية أو الأمنية، بل يقيد سلطاته في حدود الإدارة المؤقتة دون المساس بالسيادة أو الحقوق الجوهرية.
واعتبر الجامعي أن المنظومة الإسرائيلية القائمة اليوم، بما فيها من محاكم عسكرية، واعتقال إداري، وتشريعات عقابية، ومحاولات فرض عقوبة الإعدام، تمثل نظاماً قانونياً استثنائياً موجهاً أساساً لتجريم المقاومة الفلسطينية ومحاصرتها.
وفي تحليله لطبيعة النزاع القانوني القائم، أكد أن الإشكال لا يتعلق فقط بقانون الإعدام، بل بمنظومة متكاملة تُستخدم فيها القوانين كأدوات سياسية لإعادة تعريف المقاومة وتجريدها من مشروعيتها القانونية.
وختم النقيب مداخلته بالتأكيد على أن القانون الدولي الإنساني، رغم وجوده وتطوره، يواجه اليوم تحدياً كبيراً في التعامل مع هذه التشريعات، التي تُستخدم لتقويض فلسفته القائمة على حماية الإنسان في زمن الحرب، مشدداً على ضرورة تطوير مقاربة قانونية دولية شاملة لمحاصرة هذه المنظومة، وعدم الاكتفاء بمعالجة كل قانون بشكل منفصل.